هجمات الحوثيين تسببت في تعطيل الشحن الدولي ودفع بعض الشركات إلى تعليق عمليات العبور من البحر الأحمر (أرشيفية)
هجمات الحوثيين تسببت في تعطيل الشحن الدولي ودفع بعض الشركات إلى تعليق عمليات العبور من البحر الأحمر (أرشيفية)

مع تصاعد التوتر على طريق الشحن البحري الأسرع والأقل كلفة بين آسيا وأوروبا، تبدو خيارات الغرب للرد على هجمات المتمردين اليمنيين في البحر الأحمر، محدودة، وفق خبراء يؤكدون أن خيارا عسكريا ضد الحوثيين في اليمن قد لا يُفضي إلى النتائج المرجوّة.

وعقب نشر بوارج أميركية وبريطانية وفرنسية في المنطقة، سارعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري يضمّ أكثر من 20 بلدا لحماية حركة الملاحة، فيما كثّفت دول غربية تحذيراتها للمتمردين اليمنيين المدعومين من إيران، من دون تحديد طبيعة خطواتها المحتملة.

وذكرت وسائل إعلام غربية، من بينها "نيويورك تايمز"، الأربعاء، أن الولايات المتحدة وحلفاؤها يدرسون كيفية التصدي للهجمات.

وقال مسؤولون عسكريون، إن إدارة بايدن وعدد من الحلفاء الدوليين، أوردوا الأسبوع الماضي، أنهم سيحملون الحوثيين مسؤولية الهجمات، وهو تحذير يشير إلى أن الحكومة ربما تفكر في شن "ضربات انتقامية" على أراضي الحوثيين في اليمن. 

من جهتها، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، الأربعاء، أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ألمحتا إلى أنهما قد تقومان بعمل عسكري ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، بعد أن صدوا، مساء الثلاثاء، أكبر هجوم حتى الآن على الشحن في البحر الأحمر.

وفي السياق ذاته، أوردت صحيفة التلغراف، أن بريطانيا كانت تدرس الأربعاء، شن ضربات على أهداف برية في اليمن، ردا على الهجمات.

وشن الحوثيون على مدى الأسابيع السبعة الماضية، أكثر من 25 عملية استهداف لسفن تجارية يشتبهون بأنها مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانئ إسرائيلية، قرب مضيق باب المندب الاستراتيجي عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، تضامنا مع قطاع غزة الذي يشهد حربا مع إسرائيل منذ السابع من أكتوبر.

وتعيق هجمات الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر الذي تمر عبره 12 بالمئة من التجارة العالمية، بحسب غرفة الشحن الدولية. وقد تسببت بمضاعفة كلفة النقل، نتيجة تغيير 18 شركة شحن على الأقل، مسار سفنها حول جنوب إفريقيا، وفق الأمم المتحدة.

ودفع هذا الوضع الولايات المتحدة في ديسمبر إلى تشكيل تحالف بحري دولي بقيادتها، يسير دوريات في البحر الأحمر لحماية حركة الملاحة البحرية من هجمات الحوثيين.

ويعتبر الأستاذ المشارك في جامعة أوتاوا الكندية للشؤون العامة والدولية، توماس جونو، أن التحالف البحري "أفضل الخيارات السيئة في هذه المرحلة".

ويرى مدير قسم شؤون شبه الجزيرة العربية في معهد الشرق الأوسط، جيرالد فايرستاين، أن "الخيار الأفضل هو مواصلة العمليات الدفاعية.. حتى انتهاء النزاع في غزة". 

وبحسب البنتاغون، أسقطت القوات الأميركية والبريطانية 18 طائرة مسيرة مفخخة وصاروخين مجنحين وصاروخا بالستيا أطلقها مساء الثلاثاء، الحوثيون، في هجوم اعتبرت بريطانيا أنه "الأكبر" الذي ينفذه المتمرّدون في المنطقة. 

وأدى الاشتباك الأعنف مع الحوثيين في 31 ديسمبر، إلى إغراق الجيش الأميركي ثلاثة زوارق حوثية وقتل أفراد طواقمها، بعد أن هاجمت سفينة.

