نقطة مراقبة على الحدود بين مصر وغزة
نقطة مراقبة على الحدود بين مصر وغزة

شهدت الأيام الماضية تصريحات واتهامات متبادلة بين مسؤولين إسرائيليين ونظرائهم المصريين، بالتزامن مع الاستعدادات الإسرائيلية للاجتياح البري لمدينة رفح في قطاع غزة، وتعزيز الجيش المصري لتواجده على الحدود، ويكشف مسؤولون ومختصون تحدث معهم موقع "الحرة" عن أسباب وتداعيات التصعيد "غير المسبوق" بين الجانبين.

وجهة نظر "حكومية أم شخصية"؟

الاثنين، قال وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، إن "المصريين يتحملون مسؤولية كبيرة بالنسبة لما حدث في السابع من أكتوبر"، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية بينها صحيفة "جيروزاليم بوست".

وخلال اجتماع مع حزبه اليميني، أكد سموتريتش أن "قسما كبيرا من أسلحة حماس يمر عبر مصر"، التي تتقاسم حدودا مع قطاع غزة بطول 12 كلم، وفق ما ذكرت وكالة "فرانس برس".

ورفضت وزارة الخارجية الإسرائيلية التعليق على التصريحات الصادرة عن وزير المالية، وحول كونها "شخصية أم تحمل وجهة نظر الحكومة".

وردا على سؤال موقع "الحرة" عن ذلك، قال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، ليور حياة، "ليس لدينا تعليق على هذا الأمر في الوقت الحالي".

ومن جانبه، يرى المحلل الاستراتيجي الإسرائيلي، آفي ميلاميد، أن تصريحات سموتريتش "وصف دقيق للحقيقة".

ويتحدث ميلاميد لموقع "الحرة" عن تهريب أسلحة من الأراضي المصرية إلى غزة بشكل مستمر "فوق الأرض وتحتها".

ومصر تحارب "ظاهرة الأنفاق" بين قطاع غزة والأراضي المصرية لسنوات، وتم تدمير الكثير منها، لكن يبدو أن هناك "المزيد من تلك الأنفاق وتستخدم لتهريب الأسلحة"، وفق الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي.

ويؤكد ميلاميد أن من مصلحة مصر وإسرائيل "تحجيم الظاهرة قدر الإمكان"، لأنها تمثل خطرا جديا على الأمن القومي المصري والإسرائيلي على حد سواء.

ويطالب الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي السلطات المصرية بالقيام بعمل إضافي للحيلولة دون "استمرار الظاهرة أو اتساع نطاقها".

وفي سياق متصل، يشير المحلل السياسي الإسرائيلي، مردخاي كيدار، إلى أن تصريحات سموتريتش، جاءت بناء على "معلومات مؤكدة بتهريب الأسلحة والذخائر من مصر إلى قطاع غزة عبر الأنفاق في سيناء".

وتهريب السلاح ليس بجديد ويتم منذ سنوات و"أوتوستراد الأنفاق" يعمل ليل نهار، ولذلك فمصر "مسؤولة لحد كبير عن عمليات التهريب"، وفق حديث كيدار لموقع "الحرة".

لكن على جانب آخر، يشدد المحلل العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي، كوفي لافي، على أن تصريحات سموتريتش "غير مسؤولة ووهمية وليس لها علاقة بالواقع".

من المحتمل أن يكون هناك "تهريب لأسلحة عبر الحدود"، لكن مصر تحارب هذه الظاهرة بكل وسعها لأن الأمر "يضر الأمن القومي المصري"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

وفي سياق متصل، يصف المحلل السياسي الإسرائيلي، إيلي نيسان، تصريحات وزير المالية بكونها "بلا قيمة ولا تمثل الخط الرسمي للحكومة الإسرائيلية"، وكانت موجهة بالأساس لـ"حزب سموتريتش وأنصاره".

ولا يجب على القاهرة الانفعال مما يقوله سموتريتش أو وزير الأمن، إيتمار بن غفير، لأن تلك التصريحات "لا تمثل الخط الحكومي الإسرائيلي"، وفق حديث نيسان لموقع "الحرة".

تنديد مصري

في بيان الاثنين، نددت الخارجية المصرية بتصريحات وزير المالية الإسرائيلي، ووصفتها بـ"تحريضية" و"غير مسؤولة".

