صورة أرشيفية لرفع العلم الفلسطيني أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك
صورة أرشيفية لرفع العلم الفلسطيني أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك

في نقطة قد تحدث تحولا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني تدرس الولايات المتحدة وبريطانيا خيار الاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد انتهاء الحرب على غزة.

حتى الآن "الاعتراف بالدولة الفلسطينية" لا يزال فكرة لدى الإدارات الأميركية والبريطانية ولم يرق ليصبح مشروع قرار، ولكن مجرد بحثه يعطي أملا للفلسطينيين ويغضب الإسرائيليين، بحسب ما يراه محللون وخبراء سياسيون تحدثوا لموقع "الحرة".

توقيت هذا الفكرة وأهدافها من الإدارة الأميركية، يطرح عددا من التساؤلات، والتي يرى فيها محللون أنها قد تكون في إطار حملات الانتخابات الرئاسية الأميركية، أو أنها لتحقيق توسع في تطبيع العلاقات مع دول المنطقة.

وقال ماثيو ميلر، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، الأربعاء، إن الولايات المتحدة تسعى بنشاط لإقامة دولة فلسطينية مستقلة مع ضمانات أمنية لإسرائيل وتستكشف الخيارات مع الشركاء في المنطقة.

ورفض ميلر الإدلاء بتفاصيل حول الجهود الداخلية للوزارة بشأن هذه المسألة، لكنه أضاف في مؤتمر صحفي أن تلك المساعي من أهداف إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن بسحب تقرير نشرته وكالة رويترز.

وكشف تقرير نشره موقع "أكسيوس" مؤخرا أن وزير  الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، طلب من وزارة الخارجية إجراء مراجعة وتقديم خيارات سياسية بشأن اعتراف أميركي ودولي محتمل، بـ"دولة فلسطين" بعد الحرب في غزة.

وأشار وزير الخارجية البريطاني، ديفيد كاميرون، إلى أن بلاده قد تعترف قريبا بدولة فلسطينية، وشدد خلال حفلة استقبال للسفراء العرب في البرلمان البريطاني، الاثنين، على ضرورة منح "الشعب الفلسطيني أفقا سياسيا" وسط جهود دبلوماسية لإنهاء الحرب بين إسرائيل وحماس، وفقا لتقرير نشرته وكالة فرانس برس.

"تفكير محفوف بالمخاطر" قد يمثل "مخرجا إيجابيا من كارثة"

في الأيام الأخيرة، جددت القوات الإسرائيلية ضرباتها في الأجزاء الغربية والشمالية الغربية من مدينة غزة

"تفكير محفوف بالمخاطر"، هكذا وصف الكاتب المحلل السياسي الأميركي، إيلان بيرمان، ما تدرسه إدارة بايدن بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ووضع بيرمان في حديث لموقع "الحرة" جملة من الأسباب لهذا الوصف "إذ قد تبدو الولايات المتحدة وكأنها تكافئ التطرف خاصة بعدما فعلته حماس في السابع من أكتوبر، وهو ما قد يقرؤه الردايكاليون والمتطرفون وغيرهم باعتباره (ضوءا أخضر) لمتابعة سياساتهم العدوانية".

وأضاف أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية "على المدى القصير ومن دون تحديد إصلاحات وإعادة هيكلة للإدارة الفلسطينية، قد يخاطر بإلحاق ضرر جوهري بالعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل".

واستطرد بأنه لا يجب إغفال ما "المواقف السياسية الإسرائيلية التي تشهد مزيدا من التزمت منذ السابع من أكتوبر، حيث لم يعد أحد هناك يتحدث عن عملية سلام مع الفلسطينيين أو طرح فكرة الدولة الفلسطينية".

وشنت إسرائيل الحرب بعد هجوم غير مسبوق نفذته حماس في 7 أكتوبر في إسرائيل وأدى إلى مقتل نحو 1140 شخصا معظمهم من المدنيين، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس استنادا إلى أرقام رسمية. 

وخطف نحو 250 شخصا خلال الهجوم وافرج عن حوالي مئة نهاية نوفمبر خلال هدنة. ولا يزال 132 رهينة محتجزين بينهم 28 تفترض اسرائيل أنهم قتلوا.