"نتائج عكسية"

وحذّرت 12 دولة على رأسها الولايات المتحدة الأسبوع الماضي الحوثيين من "عواقب" لم تحدّد طبيعتها. ووصف مسؤول أميركي كبير التحذير بأنه "الأخير". 

وقال جون إف كيربي، المتحدث باسم البيت الأبيض، في مؤتمر صحفي، الأربعاء: "هذه الهجمات غير قانونية، وهي متهورة وتصعيدية".

وأضاف: "سنفعل كل ما يتعين علينا القيام به لحماية الشحن في البحر الأحمر"، لكنه رفض الخوض في التفاصيل.

ورفض وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، خلال مؤتمر صحفي، الأربعاء في المنامة بالبحرين، تحديد الإجراءات التي قد تكون قادمة. وقال: "ما يمكنني قوله لكم هو أنه، كما أوضحنا، وكما أوضحت العديد من الدول الأخرى، ستكون هناك عواقب لأفعال الحوثيين".

ووجه وزير الدفاع البريطاني، جرانت شابس، رسالة مماثلة، ملمحا إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات، قائلا في تصريحات لوسائل إعلام بريطانية: "لا يمكن أن يستمر هذا ولا يمكن السماح له بالاستمرار".. إذا لم يتوقف هذا، فسيتم اتخاذ إجراء. لذا أخشى أن أبسط شيء هو أن أقول: "راقبوا هذه المساحة".

من جانبه، ناقش الجنرال تشارلز براون جونيور، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الأربعاء، مع نظيره البريطاني الأدميرال السير توني راداكين، "هجمات الحوثيين غير القانونية المستمرة على السفن التجارية" في البحر الأحمر، وفقًا لبيان من المتحدث باسم الجنرال براون.

وفتح تشديد اللهجة حيال الحوثيين المجال أمام تكهنات بإمكانية شن ضربات ضدهم.

إلا أن الباحث فايرستاين، وهو سفير أميركي سابق لدى اليمن، يرى في حديثه لفرانس برس، أن "عمليات عسكرية هجومية في اليمن ستؤدي إلى نتائج عكسية".

ويلفت إلى أن الحوثيين "يعتقدون أن صراعا مفتوحا مع الولايات المتحدة دعما للفلسطينيين، سيكسبهم دعما داخليا وسيعزز صورتهم كعنصر أساسي في محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة.

ويوافقه جونو الرأي، موضحا أن ضربات جوية محدودة ضد مواقع عسكرية حوثية "لن تحدث أضرارا كبيرة" إنما "ستدعم بشكل كبير خطاب الحوثيين عن مقاومة" الولايات المتحدة وإسرائيل.

أما عن إمكانية شن ضربات واسعة النطاق، فيرى جونو أن "من شأنها أن تسبب ضررا أكبر لكنها قد تغرق الولايات المتحدة في صراع جديد مكلف".

ويرى الباحث اليمني غير المقيم في معهد "تشاتام هاوس"، فارع المسلمي، في حديثه للصحيفة، أن ضربة عسكرية على الحوثيين لن تكون "مجدية"، مشيرا إلى أن "اليمن ضخم جغرافيا" والحوثيين يتمتعون ب"قدرات عسكرية قوية نوعا ما".

قرار من مجلس الأمن

والأربعاء، دعا مجلس الأمن الدولي إلى وقف "فوري" لهجمات الحوثيين على سفن في البحر الأحمر، مطالبا كذلك كل الدول باحترام حظر الأسلحة المفروض على هؤلاء المتمردين اليمنيين المدعومين من إيران.

والقرار الذي صاغته الولايات المتحدة واليابان واعتمده المجلس بأغلبية 11 عضوا وامتناع أربعة أعضاء عن التصويت (روسيا والصين والجزائر وموزمبيق) "يدين بأشد العبارات الهجمات التي لا تقل عن 24 والتي استهدفت سفنا تجارية منذ 19 نوفمبر 2023"، تاريخ استيلاء الحوثيين على السفينة "غالاكسي ليدر" واحتجاز أفراد طاقمها البالغ عددهم 25 شخصا رهائن. 

ويطالب القرار "بأن يضع الحوثيون فورا حدا" للهجمات "التي تعرقل التجارة الدولية وتقوض حقوق وحريات الملاحة وكذلك السلم والأمن في المنطقة".

