انهيار اتفاق السلام بين باماكو والطوارق ـ صورة تعبيرية.
انهيار اتفاق السلام بين باماكو والطوارق ـ صورة تعبيرية.

في خطوة يتوقع أن تصب الزيت على نار الاضطرابات التي تشهدها البلاد، أنهى المجلس العسكري في مالي، الخميس، اتفاق السلام مع المتمردين الطوارق، بعد أن تجددت التوترات بين السلطة الحاكمة في باماكو وتنسيقية حركات "أزواد" في الشمال.

وأعلن المجلس العسكري الحاكم في بيان، أنه لم يعد من الممكن الاستمرار في الاتفاق، بسبب ما اعتبره "عدم التزام الموقعين الآخرين بتعهداتهم"، موجها اتهامات للجزائر الوسيط الرئيسي الذي رعا الاتفاق بارتكاب "أعمال عدائية".

وجاء إعلان قادة الجيش، إثر تجدد الأعمال العدائية بينهم وبين تنسيقية حركات أزواد، وهي تحالف جماعات مسلحة يهيمن عليها الطوارق، في أغسطس الماضي، بعد ثماني سنوات من الهدنة الهشة.

"سيناريوهات دموية"

واعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة باماكو، محمد أغ إسماعيل، أن العمل بالاتفاق "انتهى فعليا" مع استئناف المواجهات، في أعقاب صراع الطرفين للسيطرة على الأراضي والمعسكرات التي تركتها القوات التابعة الأممية التي انسحب من البلاد، مشيرا إلى أن البيان الأخير يأتي لـ"إضفاء الصبغة الرسمية على القرار".

ويضيف إسماعيل في تصريح لموقع الحرة، أن "كل المعطيات توحي بأن الاقتتال سيتصاعد عقب الخطوة الأخيرة، معتبرا أن "سكان الشمال سيكونون مجددا الضحية الأولى لهذه الأزمة التي ستتسبب أيضا في توتر العلاقات مع الجزائر".

وشهدت مالي، الواقعة على الطرف الجنوبي للصحراء الكبرى، أعمال عنف منذ عام 2012، في أعقاب انتفاضة لجماعات الطوارق التي كانت تشكو من إهمال الحكومة، وسعت إلى حكم ذاتي للمنطقة الصحراوية الشاسعة التي يطلقون عليها اسم "أزواد".

وفي عام 2015، وقعت الحكومة المركزية بمالي "اتفاق السلم والمصالحة" مع الطوارق، تضمن  68 بندا، أهمها اعتراف باماكو بخصوصية الإقليم الشمالي في إطار الدولة الموحدة، وقبولها بالتوسع في تطبيق اللامركزية، لتتيح تمثيلا أكبر لأبناء الشمال بالجمعية الوطنية، ورفع مستوى التنمية بالشمال، ليعادل نظيره بالإقليم الجنوبي.

غير أنه مع وصول العسكريين إلى السلطة بعد انقلابين في عامي 2020 و2021، ودفعهم، في يونيو الفائت، "بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار " (مينوسما) للانسحاب من البلاد، بعد اتهام قواتها بـ "تأجيج التوترات المجتمعية"، عادت التوترات مع سعي الطرفين للسيطرة على القواعد التي أخلتها البعثة في الشمال، حسبما يوضح الباحث في الشؤون الأفريقية، محمد توشرين.

واتهمت تنسيقية حركات أزواد قوات المجلس العسكري باستهداف مواقعها، فيما تتهم باماكو "الرجال الزرق" (الطوارق) بالتواطؤ مع ما تسميها جماعات إرهابية، مؤكدة رغبتها في بسط سيطرتها على جميع أنحاء البلاد.

خريطة مالي

وقبل التطورات الأخيرة، قطع المجلس العسكري الحاكم علاقاته مع فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي نشرت قواتها في البلاد لمحاربة الجماعات الإرهابية بالمنطقة، ووثقوا في المقابل صلاتهم مع روسيا، عن طريق مجموعتها المسلحة "فاغنر".