مسيرة السلام تسير بتعثر بين الفلسطينيين والإسرائيلييين. أرشيفية
لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. ما هو "حل الدولتين"؟
تؤكد الإدارة الأميركية بشدة على حل الدولتين، كسبيل وحيد لإنهاء الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكثفت الحديثه عنه كحاجة ضرورية لمرحلة ما بعد الحرب على غزة، لكن حكومة، بنيامين نتانياهو، أبدت عدم موافقة على الطرح الأميركي.

وتوعدت إسرائيل "القضاء" على حماس التي استولت على السلطة في غزة عام 2007، وشنت عملية عسكرية واسعة النطاق خلفت أكثر من 27 ألف قتيلا وفقا لوزارة الصحة التابعة لحماس.

الكاتب السياسي في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، حسن منيمنة، يرى أن مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية تنطوي على أمرين "الأول، يرتبط في إرسال رسالة لإسرائيل مفادها بأن عليها التجاوب مع المساعي الأميركية والغربية، ولو حتى على بالكلام فقط".

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" أن الحكومة الإسرائيلية تصعّب المهمة أمام واشنطن وترفض بأي شكل مجاراة المساعي الغربية التي تريد أن تظهر وكأنها تتعامل بإنصاف مع الصراع في المنطقة.

أما الأمر الثاني، وفق منيمنة، فيرتبط بمحاولة أميركية "للخروج بمخرج إيجابي من الكارثة التي ألمّت بالمنطقة، باتجاه دمج إسرائيل في الشرق والأوسط، والتعويل على مسار للسلام قائم على تحالف بين إسرائيل والشركاء العرب وفي مقدمتهم السعودية".

وتربط واشنطن بين إنشاء دولة فلسطينية والجهود الرامية إلى إقناع السعودية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهي خطوة جرى تجميدها إلى حد كبير بعد هجوم حماس في السابع من أكتوبر بحسب وكالة رويترز.

لكن المحادثات استؤنفت خلال الأشهر القليلة الماضية، ويرى المسؤولون الأميركيون الآن أيضا أن صفقة الرهائن المحتملة التي من شأنها إطلاق سراح جميع المحتجزين المتبقين في غزة مقابل وقف دائم لإطلاق النار، لها دور مساهم في إحراز تقدم في جهود التطبيع بين السعودية وإسرائيل ومرتبطة بذلك.

وقال مستشار الأمن القومي، جايك سوليفان، في مقابلة مع "الحرة": "أعتقد أنه يتعين علينا أن نبدأ بخطوات عملية. عندما ترجع خطوة إلى الوراء، فإن الطريقة التي ننظر بها إلى هذا الأمر هي أن المفتاح الوحيد لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل هو حل الدولتين مع ضمان أمن إسرائيل. والمفتاح لحل هذه المشكلة هو (تقديم) ضمان لإسرائيل بتطبيع العلاقات معها ودمجها في المنطقة". 

وأضاف "المفتاح لضمان ذلك هو إنهاء الحرب في غزة بطريقة تحمي أيضاً أمن إسرائيل. وهذا يبدأ بالوصول إلى صفقة الرهائن. ولذا، قبل أن يحدث أي انفجار كبير (أي إنجاز عظيم)، ما يتعين علينا القيام به هو دفع الدبلوماسية القوية، والعمل مع قطر ومصر وإسرائيل للتوصل إلى اتفاق يعيد الرهائن إلى الوطن، بما في ذلك الرهائن الأميركيين الذين تحتجزهم حماس وغيرها من الجماعات المسلحة في غزة". 

ويؤكد منيمنة أنه "ليس تشكيكا بالنوايا الأميركية والغربية، ولكن واشنطن تبحث عن نتائج سريعة وفورية لمتلازمة الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إذ أنها تريد قطف ثمار التطبيع خاصة بين السعودية وإسرائيل، بما يخدم توجهات الإدارة الأميركية الحالية".

ويقول: "حتى الآن الموضوع في إطار التفكير لدى الإدارة الأميركية ولكنه لم ينضح لمرحلة القرار، وحتى إن وصل لمرحلة القرار، قد تأتي إدارة جديدة تتخلى عن هذا القرار، وهو ما شهدناه في فترات سابقة، على سبيل المثال عندما وقعت واشنطن في عهد الرئيس الأسبق، باراك أوباما، الاتفاق النووي مع إيران، وجاءت إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، لتنسحب من كل شيء".