وشدد المجلس في قراره على احترام القانون الدولي، مشيرا إلى أنه "أخذ علما" بحق الدول الأعضاء في الدفاع عن السفن ضد الهجمات.

ويشير القرار الذي اعتمده مجلس الأمن إلى الانتهاكات "الواسعة النطاق" لحظر الأسلحة المفروض على الحوثيين، ويذكر من ناحية أخرى بضرورة "احترام" جميع الدول الأعضاء "التزاماتها" في هذا الصدد و"يدين توفير أسلحة" للحوثيين المقربين من إيران. 

وأكد أحدث تقرير صدر في نوفمبر عن خبراء تابعين لمجلس الأمن الدولي مكلفين مراقبة حظر الأسلحة أن الحوثيين "يعززون بشكل كبير قدراتهم العسكرية البرية والبحرية، بما في ذلك الغواصات، فضلا عن ترسانتهم من الصواريخ والمسيرات، في انتهاك للحظر المفروض".  

ويدعو مشروع القرار أخيرا إلى "معالجة جذور" الوضع "بما في ذلك الصراعات التي تساهم في التوترات الإقليمية". 

وكان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، قال الأربعاء "ما زلنا نشعر بقلق بالغ بشأن الوضع في البحر الأحمر، ليس فقط بسبب الوضع نفسه والمخاطر التي تهدد التجارة العالمية والبيئة والناس، ولكن أيضا بسبب مخاطر تصعيد الصراع على نطاق أوسع في الشرق الأوسط".

"جهود دبلوماسية" 

وأوردت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الولايات المتحدة، تمتنع، حتى الآن، عن ضرب قواعد الحوثيين في اليمن، لأنها لا تريد تقويض الهدنة الهشة في الحرب الأهلية في اليمن.

وفي السعودية، طرح بلينكن، مسألة هجمات الحوثيين خلال لقائه ولي العهد الأمير، محمد بن سلمان، الاثنين. وقال إن واشنطن تريد أن يتلقى الحوثيون رسالة مفادها أن "هذا الأمر يجب أن يتوقف".

ويكتسي الموضوع حساسية خاصة بالنسبة للسعودية التي تجري مفاوضات متقطعة مع الحوثيين، منذ أشهر لوضع حرب اليمن على سكة الحل.

واندلع النزاع في اليمن في 2014. وسيطر الحوثيون على مناطق شاسعة في شمال البلاد بينها العاصمة صنعاء. في العام التالي، تدخلت السعودية على رأس تحالف عسكري دعما للحكومة، ما فاقم النزاع الذي خلف مئات آلاف القتلى.

والتزمت السعودية، وهي من بين الدول المطلة على البحر الأحمر، الصمت حيال هجمات الحوثيين على السفن ولم تنضم إلى التحالف البحري بقيادة واشنطن.

ويقول فايرستاين، إن السعوديين لا يريدون أن يتسبب اتخاذهم موقفا عدائيا حيال الهجمات ب"تقويض محادثاتهم مع الحوثيين" أو دفعهم إلى شن "جولة جديدة من الهجمات.. ضد أهداف سعودية".

وبين 2019 و2022، تعرضت منشآت نفطية في السعودية، أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، لهجمات تبناها الحوثيون وأدى أكبرها إلى نسف نصف إنتاج المملكة لأيام. وتوقفت تلك الهجمات مع تراجع حدة المعارك في اليمن عقب إعلان هدنة في أبريل 2022 رغم انتهاء مفاعيلها بعد ستة أشهر.

ويرى فايرستاين أن واشنطن "تتفهم الموقف السعودي ولن تتوقع انضمام" الرياض للتحالف البحري.

ويعتبر  أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف في بيروت كريم بيطار أن الخيار العسكري سيبقى مطروحا "كوسيلة أخيرة".

وأشار إلى أن الأميركيين يستخدمون في هذه الأثناء لردع الحوثيين "قنوات التواصل عبر قوى إقليمية أخرى، وتحديدا سلطنة عمان" التي تؤدي دور الوسيط في النزاع اليمني.