في هذا الجانب، يعتبر إسماعيل، أن قناعةً تشكلت لدى باماكو، بـ"قدرتها على حسم صراعها ضد الأزواد بفضل الدعم الروسي والتعاون العسكري مع أطراف دولية أخرى"، لافتا في الجهة المقابلة، "لم يعد للطوارق ما يخسرونه خاصة بعد إلغاء الاتفاق"، مما يفتح الباب لـ"سيناريوهات دموية".

وتعقيبا على خطوة المجلس العسكري، قال المتحدث باسم تنسيقية حركات "أزواد"، المولود رمضان: "كنا نتوقع ذلك منذ أن أحضروا فاغنر وطردوا بعثة الأمم المتحدة وبدأوا أعمالا عدائية بمهاجمة مواقعنا على الأرض"، حسبما نقلته رويترز.

في هذا الجانب يرى توشرين، أن خطوة الانسحاب من اتفاق السلام كانت منتظرة، بعد أن ساءت العلاقات بين الطرفين المتصارعين في أعقاب تجدد أعمال العنف للسيطرة على قواعد في مناطق كيدال وتومبوكتو شمالا.

ويضيف توشرين في تصريح لموقع "الحرة"، أن تداعيات القرار الأخير "ستكون خطيرة على البلد الأفريقي، مشيرا إلى أن لـ"مجموعات الطوارق نفوذ وامتداد بدول الساحل الأفريقي وأيضا مشروعا سياسيا يحظى بدعم عدة أطراف إقليمية".

ويشير الباحث السوداني إلى أن الوضع الجديد، قد يدفع جماعات انفصالية أخرى مثل الفولان التي تنتشر بوسط مالي وتتدهور علاقتها بالسلطة المركزية، للتحالف مع الطوارق.

تصاعد التهديد الإرهابي

واستغلت الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش" الأوضاع الأمنية المتدهورة في مالي منذ سنوات، من أجل الانتشار وتوسيع هجماتها ومناطق نفوذها في دول غرب أفريقيا المجاورة.

وتوصف المنطقة الحدودية بين دول النيجر وبوركينا فاسو ومالي بأنها "المثلث الأخطر"، حيث تنشط تنظيمات إرهابية عدة، قوّت حضورها خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد عدوى الانقلابات العسكرية التي تشهدها المنطقة منذ عام 2020.

ويثير انهيار اتفاق السلام الذي يأتي بعد انسحاب القوات الفرنسية ثم البعثة الأممية "مينوسما"، مخاوف من تدهور الأوضاع الأمنية بالمنطقة، حيث تتربص المنظمات الإرهابية، لاستغلال النزاعات والأوضاع الإنسانية الصعبة للسيطرة على مناطق نفوذ وتأمين مجندين جدد.

في هذا الجانب، يرى الخبير بالشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن تجدد الصراع في مالي قد يهدد بـ"تفاقم للعنف، ستكون له تداعيات قاسية"، لا سيما وأن المنطقة تعرف نشاطا مكثفا للتنظيمات الإرهابية، مما يهدد الوضع الأمني الداخلي والإقليمي عامة".

ومن أبرز الجماعات التي تنشط بالمنطقة، "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل – المعروف سابقا باسم داعش في الصحراء الكبرى، بحسب تقرير حديث أصدرته الخارجية الأميركية عن الإرهاب في العالم.

ويعتبر تورشين أن توظيف الجيش المالي لإمكانياته وقدراته المحدودة في صراعه ضد الطوارق، من شأنه أن يحد من قدرته على مواجهة هذه الجماعات المتطرفة.

مناطق انتشار الجماعات المسلحة في مالي ودول منطقة الساحل ـ

وقبل أشهر، حذر الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في مالي، القاسم واين، بأن البيئة الأمنية في البلاد اتسمت بالتعقيد في الأشهر الأخيرة، لا سيما في وسط البلاد ومنطقة الحدود الثلاثية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

وكشف واين، أن عدد النازحين داخليا في مالي مرتفع بسبب استمرار التحديات الأمنية في البلاد، مشيرا إلى أن عددهم وصل إلى أكثر من 410 ألف شخص، إلى حدود شهر  ديسمبر 2022.