وقالت ثلاثة لوكالة رويترز مصادر إن السعودية ستكون مستعدة لقبول التزام سياسي من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية بدلا من أي تعهدات أكثر إلزاما، وذلك في مسعى لإبرام اتفاق دفاعي مع واشنطن قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية.

لماذا تخشى إسرائيل "الاعتراف بالدولة الفلسطينية"؟

الراحلان ياسر عرفات وإسحق رابين يتصافحان بعد توقيع إتفاقية أوسلو برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون- أرشيف

وتخشى إسرائيل من "عواقب ما قد يتسبب به اعتراف واشنطن أو لندن، إذ قد نرى موجة من الاعتراف من دول أخرى خاصة في أوروبا، وهو ما قد يوجِد علاقات ندية ومتكافئة بين العديد من الدول وما قد يصبح الدولة الفلسطينية وهو ما لا تريده حكومة الرئيس الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، على الإطلاق"، وفق منيمنة.

وأعاد التذكير في عام 1993، عندما وقعت إسرائيل اتفاق أوسلو والذي يتيح تأسيس الدولة الفلسطينية، وبعدها تمكنت من تطبيع علاقاتها من عدد من الدول، ولكن "ها نحن الآن وبعد ثلاثة عقود، لا تزال (إسرائيل) ترفض تأسيس دولة فلسطين".

وحول ما إذا كان الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيعزز من مسار السلام في الشرق الأوسط أو سيعقد المشهد، قال منيمنة "لا يمكن معرفة السيناريوهات على وجه التحديد، إذ تتحدث الإدارة الأميركية وحتى البريطانية عن تفكير فقط في هذا الخيار، وهذا يعني أنها قد تكون أداة بيد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن ونظيره البريطاني، ديفيد كاميرون".

ما بين "الانتصار" و"الرفض"

إسرائيل ترفض الضغط الأميركي باتجاه حل الدولتين. أرشيفية - تعبيرية

أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، ريتشارد تشازدي، يرى أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا مهم، ولكن المسألة الأهم قد تكون بالحصول على اعتراف دولي من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ويقول في حديث لموقع "الحرة" إن هذا الاعتراف يجب أن يرتبط بشرط هام بـ"نبذ الإرهاب ومواصلة المقاومة المبررة ضد أهداف مشروعة ضمن أطر القانون الدولي، ومنع أي أفعال، كالتي وقعت في السابع من أكتوبر، وهذا يعني أن تدرك السلطة الفلسطينية والفصائل الأخرى أهمية عدم قبول أي شيء يرتبط بسلوكيات إرهابية".

ويوجد 139 من بين 193 عضو في الأمم المتحدة يعترفون بدولة "فلسطين"، فيما تعترف الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني في الحصول على السيادة، واعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا للفلسطينيين، ومنحتها صفة "مراقب" في الأمم المتحدة.

ويتابع تشازدي بأن الاعتراف بدولة فلسطينية من قبل واشنطن ولندن قد يدفع بعض الدول لتأييد هذه الفكرة أيضا، ولكن نوه إلى أن هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى معالجة من قبل الفلسطينيين أنفسهم، بما في ذلك "إيجاد حكومة شرعية قادرة على التفاعل مع الحكومة الأخرى، وأن تكون هذه الحكومة قادرة على إدارة الأمور المالية للشعب الفلسطيني".

ويؤكد أن النظر إلى نجاح الاعتراف بدولة فلسطين يعتمد على الجهة التي تنظر منها للأمر، "إذ قد تراه السلطة الفلسطينية انتصارا على الوضع القائم، فيما يرفض الإسرائيليون قيام هذه الدولة، رغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتانياهو، لم يستبعد الفكرة على الإطلاق، ولكن معالم هذه الدولة عليه الكثير من الخلاف".

ويشير تشازدي إلى أن "الاستمرار في العزلة التي يفرضها الإسرائيليون على مسار إيجاد حل للصراع مع الفلسطينيين، هو ما تسبب بنهاية الأمر في تحرك حماس بشكل متطرف والقيام بما فعلته في السابع من أكتوبر، ولهذا على قادة إسرائيل البحث عن حلول أكثر استدامة بعيدا عن الاستمرار في صراع نتائجه مأساوية".

