سيارة تابعة للصليب الأحمر تحمل مختطفين إسرائيليين أفرجت عنهم حماس في 29 نوفمبر 2023
سيارة تابعة للصليب الأحمر تحمل مختطفين إسرائيليين أفرجت عنهم حماس في 29 نوفمبر 2023

خلال الهدنة القصيرة بين إسرائيل وحركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى، كان أشخاص يرتدون "سترات بيضاء ويقودون سيارات دفع رباعي" هم الذين رافقوا المختطفين الإسرائيليين والسجناء الفلسطينيين المفرج عنهم إلى بر الأمان، وهم رجال ونساء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فما هو تاريخ المنظمة الإنسانية الأقدم وما أبرز أدوارها؟ 

حرب غزة

قام أفراد اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذين ارتدوا ملابس باللونين الأحمر والأبيض، بتنسيق عملية نقل المختطفين من سيطرة مسلحي حماس إلى الأراضي الإسرائيلية، بالإضافة إلى إعادة السجناء الفلسطينيين من إسرائيل، وفق تقرير لشبكة "سي إن إن" الإخبارية.

وانهارت الهدنة بين إسرائيل وحماس بعد 7 أيام، واحتدم القتال مرة أخرى، مع تركيز القصف الإسرائيلي بشكل متزايد على جنوب غزة، حيث فر بالفعل مئات الآلاف من اللاجئين.

ورغم اعتبار الصليب الأحمر "وسيطا محايدا" بين إسرائيل وحماس، لكن في الأسبوع الماضي، اضطرت المنظمة إلى الدفاع عن نفسها ضد الانتقادات بأنها لا تفعل ما يكفي لمساعدة المختطفين الإسرائيليين المتبقين لدى حماس في غزة.

وقالت أم إسرائيلية، يُعتقد أن ابنها مختطف لدى حماس، إن الصليب الأحمر قام "بعمل رائع من خلال توفير خدمة أوبر  للرهائن الذين تم إطلاق سراحهم"، لكنه لم يفعل شيئًا لأولئك الذين ما زالوا مختطفين.

لكن على جانب آخر، قالت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميريانا سبولجاريك، في حديثها لبرنامج Newshour التابع لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، إن الانتقادات الموجهة لدور الصليب الأحمر "غير عادلة إلى حد كبير، وخاطئة".

وفي سياق متصل، قال روبرت مارديني، المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر، لشبكة "سي إن إن"، إن هناك "حدودا لما يمكن أن يفعله العاملون في المجال الإنساني".

وأضاف:" موظفينا والمتطوعين لدينا جميعهم في خط النار".

واندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس بعد هجوم مباغت شنته الحركة على مواقع عسكرية ومناطق سكنية محاذية لقطاع غزة، أدى إلى مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وتم اختطاف 239 شخصا، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل بقصف جوي وبحري وبري مكثف على القطاع المحاصر، أتبعته بعملية برية، توقفت مؤقتا مع بدء الهدنة، قبل انهيارها.

وفي غزة قتل 17700 شخص، معظمهم نساء وأطفال، منذ بدء الحرب، وأصيب 48780، مع وجود آلاف آخرين في عداد المفقودين ويعتقد أنهم لقوا حتفهم تحت الأنقاض، بحسب ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحماس، السبت.

الاستقلالية والحيادية والنزاهة

يوضح خبير القانون الدولي، أيمن سلامة، أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر هي الهيئة الوحيدة في العالم التي حازت على جائزة نوبل للسلام 3 مرات، نظرا للدور الهائل غير المسبوق الذي تقوم به منذ نشأتها.

ويؤكد سلامة لموقع "الحرة" أن أطراف النزاعات المسلحة "الدولية أو غير الدولية" لم يرفضوا تقريبا عمل وتواجد المنظمة طوال فترة عملها بأي نزاع.

وعدد المرات التي رفض فيها عمل الهيئة "لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة"، حسبما يوضح سلامة المشارك في تحديثات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بخصوص أسرى الحرب.

أدوار اللجنة 

وتوجه اللجنة الدولية وتنسق أنشطة الإغاثة الدولية التي تنفذها الحركة في حالات النزاع. وتسعى جاهدة أيضا إلى تفادي المعاناة بنشر وتعزيز القانون الدولي الإنساني والمبادئ الإنسانية العالمية، بحسب ما تقول على موقعها الرسمي

أسند المجتمع الدولي إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر مهمة زيارة أسرى الحرب والمعتقلين المدنيين الذين أوقفوا خلال النزاعات المسلحة، بموجب اتفاقيات جنيف

وتهدف من خلال زياراتها إلى السجون إلى التأكد من أن المحتجزين يعاملون بكرامة وإنسانية وفقا للقواعد والمعايير الدولية، والتعاون مع السلطات لمنع التجاوزات وتحسين ظروف الاحتجاز.