وبحسب المسؤول الأممي الذي أفاد باستمرار أنشطة العناصر المتطرفة في زعزعة الأمن في مناطق البلاد،  يحتاج 8.8 مليون مالي إلى مساعدات إنسانية، مشيرا أيضا إلى نحو مليوني طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد.

اتهامات للجزائر 

واعتبر المجلس العسكري الحاكم في بيانه الأخير، أن مسؤولية إنهاء الاتفاق الذي يعد ضروريا لحفظ استقرار البلاد إلى "التغير في مواقف بعض الجماعات الموقعة" مشيرا إلى ما اعتبرها "الأعمال العدائية" من جانب الوسيط الرئيسي الجزائر. 

ولم تعلق الجزائر إلى حدود نشر التقرير على البيان الأخير الذي يأتي في أعقاب توترات في العلاقات بين البلدين.

واستدعت الخارجية المالية، في ديسمبر الماضي، سفير الجزائر لدى باماكو لإبلاغه احتجاجا على "أفعال غير ودية" من جانب بلاده و"تدخلها في الشؤون الداخلية" لمالي. 

وقالت وزارة الخارجية المالية، في بيان حينه، إن باماكو أخذت على الجزائر خصوصا "الاجتماعات المتكررة التي تعقد في الجزائر على أعلى المستويات دون أدنى علم أو تدخل من السلطات المالية، من جهة مع أشخاص معروفين بعدائهم للحكومة المالية.

ومن جهة أخرى مع بعض الحركات الموقعة" على اتفاق 2015 والتي "اختارت المعسكر الإرهابي".

وجاء استدعاء السفير الجزائري أيضا، بعد أن استقبل الرئيس عبد المجيد تبون في الجزائر العاصمة، الإمام محمود ديكو وهو شخصية دينية وسياسية مالية بارزة ومن القلائل الذين عبروا علنا عن اختلافه مع المجلس العسكري الحاكم .

وردا على ذلك، استدعت الخارجية الجزائرية سفير مالي لدى الجزائر.

وذكّر وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، السفير الماليّ، حينها بأن كل "المساهمات التاريخية للجزائر في تعزيز السلم والأمن والاستقرار في جمهورية مالي كانت مبنية بصفة دائمة على ثلاثة مبادئ أساسية لم تَحِدْ ولن تحيد عنها بلادنا"، حسب بيان للخارجية الجزائرية.

أستاذ العلاقات الدولية الجزائري، رشيد علوش، يرى أن التوتر في العلاقات بين البلدين، نتيجة لـ"سوء تقدير للموقف من السلطات المالية تجاه الجزائر"، التي تبقى تحركاتها الأخيرة في المنطقة من منطلق دورها كـ"راعية لاتفاق السلم والمصالحة مالي".

ويوضح علوش في تصريح لموقع "الحرة"، أن التصور الجزائري للحل في مالي يقوم على ضرورة التوصل لتوافق وتسوية من خلال مصالحة وطنية وليس عبر الحل العسكري الذي جُرب في السابق ولم يحقق نتيجة مرضية للحكومة المركزية أو للحركات الطوارقية.

وشدد البيان الجزائري السابق، على "تمسك الجزائر الراسخ بسيادة جمهورية مالي، وبوحدتها الوطنية وسلامة أراضيها". كذلك، أكد "القناعة العميقة بأن السبل السلمية، دون سواها، هي وحدها الكفيلة بضمان السلم والأمن والاستقرار في جمهورية مالي بشكل ثابت ودائم ومستدام".