وأشاد السفير الفلسطيني لدى لندن، حسام زملط، بتصريحات كاميرون لكنها أثارت انتقادات نواب محافظين في بريطانيا قالوا إن الاعتراف المبكر بدولة فلسطينية سيكون بمثابة "مكافأة" لحركة حماس على هجومها على إسرائيل.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، ميلر: "نسعى بنشاط إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة مع ضمانات أمنية حقيقية لإسرائيل، لأننا نعتقد أن هذا هو أفضل وسيلة لتحقيق السلام والأمن الدائمين لإسرائيل والفلسطينيين والمنطقة".

وتابع "هناك عدد من الطرق التي يمكنك اتباعها لتحقيق ذلك. هناك عدد من تسلسل الأحداث التي يمكنك تنفيذها لتحقيق هذا الهدف. نبحث مجموعة واسعة من الخيارات ونناقشها مع الشركاء في المنطقة وكذلك شركاء آخرين داخل الإدارة الأميركية".

تنشيط "حل الدولتين" ومخاوف من "عواقب غير مقصودة"

بايدن يعتقد أن" هناك عددا من أنواع حلول الدولتين"- صورة أرشيفية.

المحلل الباحث الأميركي، حسين إيبش، يرجح ألا يحصل اعتراف واشنطن بالدولة الفلسطينية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن تحقيق ذلك "سيكون بمثابة تنشيط مسار حل الدولتين وإعادة التأكيد على التزام الولايات المتحدة بإقامة الدولة الفلسطينية".

وأضاف في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن هذا الأمر سيكون "بعيدا عن الضغط على إسرائيل، ويثبط من المضي قدما في النشاط الاستيطاني المتطرف أو التحركات لضم الضفة الغربية".

ولم يستبعد إبيش من أن أي تحرك أميركي أو غربي للاعتراف بدولة فلسطينية سيحفز العديد من الدول لأن تلحق بركبها.

وقال إن الاعتراف بدولة فلسطين "يمكن أن يؤدي إلى تصحيح الوضع بشكل كبير، لكنه قد يثير أيضا غضب إسرائيل إلى درجة أنها ستريد المضي قدما في عملية الضم لتحدي واشنطن، وهو ما قد يحظى بشعبية داخل إسرائيل خاصة بعد الهجوم الإرهابي الذي وقع في أكتوبر الماضي".

ويتفق إيبش مع ما تحدث به منيمنة، وذكر أنه من الصعب معرفة ما إذا كان هذا الاعتراف سيسهّل من مسار السلام أو سيعقد الأمور، ويشرح بأنه " بشكل عام، من المفترض أن يساعد في مسار السلام، ولكن قد تكون هناك عواقب غير مقصودة سلبية، خاصة إذا كانت إسرائيل تريد تحدي العالم والاستيلاء على ما تريد في الضفة الغربية".

وما زال الفلسطينيون بلا دولة، ويعيش معظمهم تحت الاحتلال الإسرائيلي أو كلاجئين في الدول المجاورة. ويحمل بعضهم الجنسية الإسرائيلية. ومعظم هؤلاء من نسل الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل بعد قيامها، بحسب رويترز.

وقال رئيس الوزراء البريطاني، كاميرون، إن الاعتراف بدولة فلسطينية سيساعد في جعل حل الدولتين الذي يتردد به  نتانياهو حاليا "عملية لا رجعة فيها".

وأضاف "علينا أن نبدأ بتحديد الشكل الذي ستبدو عليه دولة فلسطينية وما هي مكوناتها وكيف ستجري الأمور فيها".

ومضى قائلا: "بينما يحدث ذلك، سندرس مع حلفائنا مسألة الاعتراف بدولة فلسطينية، بما في ذلك في الأمم المتحدة. قد يكون ذلك أحد الأمور التي تساعد على جعل هذه العملية لا رجعة فيها".

تعزيز مسار السلام في الشرق الأوسط

ميلر أكد أن حل الدولتين يعد الأمثل أمام المشاكل على المدى القصير والطويل

وقال أستاذ العلوم السياسية، تشازدي، إن "الاعتراف بالدولة الفلسطينية قد يمكنه تعزيز مسار السلام في المنطقة ككل، إذ قد يعزز من تحرك السعودية نحو التطبيع، وهو ما قد يتبعه دول أخرى في المنطقة، الذي يرون إمكانيات كبيرة في التعاون على الصعيد الجيوسياسي".

