السلطة الفلسطينية تقدمت بطلب الحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة في سبتمبر 2011 ـ صورة أرشيفية.
السلطة الفلسطينية تقدمت بطلب الحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة في سبتمبر 2011 ـ صورة أرشيفية.

بالتزامن مع اجتماع مجلس الأمن الدولي، للنظر في قرار محكمة العدل الدولية الذي دعا إسرائيل لمنع أي عمل "إبادة جماعية" محتمل في قطاع غزة، تثار التساؤلات حول المتوقع من الجلسة وتداعياتها القانونية، وهو ما يكشفه مختصون تحدث معهم موقع "الحرة".

ويأتي الاجتماع، الذي يُعقد الأربعاء الساعة 16:00 بتوقيت غرينيتش، بطلب من الجزائر "بغية إعطاء قوة إلزامية لحكم محكمة العدل الدولية فيما يخص الإجراءات المؤقتة المفروضة على إسرائيل"، حسبما قالت "الخارجية الجزائرية".

قبل يوم من انعقاد الجلسة، طالبت وزارة الخارجية الفلسطينية، الثلاثاء، مجلس الأمن الدولي بتحمل مسؤولياته في إلزام إسرائيل بتنفيذ قرار العدل الدولية، وفق وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا".

بين "الإنفاذ والإلزام"

في حديثه لموقع "الحرة"، يفرق خبير القانون الدولي، أيمن سلامة، بين "الإنفاذ والإلزام".

فكل ما يصدر عن محكمة العدل الدولية "إلزامي" تجاه طرفي الدعوة وهما جنوب أفريقيا وإسرائيل، حسبما يوضح سلامة.

ويشير خبير القانون الدولي إلى أن مجلس الأمن "لا يضفي أي إلزامية" على قرارات وأوامر محكمة العدل الدولية، لكن المجلس يضع "آليات الإنفاذ".

ومن جانبه، يشير المحامي أمام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، إيلي حاتم، إلى أن جلسة مجلس الأمن سوف تناقش "آليات وأدوات تطبيق تدابير محكمة العدل الدولية".

ولا تمتلك محكمة العدل الدولية "أدوات" تسمح بتطبيق قراراتها، وبالتالي تستطيع أي دولة التوجه لمجلس الأمن الدولي لطلب "اتخاذ الإجراءات الإلزامية" لإجبار المدعى عليه "احترام قرار محكمة العدل الدولية"، وذلك استنادا للمادة الثامنة من معاهدة "مكافحة الإبادة الجماعية"، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

وفي هذه الحالة يتعلق الأمر بتقديم "تقرير حول كل الإلزامات والواجبات التي يجب أن تتعهد بها إسرائيل لمنع وتوقف أي عمل (إبادة جماعية)"، وفق حاتم.

والجمعة، دعت محكمة العدل الدولية، إسرائيل إلى منع ارتكاب أي عمل يُحتمل أن يرقى إلى "الإبادة الجماعية" في قطاع غزة وإلى السماح بوصول المساعدات الإنسانية إليه، مع تزايد القلق بشأن مصير المدنيين المحاصرين جراء الحرب بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وقالت المحكمة إن إسرائيل التي تسيطر على كل معابر دخول المساعدات الدولية إلى قطاع غزة الذي تفرض عليه حصارا تاما، يجب أن تتخذ "خطوات فورية" لتمكين توفير "المساعدات الإنسانية التي يحتاجها الفلسطينيون بشكل عاجل". 

لكن المحكمة، ومقرها لاهاي، لم تطلب صراحة "وقف إطلاق النار في غزة"، وهي "لا تمتلك أي وسيلة لتنفيذ قراراتها".

سيناريوهات متوقعة

يتحدث سلامة، عن عدة سيناريوهات متوقعة خلال الجلسة، فقد يصدر مجلس الأمن "توصيات بكيفية تنفيذ تدابير محكمة العدل الدولية".

وقد يصدر مجلس الأمن بحد ذاته "تدابير محددة" يراها مناسبة من أجل "إنفاذ تدابير محكمة العدل الدولية"، وفق سلامة.

ويشير خبير القانون الدولي، إلى احتمالية كبيرة لاستخدام بعض الدول ذات العضوية الدائمة حق النقض "الفيتو" لمنع تنفيذ التدابير التحفظية "تنفيذا قسريا إجباريا".

وترى إسرائيل أن محكمة العدل الدولية والقضاء الدولي بشكل عام قد يهدد "الأمن القومي الإسرائيلي"، بتنفيذ هذه التدابير التي قد "تمنع إسرائيل من تحقيق أهدافها خلال الحرب في غزة، وعلى رأس ذلك القضاء على حماس"، وفق سلامة.

ومن جانبه، يعتقد حاتم أن بعض الدول دائمة العضوية قد تستخدم حق النقض "الفيتو".

ويشير حاتم إلى إمكانية أن يصدر مجلس الأمن قرارا لضمان تنفيذ "قرارات محكمة العدل الدولية"، لكنه يتساءل مستنكرا "ما الأدوات التي قد تمكن المجلس من تطبيق قراره على أرض الواقع؟!".

تداعيات متوقعة

يرى سلامة أن استخدام حق الفيتو سوف يفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية في قطاع غزة، ويهدد السلم والأمن الدوليين بمنطقة الشرق الأوسط.

وفي الوقت ذاته فإن الفيتو "لن يشل إرادة محكمة العدل في الاستمرار بالدعوة حتى النهاية، وتقرير ما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت (إبادة جماعية) أم لا"، وفق خبير القانون الدولي.

ويشير إلى أنه إذا تمت إدانة إسرائيل فسيتم "فرض تعويضات" على السلطات الإسرائيلية، في قرار "قضائي نهائي مبرم لا يجوز الطعن عليه"، وهو ما قد يحدث بعد سنوات.

ولم تبت المحكمة في مزاعم "الإبادة الجماعية"، وهو الأمر الذي قد يستغرق سنوات، ورغم أن قرارات العدل الدولية "غير قابلة للاستئناف" لكنها ليس لديها آلية لتنفيذ قراراتها.

ومن جانبه، يشير حاتم إلى أن "إسرائيل قد لا تطبق القرار".

ولكن إذا لم تنفذ إسرائيل ما يطلبه المجلس استنادا لقرار محكمة العدل الدولية فسوف يؤدي ذلك إلى "فقدان "مصداقيتها ويحول الرأي العام الدولي ضدها".

ووصفت إسرائيل مزاعم جنوب أفريقيا بأنها كاذبة و"مشوهة بشكل صارخ"، وتقول إنها تحركت في غزة دفاعا عن النفس ضد عدو هاجمها أولا وإنها تبذل قصارى جهدها لحماية المدنيين، ملقية باللوم على حماس في الإضرار بالمدنيين بسبب تنفيذها عمليات وسطهم وهو ما تنفيه الحركة، بحسب وكالة "رويترز".

ومن جانبها، أشارت الولايات المتحدة إلى أن "الحكم لم يتوصل إلى نتيجة بشأن الإبادة الجماعية"، وقالت إنه جاء متماشيا مع وجهة نظرها بأن إسرائيل لديها الحق في اتخاذ إجراءات وفقا للقانون الدولي لمنع أي تكرار لهجمات السابع من أكتوبر.

واندلعت الحرب في قطاع غزة إثر هجوم حركة حماس غير المسبوق على مناطق إسرائيلية في السابع من أكتوبر الذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على الحركة"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، ما أسفر عن سقوط 26900 فلسطيني، غالبيتهم من النساء والأطفال، وإصابة 65949، وفق ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحماس، الأربعاء.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.