وجاء في البيان أيضا، أن "المصالحة الوطنية، وليس الانقسامات والشقاقات المتكررة بين الإخوة والأشقاء، تظل الوسيلة المثلى التي من شأنها تمكين دولة مالي من الانخراط في مسار شامل وجامع لجميع أبنائها دون أي تمييز أو تفضيل أو إقصاء".

في هذا الجانب، يقول علوش، إن الجزائر ستواصل التمسك والدفع بضرورة التوصل لمصالحة وطنية، من خلال إعادة العمل لجمع مختلف الأطراف الموقعة على اتفاق السلم دون أي إقصاء، أو استعمال لمنطق القوة أو السلاح.

ويضيف الجامعي الجزائري، أن بلاده لن ترفع يديها عن الملف بعد انهيار الاتفاق، مشيرا إلى أن الملف المالي يرتبط ارتباطا مباشرا بالأمن القومي للجزائر.

وردا على إمكانية تدخّل أطراف أخرى غير الجزائر للعب دور الوساطة بين الطرفين المتصارعين، يقول المحلل المالي، محمد آغ إسماعيل، إلى أن "الدولة الوحيدة التي تقبل باماكو الاستماع لنصائحها هي روسيا"، غير أنه أشار إلى أنه لا يعتقد أن الكرملين يرغب في التسوية الآن"، متأسفا  لتحول الساحل إلى "منطقة المواجهة بين روسيا والغرب وسوقا للأسلحة الروسية ولمرتزقة فاغنر".

ويؤكد على أن "الصراع في مالي تستغله أطراف إقليمية ودولية خدمة لمصالحها في الوقت الذي يعجز الماليون في الاتفاق على التفاهمات خدمة للمواطنين وللوطن".

نائبة الرئيس الأميركي تصل لكوريا الجنوبية
كامالا هاريس تشارك في قمة السلام الخاصة بأوكرانيا وتجتمع مع زيلينسكي (أرشيفية)

تشارك نائبة الرئيس الأميركي، كامالا هاريس، في قمة السلام الدولية الخاصة بأوكرانيا التي ستبدأ السبت في سويسرا وتستمر ليومين، حيث ستلتقي بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وتلقي كلمة أمام زعماء العالم.

وقال مسؤول أميركي إنها "ستؤكد على أن نتيجة الحرب في أوكرانيا تؤثر على العالم بأسره"، وستدعو إلى "دعم أكبر عدد ممكن من الدول، لفكرة أن غزو روسيا ينتهك المبادئ التأسيسية لميثاق الأمم المتحدة، وأنه يجب احترام سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها".

وتشارك هاريس في القمة نيابة عن الرئيس جو بايدن، ومن المقرر أن تقضي أقل من 24 ساعة في التجمع الذي سيعقد في مدينة لوسيرن.

وتصل هاريس ظهر السبت، ولن تقضي سوى عدة ساعات تغادر بعدها إلى واشنطن. وستلتقي مع زيلينسكي وتلقي كلمة في الجلسة العامة للقمة.

وسيمثل مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان، الولايات المتحدة في القمة، الأحد، ويساعد في إنشاء مجموعات عمل بشأن إعادة الأطفال الأوكرانيين من روسيا، وأمن الطاقة.

ووصفت روسيا القمة بأنها "عديمة الفائدة". ولم يتم توجيه دعوة لها للحضور. 

وتقول الصين، الحليف الرئيسي لروسيا، إنها لن تحضر المؤتمر لأنه "لا يلبي متطلبات بكين"، بما في ذلك مشاركة روسيا.

وقال مسؤول أميركي كبير، وفق رويترز، إن غياب روسيا لن يؤثر على القمة، لكنه عبّر عن أسفه لقرار بكين.

وتعتزم 92 دولة و8 منظمات حضور القمة.

وقال المسؤول للصحفيين: "الأمر متروك لقادة أوكرانيا لاتخاذ القرار بشأن كيفية وبأي شروط يمكن أن تنتهي هذه الحرب. مهمتنا، وما نحاول القيام به، هو وضعهم في موضع أفضل على ساحة المعركة لأي مفاوضات محتملة".