ولكن في الوقت ذاته لا تزال "حكومة نتانياهو ترفض سيناريو الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومسار حل الدولتين، رغم أن شعبية هذه الحكومة في الداخل الإسرائيلي تتراجع، وفي حال إجراء انتخابات إسرائيلية اليوم قد تكون الفرصة سانحة بشكل أكبر لشخصيات أقل تعنتا".

وفي حديثه في دافوس في وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الخارجية الأميركي، بلينكن، إن هناك "معادلة جديدة" في الشرق الأوسط بموجبها يكون جيران إسرائيل من الدول العربية على استعداد لدمجها في المنطقة مع الالتزام بالقدر نفسه بمسار لإقامة دولة فلسطينية.

ويختلف نتانياهو مع إدارة بايدن حول إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وقال إنه لن يتنازل عن "السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على جميع الأراضي الواقعة غربي نهر الأردن".

ويؤكد تشازدي أن "ما حصل من هجمات حماس مأساوي جدا، ولكن ما تبعه أيضا لا يمكن السكوت عنه" في إشارة لما يحصل في غزة من ارتفاع في أعداد القتلى بين المدنيين، ومضيفا أن بعض القرارات يجب أن تتخذ لـ"إعطاء الفلسطينيين الفرصة في تقرير مصيرهم".

وربط أستاذ العلوم السياسية بين الاستقرار في الشرق الأوسط وبين حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة وأن الجميع "شهد خلال الفترة القريبة الماضية الإمكانيات التي يتيحها الانسجام في المنطقة بعد اتفاقيات إبراهيم" ولكن قد لا يصمد هذا الانسجام والتعاون إذا لم يتم حل "القضية الفلسطينية".

ودعا السلطة الفلسطينية والفصائل الأخرى في التفكير بصورة شاملة "بعدم الانخراط في أي ممارسات متطرفة، والتحرك سياسيا بشكل أكبر لتحفيز المجتمع الدولي على الاعتراف بدولتهم" ملمحا إلى أن هذا قد يعني التخلي عن بعض القيادات "التي لا تمارس سوى مهام انتقالية، ولا تدير الأزمة بشكل دبلوماسي وسياسي يرقى إلى مستوى حل النزاع".

وقال تشازدي إنه إذا شهد العالم على تغيير في القيادات قد يشكل هذا أيضا ورقة ضغط رابحة على الولايات المتحدة وإسرائيل وحتى المجتمع الدولي من أجل الاعتراف بدولة فلسطينية.

"مناورة انتخابية"

ويصف منيمنة توجهات الإدارة الأميركية بأنها "مناورة انتخابية، إذ يريد الرئيس الأميركي، جو بايدن، الترويج إلى أنه يتعامل مع الفلسطينيين والإسرائيليين بعدالة وإنصاف تجاه الطرفين، ولكنه سيحافظ على خطواته لتلميع مواقفه من دون استثارة الغضب الإسرائيلي"، ولهذا "سنرى الكثير من الكلام، ولن نرى شيئا على أرض الواقع".

أما المحلل السياسي، بيرمان، يرى أنه رغم الرفض الإسرائيلي "مع ذلك فإن تركيز إدارة بايدن منطقي" على هذا الملف، وكما يقال "كل السياسة محلية"، وذلك بمعنى أن الرئيس الحالي يتجه إلى "حملة إعادة انتخاب صعبة وقد يلقى هذا النوع من المبادرات ترحيبا جيدا مع الناشطين في الحزب الديمقراطي الذين انتقدوا بشده موقفه المؤيد لإسرائيل حتى الآن".

وفي عام 1988، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني، المنعقد في الجزائر، قيام دولة فلسطين. وعملت منظمة التحرير الفلسطينية بعد ذلك على الحصول على اعتراف المجتمع الدولي بالدولة الفلسطينية، واكتساب عضوية الوكالات المرتبطة بالأمم المتحدة.

وفي أعقاب الإعلان، اعترفت العديد من الدول، وخاصة الدول النامية في أفريقيا وآسيا، والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي بدولة فلسطين.