واعتبر المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير أحمد أبو زيد، أن تلك التصريحات "لا تكشف إلا عن نهم للقتل والتدمير، وتخريب لأية محاولة لاحتواء الأزمة في قطاع غزة".

وأضاف أبو زيد أن "مثل تلك التصريحات غير مقبولة جملة وتفصيلاً، حيث تسيطر مصر بشكل كامل على أراضيها، ولا تسمح لأي طرف بأن يقحم اسم مصر في أية محاولة فاشلة لتبرير قصور أدائه".

في حديثه لموقع "الحرة"، يصف الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، تصريحات سموتريتش بـ"الكاذبة وغير الصحيحة".

ولا تمد مصر الفلسطينيين بالأسلحة، "لكن حماس تحصل على السلاح من خلال القوات الإسرائيلية، وتستخدم الذخائر التي يستعملها الجيش الإسرائيلي ولا تنفجر"، وفق فرج.

ويؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي، أن القاهرة لم تقدم أي أسلحة أو ذخائر لحماس، وعلى النقيض فقد "أغلقت مصر كافة الأنفاق على الحدود مع غزة، حفاظا على الأمن القومي المصري".

وفي سياق متصل، يؤكد وكيل المخابرات العسكرية المصرية السابق، اللواء تامر الشهاوي، أن "مصر تحترم تعهداتها واتفاقياتها وتعلم مسؤولياتها".

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يستنكر الشهاوي تصريحات وزير المالية الإسرائيلي ويعتبرها "هجوما مباشرا على مصر"، وتعبر عن "كراهية للسلام".

ويشير وكيل المخابرات العسكرية المصرية السابق إلى أنه منذ بداية الحرب في غزة العلاقات المصرية الإسرائيلية باتت "على المحك"، لكن القاهرة تدرك ذلك وتتعامل مع الأمر "بمنتهى ضبط النفس"، على حد تعبيره.

ومن جانبه، يربط المحلل السياسي المصري، فادي عيد، تصريحات سموتريتش بالاستعدادات الإسرائيلية لدخول رفح بريا، ويقول إنها "موجهة لليمين المتطرف حتى تضفي طابعا دينيا على التحركات العسكرية المرتقبة".

وفي تصريحات لموقع "الحرة" ينفي عيد تزويد مصر لحماس بالسلاح "بشكل مباشر أو غير مباشر".

اجتياح "مرتقب" وحشود عسكرية

تخطط إسرائيل لتوسيع نطاق اجتياحها البري ليشمل مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، الجيش بالتحضير للهجوم على رفح التي تقول الأمم المتحدة إن 1.4 مليون فلسطيني نزحوا إليها هربا من الحرب المستمرة منذ أكثر من أربعة أشهر بين إسرائيل وحماس المصنفة إرهابية لدى الولايات المتحدة ودول أخرى.

وعلى الجانب الآخر، تعزز مصر وجودها الأمني على حدودها مع قطاع غزة، خوفا من امتداد الحرب الإسرائيلية على حماس إلى أراضيها إذا بدأ الجيش الإسرائيلي هجومه البري على مدينة رفح، وفق تقرير لشبكة "سي إن إن" الإخبارية.

وقال مسؤولون أمنيون مصريون لـ"سي إن إن"، إن التحصين على الحدود مع غزة هو إجراء "احترازي" قبل العملية البرية الإسرائيلية المتوقعة في رفح. 

وفي إطار تعزيزها الأمني، نشرت مصر المزيد من القوات والآليات في شمال سيناء على الحدود مع غزة، وفق ما نقلته الشبكة عن المسؤولين المصريين.

والجمعة، قال مصدران أمنيان مصريان لوكالة "رويترز"، إن القاهرة أرسلت نحو 40 دبابة وناقلة جند مدرعة إلى شمال شرق سيناء في الأسبوعين الماضيين في إطار سلسلة تدابير لتعزيز الأمن على حدودها مع قطاع غزة.

ولم يتمكن موقع "الحرة" من التأكد من صحة ذلك، عبر مصادر مستقلة، لكن اللواء فرج شدد على أن التحركات العسكرية في إطار الخطط المصرية "الطبيعية"، وتتوافق مع "اتفاقية السلام مع إسرائيل".

أما عيد فيؤكد أن الحشد المصري على الحدود "هو رسالة لكل الأطراف وهم من اقترح نقل الفلسطينيين إلى سيناء ومن وافق على ذلك، ومن يسعى لتمويل المشروع ماديا".