ويؤكد فايرستاين، أن العمانيين "مترددون في الضغط على الحوثيين حاليا، لأنهم لا يريدون أن ينظر إليهم على أنهم يدعمون العمليات الإسرائيلية في غزة".

لكن بيطار يرى أن "الحقيقة المرة هي أن تهديد حرية الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر هو بالنسبة للمجتمع الدولي، أكثر أهمية من مقتل أكثر من 20 ألف شخص في غزة".

السعودية وإيران

ثلاثة أحداث في شهر أبريل الحالي يبدو أنها ستكون ممهدة لزيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المقررة إلى السعودية في منتصف شهر مايو المقبل.

الحدث الأول هو بدء المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول برنامج إيران النووي، وهذه المفاوضات مستمرة لجولات مقبلة.

الحدث الثاني هو زيارة وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، إلى السعودية الأحد الماضي، وإعلانه التوصل إلى اتفاق مبدئي للتعاون في تطوير الصناعة النووية المدنية في المملكة.

ويتمثل الحدث الثالث في زيارة وزير الدفاع السعودي إلى إيران اليوم الخميس ولقائه بالمرشد الأعلى علي خامنئي، حاملا رسالة من الملك السعودي.

خامنئي قال في منشور على منصة أكس إن وزير الدفاع السعودي سلمه رسالة من ملك السعودية، وأضاف في منشور أن "العلاقات بين إيران والسعودية مفيدة للبلدين".

تتصل هذه المحطات الثلاث ببعضها البعض عبر خيط رفيع، وتشكل مقدمة لقراءة ما ستؤول إليه المنطقة في ظل المباحثات النووية مع إيران.

في ورقة بحثية نشرها الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، يربط سايمون هندرسون، بين زيارة وزير الطاقة الأميركي إلى السعودية وإبرامه اتفاقاً مبدئيا حول البرنامج النووي السعودي، وبين المفاوضات الأميركية الإيرانية التي تسابق الحل العسكري الذي لوح به الرئيس ترامب في حال فشل المفاوضات.

هندرسون يرى في ورقته أنه مع استمرار المفاوضات "يبقى دعم الولايات المتحدة لأي عمل عسكري إسرائيلي ضد إيران معلقاً بشكل أساسي"، بمعنى أن واشنطن تمانع من أن تقوم إسرائيل بأي ضربة عسكرية أحادية للبرنامج النووي الإيراني في الوقت الراهن مع استمرار المفاوضات.

ويشير هندرسون إلى "انخراط حلفاء واشنطن من دول الخليج العربية بشكل أكبر مع طهران في الأشهر الأخيرة ويبدو أنهم مترددون في دعم الضربات العسكرية ضد البرنامج النووي".

وهذا ما قد يفسر ربما زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في هذا التوقيت وقد يعطي فكرة عن محتوى الرسالة التي حملها من الملك إلى المرشد.

اندرسون يشرح في مقابلة خاصة مع موقع "الحرة" اعتقاده بأن التحرك الأميركي "النووي" تجاه السعودية قد يكون مزيجاً من الاهتمام بموضوع الطاقة ومن رسائل استراتيجية موجهة لإيران.

ويتابع اندرسون: "يتجلى شكي في هذا الموضوع داخل الإدارة هنا في واشنطن، حيث يبدو أنهم غير متأكدين من كيفية التعامل معه أيضاَ. ومع ذلك، سيكون من المفيد دبلوماسياً، أثناء التفاوض مع إيران، أن يشعر الجميع بأن واشنطن تهتم بأكثر من مجرد اتخاذ موقف صارم تجاهها (إيران). خاصةً أن المملكة العربية السعودية تسير في نفس الاتجاه، ولكن دون كل هذا الضجيج".

وبحسب اندرسون، فإن إدارة ترامب تركّز على المستويين المحلي والدولي، على إظهار القوة، وليس فقط التركيز على ملف الطاقة النووية.

ويضيف: "يأتي ذلك في توقيت يسبق بحوالي شهر الزيارة المرتقبة للرئيس ترامب إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية وقطر والإمارات. من المؤكد أن هناك علاقة بين الأمرين. لكن من يدري؟ دعونا ننتظر لنرى كيف ستتطور الأحداث".