وحلت فلسطين محل منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، لكنها لم تحصل على العضوية.

وهناك أكثر من 50 دولة لا تعترف بفلسطين دولة، من أبرزها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا وكندا ومعظم دول أوروبا الغربية.

وكان حل الدولتين حجر الأساس لعملية السلام المدعومة من الولايات المتحدة، التي دشنتها اتفاقات أوسلو عام 1993 ووقعها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين.

وأدت الاتفاقات إلى اعتراف منظمة التحرير بحق إسرائيل في الوجود ونبذ العنف وإنشاء سلطة فلسطينية تتمتع بحكم ذاتي محدود في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وكان الفلسطينيون يراودهم الأمل في أن تصبح هذه خطوة نحو إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، واصطدمت العملية بالرفض وأعمال عنف على كلا الجانبين.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في كلمته يوم 23 يناير إن حل الدولتين ما زال السبيل الوحيد لتلبية تطلعات الإسرائيليين والفلسطينيين. وانتقد "الرفض الواضح والمتكرر لحل الدولتين من أعلى مستويات الحكومة الإسرائيلية".

وأضاف "هذا الرفض، وحرمان الشعب الفلسطيني من حق إقامة دولة، سيطيل إلى أجل غير مسمى أمد هذا الصراع الذي أصبح تهديدا كبيرا للسلم والأمن العالميين".

أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)
أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)

زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو البيت الأبيض للمرة الثانية خلال شهرين في رحلة استثنائية بتوقيتها ومضمونها. فنتانياهو يقصد واشنطن المنشغلة بحرب الرسوم الجمركية مع الصين، فيما عينها على النظام الإيراني، الذي ستجلس معه "مباشرةً" في سلطنة عُمان.

الرسوم الجمركية تصدرت مشهد القمة في البيت الأبيض، لكن الحدث الرئيس هو إيران. فماذا قال ترامب لحليفه نتانياهو الذي استدعاه على عَجل؟ وهل أقنع نتانياهو ترامب بوجهة نظره بخصوص إيران؟ وماذا عن غزة وسوريا وتركيا؟

خلاف حول غزة؟

يبدو أن ترامب ونتانياهو غير متفقين حول انهاء حرب غزة بسرعة، فنتانياهو غير مستعجل على ذلك، على عكس ترامب الذي أوضح رغبته في إطلاق سراح الرهائن، وإنهاء الحرب بسرعة كما قال أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي.

لكن حديث الرئيس الأميركي عن نقل السكان "طوعيا من قطاع غزة لتجنيبهم ما يتعرضون له من قتل وبؤس"، استدعى ردا من السناتور الديمقراطي كريس فان هولن: "ترامب ونتانياهو يلطفان لغتهما بشأن خطة إخراج مليوني فلسطيني من غزة بشكل طوعي إرادي كما يقولان، لكن الأمر لن يكون إراديا ونحن ندخل اليوم السادس والثلاثين من فرض حصار إنساني على غزة. ليس الأمر إراديا عندما تكون غزة قد دمرتّ بالكامل تقريباً، فيما يُهدد وزير الدفاع الإسرائيلي سكان غزة بالدمار".

"تواصلٌ قويٌ... ولكن!

يقول نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً جويل روبن لبرنامج "عاصمة القرار" من الحرة"، إن زيارة نتانياهو لترامب كانت في جوهرها لمناقشة اجتماع الولايات المتحدة مع إيران في عُمان، لكن نتانياهو لم يخرج بالكثير من الفوائد من هذه الزيارة، سوى كونه أول زعيم تحدث مع الرئيس ترامب بشأن التعريفات الجمركية".

ويضيف روبن: "كما أن نتانياهو لم يحصل على التزام من ترامب بقصف إيران أو الموافقة على الشروط الدبلوماسية التي يبحث عنها نتانياهو، وهي التفكيك الكامل لكل البنية المعلوماتية النووية الإيرانية. لذلك كان اجتماعا مُهما لناحية التواصل القوي بين ترامب ونتانياهو، رغم عدم حصوله على الكثير من النتائج".