ويشير عيد إلى أن تحركات الجيش المصري تكشف عن "الرفض القاطع لإنهاء القضية الفلسطينية، ومن ثم نقل الأزمة إلى العمق المصري".

على جانب آخر، رفضت وحدة المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي التعليق لموقع "الحرة"، على ما ذكرته "سي إن إن" و"رويترز" وما تناوله نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفت بالقول "لا نستطيع التعليق أو الإفصاح عن معلومات في ذلك الشأن".

لكن ميلاميد يؤكد أن مصر تعزز تواجدها الأمني على طول الشريط الحدودي مع غزة لـ"منع أي تهجير فلسطيني من القطاع إلى المناطق المصرية".

وفي عام 2007 عندما استولت حماس على قطاع غزة، اجتاح آلاف الفلسطينيين سيناء، ما أثر سلبيا على الاستقرار المصري، وهناك عزم مصري للحيلولة دون "تكرار الأمر مرة أخرى"، ولذلك فهي تكثف تواجد قواتها على الحدود مع غزة، وفق المحلل الاستراتيجي الإسرائيلي.

ويعتقد ميلاميد أن التواجد العسكري المصري المكثف على طول الحدود، لن يؤدي لـ"مزيد من التوتر في العلاقات مع إسرائيل أو الاحتكاكات المباشرة بين الجانبين"، وسيكون "مؤقت حتى انتهاء الحرب".

ومن جانبه، يشير لافي إلى أن الحشد العسكري المصري رسالة للفلسطينيين مفادها "لا تتجاوزوا الحدود ولا تنزحوا للأراضي المصرية".

وإذا اضطرت إسرائيل للقيام بعملية عسكرية في رفح، فيجب على الجيش الإسرائيلي التأكد من عدم توجه النازحين إلى "الحدود المصرية بل العودة لمناطق داخل قطاع غزة"، حسب المحلل العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي.

أما كيدار فيؤكد أن "ليس لإسرائيل أي مصلحة في تقويض العلاقات مع مصر، ولكن المشكلة مع حماس وسيتم حلها في أقرب وقت ممكن بـ"مساعدة المصريين أو دونها".

ويقول المحلل السياسي الإسرائيلي "لا يجب على القاهرة التدخل فيما يحدث بقطاع غزة لأن الأمر شأن إسرائيلي".

"سيناريوهات وتحذيرات"

ومع دخول الحرب بين إسرائيل وحماس شهرها الخامس، ينصب الاهتمام الآن على الوضع في رفح حيث يعيش نحو نصف سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون في ظروف شديدة السوء.

ويتكدس كثيرون في المدينة، التي كان عدد سكانها قبل الحرب حوالي 300 ألف نسمة، في مخيمات وملاجئ مؤقتة بعد أن فروا إلى هناك هربا من الحرب.

والأحد، قال نتانياهو إن إسرائيل ستوفر "ممرا آمنا" للسكان لمغادرة المدينة، من دون أن يحدد المكان الذي يمكنهم اللجوء إليه.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يشير رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان المصري، اللواء أحمد العوضي، إلى أن "لدى مصر أوراق عديدة وكافة أجهزة الدولة جاهزة لمواجهة كافة السيناريوهات، وهي مستعدة منذ السابع من أكتوبر لمواجهة أي سيناريو"، لكنه رفض الإفصاح عن المزيد من التفاصيل.

ويؤكد أن "مصر ترفض مخطط تهجير الفلسطينيين، والأمن القومي المصري خط أحمر، ولن تسمح مصر بالضغط على سكان غزة ودفعهم نحو (الهجرة القسرية نحو الأراضي المصرية)، وعلى المجتمع الدولي الاضطلاع بدوره في ذلك الشأن".

ويشير رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان، إلى تفويض الشعب المصري للرئيس، عبد الفتاح السيسي، من أجل الحفاظ على "الأمن القومي المصري والقضية الفلسطينية"، وسوف تتخذ القيادة السياسية "كافة الخطوات لضمان تحقيق ذلك".

ويؤكد العوضي أن "مصر دعمت القضية الفلسطينية منذ ١٩٤٨ وسوف تستمر في دعمها".

وقد تعلق السلطات المصرية "اتفاقية السلام مع إسرائيل"، وسيكون لذلك "تداعيات خطيرة"، وفق رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان المصري.

كما أن القاهرة لن تكتفي بـ"الشجب والإدانة والتنديد" كما يعتقد البعض، على حد تعبيره.