وتعمل على إيجاد المفقودين، وتبادل الرسائل العائلية، ولم شمل العائلات، والسعي إلى كشف مصير الأشخاص المفقودين.

وتسعى إلى نشر المعرفة بالقانون الدولي الإنساني والتوعية بالاحتياجات الإنسانية للمتأثرين بالنزاعات المسلحة والعنف.

وتساند الهاربون والمهاجرون والفارون خلال رحلتهم من خلال نشاطاتنا في الإغاثة والحماية.

وتلعب دورا في ترسيخ احترام القانون، تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، الإغاثة الطبية، والتصدي للعنف الجنسي.

وتعتمد مصداقية اللجنة الدولية للصليب الأحمر على "استقلالها وحيادها وعدم تحيزها لأي من أطرف النزاع المسلح"، حسبما يوضح خبير القانون الدولي.

ويشير إلى أن "التاريخ الطويل والخبرات المتراكمة للجنة في تقديم المساعدات الإنسانية أثناء النزاعات المسلحة وحالات الطوارئ الأخرى قد اكسبها سمعة طيبة فيما يتعلق بالمصداقية".

ويؤكد أن مصداقية اللجنة "أمر ضروري" حتى تتمكن من الاطلاع بمهامها، وإذا لم تتمتع بتلك المصداقية فلن تستطيع الوصول لجميع أطراف النزاع المسلح وتقديم المساعدة الإنسانية للمحتاجين.

واللجنة "محايدة" وتقدم المساعدة الإنسانية على أساس "الحاجة" دون تمييز على أساس عرقي أو ديني أو جنسي أو سياسي أو أي عامل أخر، وفق حديثه.

ويشدد على أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر "منظمة إنسانية مستقلة ومحايدة، لا تنتمي لأي حكومة أو حزب سياسي ما يتيح لها العمل بنزاهة والحفاظ على ثقة جميع أطراف النزاع".

ويشير إلى أن استقلال اللجنة مهم ويسمح لها بـ"انتقاد كافة أطراف النزاع، بسبب انتهاكها القانون الدولي الإنساني".

وتستند الانتقادات في كثير من الأحيان إلى "أدلة مباشرة دامغة يجمعها موظفوها على الأرض"، حسبما يلفت سلامة.

تاريخ طويل على "خط النار"

البقاء في خط النار هو أمر واجهه متطوعو الصليب الأحمر على مدار الـ 160 عاما الماضية.

ومنذ نشأتها عام 1863، كان هدف اللجنة الدولية للصليب الأحمر الوحيد هو حماية ضحايا النزاعات المسلحة والاضطرابات ومساعدتهم، وذلك عن طريق عملها المباشر عبر أنحاء العالم، وكذلك من خلال تشجيع تطوير القانون الدولي الإنساني وتعزيز احترامه من قِبَل الحكومات وجميع حاملي السلاح، وفق "الموقع الرسمي للمنظمة".

يقوم عمل اللجنة الدولية على اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، وهي منظمة مستقلة ومحايدة تضمن الحماية والمساعدة في المجال الإنساني لضحايا النـزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى. 

وتعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أقدم المنظمات الإنسانية وأكثرها تكريما في العالم، وهي حائزة على جائزة نوبل للسلام ثلاث مرات، خلال الحربين العالميتين وفي الذكرى المئوية لتأسيسها.

وتعمل اللجنة في أكثر من 100 بلد، حيث تدعم نحو 80 مليون شخص من المتضررين من الحروب والكوارث الطبيعية والأزمات العالمية الأخرى من خلال شبكة إنسانية. 

وفي الدول ذات الأغلبية المسلمة، تنفذ اللجنة الدولية عملها الإنساني تحت مسمى "الهلال الأحمر".

وكان الهلال الأحمر التركي أول من اعتمد هذا الرمز، والذي تأسس في عهد الإمبراطورية العثمانية عام 1868.

وتأسست جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رسميا في عام 1968، وكان دورها في البداية "مساعدة اللاجئين الفلسطينيين في الأردن".

وفي الوقت الحالي، تمثل جمعية الهلال الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وغزة وخارج الأراضي الفلسطينية، وفي عام 2006، تم قبولها كعضو كامل العضوية في اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

على مدار القرن ونصف القرن التاليين، كانت مجموعات "الصليب والهلال الأحمر" حاضرة في كل صراع تقريبا، وتحتوي أرشيفات المجموعة الخاصة بالحرب العالمية الأولى وحدها على تفاصيل عن أكثر من مليوني أسير حرب.

وتعد الاستجابة للكوارث الطبيعية عنصرا رئيسيا آخر في عمل لجنة الصليب الأحمر، لكن عمليات تبادل الرهائن والأسرى غالبا ما تكون أكثر اللحظات المشحونة سياسيا بالنسبة للمنظمة، حسبما تشير "سي إن إن".

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".