تحدث ترامب ونتانياهو عن الرسوم الجمركية وعن غزة والرهائن، كما يقول الباحث الأميركي جو تروزمان، الذي لم يجد "أي تغيير كبير من إدارة ترامب أو تحوّل في السياسة فيما يتعلق بالرهائن. لذلك فإنه إذا وُصف ذلك بأن نتانياهو خرج خالي الوفاض من هذا الاجتماع فيما يتعلق بغزة أو فيما يتعلق بالرهائن، فأعتقد أن هذا قد يكون صحيحاً".

خُذ عِلماً.. وانتظر!

أمام نتانياهو أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران.

وسيكون نجاح هذه المحادثات في مصلحة إيران، كما قال الرئيس الأميركي، ولكنه وجه كلامه محذرا خامنئي بالقول: "أعتقد أنه إذا لم تنجح المحادثات، فستكون إيران في خطر كبير.. أكره أن أقول هذا، لكن النظام الإيراني لا يستطيع امتلاك سلاح نووي، وإذا لم تنجح المحادثات، أعتقد في الواقع أنه سيكون يوما سيئا للغاية بالنسبة لإيران".

حشدٌ عسكريٌ... نحو التفاوض!

في رسالة واضحة للنظام الإيراني، كثفت الولايات المتحدة مؤخرا حشدها العسكري في قاعدة دييغو غارسيا العسكرية في المحيط الهندي، والقريبة نسبياً من إيران.

ويعتقد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الجنرال ديفيد بترايوس أن أي ضربة جوية أميركية محتملة لن تستهدف المنشآت النووية الإيرانية فحسب، بل ستستهدف أيضا قدراتها الدفاعية الجوية والصاروخية في محاولة لمنع أي رد انتقامي إيراني محتمل.

ويضيف بترايوس أن "نشر قاذفات الشبح الاستراتيجية B2 في قاعدة دييغو غارسيا، ليس فقط رسالة ردع لإيران، بل جزء من الاستعدادات المحتملة لهجوم عسكري عليها، فهذه القاذفات قادرة على حمل القنبلة الخارقة العملاقة MOP، والمخصصة لضرب المنشآت المحصنة بشدة في أعماق الأرض".

وبالحديث عن ضربة عسكرية أميركية لإيران، واحتمالات نجاح المحادثات الدبلوماسية معها. يشدد قائد القيادة المركزية الأميركية السابق الجنرال كينيث ماكينزي على أهمية ضرب الحوثيين.

وحول احتمالات توسيع العملية العسكرية الأميركية لتطال الأراضي الإيرانية، يقول ماكينزي إن "إيران تحترم القوة؛ إن اغتيال سليماني قبل خمس سنوات، والضربات ضد الحوثيين الآن، تُظهران بوضوح أن الولايات المتحدة لديها رئيس لا يثنيه احتمال التصعيد، وإن كان لا يريد الحرب".

ويتابع ماكينزي: "لدينا الآن فرصة لجلب إيران إلى طاولة المفاوضات لإجراء مفاوضات جوهرية حول طموحاتها النووية - مفاوضاتٌ يجب أن تُجرى مباشرةً، لا عبر أطراف ثالثة".

ويبين أن "الهدف الأسمى للدولة الإيرانية هو الحفاظ على النظام. إذا تعرّض بقاء القيادة الدينية لتهديد مباشر وحقيقي، فستُعدّل إيران سلوكها. لدينا الآن الأدوات والإرادة لخلق هذا التهديد بطريقة فعّالة".

ترامب يستطيع إنجاز ما عجز عنه بايدن!

يدعو الباحث الأميركي تريتا بارسي، الرئيس ترامب لعدم الاستماع لنصائح نتانياهو ببدء حرب مع إيران.

ويُضيف بارسي أن "القيادة الإيرانية تعتقد أن الرئيس دونالد ترامب أقدر من الرئيس السابق جو بايدن على التوصل إلى اتفاق مع إيران. وأن طهران تعتقد أن ترامب يريد حقا التوصل إلى اتفاق، وأنه مُستعد وقادر على تقديم تخفيف جدي للعقوبات لتحقيق ذلك".

ويتابع: "لذا فإن الوعد لإيران أكبر بكثير مع ترامب مما كان عليه مع بايدن. ويبدو أن طهران مستعدة لتقديم تنازلات لضمان هذا الجانب الإيجابي. وهذا هو السبب الرئيسي، ولكن ليس الوحيد، وراء سرعة الأمور الآن نحو الدبلوماسية مع ترامب".

هو صاحب القرار أمام نتانياهو!

من جهته، ينقل الكاتب في واشنطن بوست ديفيد إغناطيوس، عن مسؤول في الإدارة الأميركية تشديدها على أن تكون المحادثات مع إيران مباشرة. لأن كسر "حاجز انعدام الثقة العميق بين الطرفين يتطلب نقاشا شاملا وتوافقا في الرؤى".

وحول القمة بين ترامب ونتانياهو، يلاحظ ديفيد إغناطيوس أن: "هذا العرض في المكتب البيضاوي منح ترامب فرصة لإظهار أمر لم ينجح فيه أسلافه الديمقراطيون، جو بايدن وباراك أوباما وهو توضيح من هو صاحب القرار أمام نتانياهو"، لافتا إلى أن ترامب لم يكتفِ بالإعلان عن عزمه التفاوض مع خصم إسرائيل الأكبر، بل كانت نبرة الاجتماع بين الرجُلين مختلفة تماما عن زيارة نتانياهو للبيت الأبيض في أوائل فبراير".

ويلفت ماكينزي إلى أنه في "حين تركزت النقاشات على آمال إسرائيل في دعم ترامب لأي عمل عسكري محتمل ضد منشآت إيران النووية، لكن المسؤولين في إدارة ترامب أكدوا لي أن ترامب كان أكثر حرصا على الدبلوماسية من العمل العسكري".

ترامب يضع إيران في مأزق!

"سيضع ترامب إيران في مأزق بإعلانه الصريح أن المحادثات ستكون مباشرة، كما يقول الكاتب الأميركي الإيراني فالي نصر، الذي يرى أنه و"لتجنب الظهور بمظهر من غَيَّرَ موقفه، تُصرُّ إيران على أن تكون المحادثات غير مباشرة، لكن في الواقع، من مصلحة إيران أن تكون المحادثات مباشرة ليتحدد اتجاهها".

ويعتقد نصر أن "كلا الجانبين يرغبان في تغيير الديناميكية الحالية، ومن المرجح أن يبدأ التفاوض بشكل غير مباشر ظاهريا، ثم ينتقلان إلى مخاطبة بعضهما البعض مباشرة. في النهاية، ستكون الصيغة أقل أهمية مما سيُقال". 

لكن، هل تقبل القيادة الإيرانية بطلب ترامب تفكيك برنامجها النووي على غرار ما حدث في ليبيا، بالإضافة إلى إلغاء برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ودعم النظام الإيراني للميليشيات في بعض البلدان العربية؟

يعتقد كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جو تروزمان أن هناك فرصة سانحة لإيران وإدارة ترامب لحل القضية النووية.

ويتابع: "لكن قبول إيران بتفكيك برنامجها النووي سيتطلب تخفيفا كبيرا للعقوبات وحوافز أميركية أخرى لإيران. كما أن طهران لن تقبل بتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية المرتبطٌ بالنووي بشكل وثيق. والنظام الإيراني لن يقبل بالتخلّي عن الوكلاء الإقليميين، مثل حزب الله والحوثيين، الذين يمارسون نفوذًا لصالح طهران".

بالمقابل، يعتقد جويل روبن أن النظام الإيراني "غير مُستعد لتقديم تنازلات بسرعة. لقد رأينا ذلك مرارا وتكرارا، وبالنسبة للرئيس ترامب، فبينما يُصرّح برغبته في التوصل إلى اتفاق وتجنب حرب في الشرق الأوسط، إلا أنه ليس من أشدّ المؤيدين لرفع العقوبات عن إيران وتقديم مليارات الدولارات من المزايا التي انتقدها بشدة في الماضي. أعتقد أن ما يُمكننا توقعه من هذه الاجتماعات هو استشراف إمكانية اللجوء إلى الدبلوماسية".

وفيما تطرقت المباحثات الأميركية الإسرائيلية إلى الدور التركي المتنامي في سوريا، والذي لا يزعج ترامب بقدر ما يضايق نتانياهو. تبقى أنظار الجميع مصوبة نحو الملف الإيراني الذي تتسابق في الدبلوماسية مع الضربة العسكرية.