والاثنين، قال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، إن مصر مستمرة في اتفاقية السلام مع إسرائيل في ظل التهديدات الإسرائيلية بشن عملية عسكرية برية في رفح. 

ومن جانبه، يتحدث فرج عن عدة سيناريوهات في حال "مهاجمة مدينة رفح"، وعلى رأس ذلك "تعليق اتفاقية السلام مع إسرائيل".

وإذا هاجم الجيش الإسرائيلي مدينة رفح فيمثل ذلك "اختراقا لاتفاقية السلام"، وفق الخبير العسكري والاستراتيجي.

ومصر هي أول دولة عربية وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل (معاهدة كامب ديفيد) عام 1978.

وتمكنت القاهرة بموجب معاهدة السلام من استرداد شبه جزيرة سيناء وخاضت مصر حربا لاستعادتها في 1973.

وبموجب معاهدة السلام، وافقت إسرائيل على الانسحاب من سيناء على أن تكون منزوعة السلاح، وتم السماح للسفن الإسرائيلية بالمرور عبر قناة السويس، وهي طريق تجاري رئيسي.

وأقامت الدولتان علاقات دبلوماسية كاملة في أول اتفاقية سلام تبرمها إسرائيل مع دولة عربية، وفق وكالة "أسوشيتد برس".

ويعتقد فرج أن إسرائيل ستكون "حريصة على عدم تعليق الاتفاقية مع مصر، لأنها سوف تخسر كثيرا إذا حدث ذلك"، على حد تعبيره.

وفي سياق متصل، يشير الشهاوي إلى أن اجتياح الجيش الإسرائيلي رفح بريا قد يقود إلى "تعليق معاهدة السلام مع إسرائيل".

والتصعيد العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة بشكل عام، وفي رفح بشكل خاص، يمس الأمن القومي المصري بشكل مباشر، ويفرغ مضمون "اتفاقية السلام"، وفق وكيل المخابرات العسكرية المصرية السابق.

ويتحدث الشهاوي عن "عواقب وخيمة" لاجتياح رفح بريا، لأن ذلك "سيفاقم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وقد يدفع الفلسطينيين نحو سيناء".

ويقول إن "التهديدات المصرية بتعليق معاهدة السلام حقيقية وجادة، وعلى إسرائيل تحمل العواقب الوخيمة التي تترتب على اجتياح رفح بريا".

وسبق لمصر إرسال رسائل مفادها أن المصالح المصرية والأمن القومي في ظل التطورات الحالية "يقترب من حد الخطر"، وفق وكيل المخابرات العسكرية المصرية السابق.

ويتفق مع الطرح السابق، عيد الذي يؤكد أن "مصر ترفض إبادة أهل غزة، وكذلك تهجيرهم لسيناء".

وإذا حدث ذلك فهو يمثل "إعلان الحرب على مصر"، على حد تعبير المحلل السياسي المصري.

ومن جانبه، يتحدث لافي عن رسائل مصرية لإسرائيل بأن "لدى الجانبين مصالح يجب الحفاظ عليها".

ولكن إذا أصرت السلطات الإسرائيلية على "التعامل بشكل غير منطقي، فسوف تفعل مصر كل ما بوسعها للدفاع عن نفسها طبقا للقانون"، وفق المحلل العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي.

ويشدد لافي على أن الحشد العسكري الإسرائيلي في رفح "لا يمس المصالح القومية المصرية".

ويؤكد أن معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية أهم كثيرا بالنسبة لإسرائيل من "القضية الفلسطينية".

ويشير المحلل العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي إلى وجود "مصالح مشتركة" بين إسرائيل ومصر، ولذلك لا توجد أي إمكانية لـ" اندلاع نزاع بين الجانبين، أو العبث بمعاهدة السلام".

ومن جانبه، يرى كيدار أنه "لا توجد أي سيناريوهات مصرية قد تتبع اجتياح رفح بريا".

ويقول المحلل السياسي الإسرائيلي: "القوات الإسرائيلية تقوم بأنشطتها داخل قطاع غزة، وليس لنا في مصر لا ناقة ولا جمل".

ويشدد على أن ليس لإسرائيل أي مصلحة في الأراضي المصرية "من قريب ولا بعيد".

أما ميلاميد فيتوقع أنه سيكون هناك تنسيق مسبق بين مصر وإسرائيل بوساطة أميركية قبل الاجتياح البري لرفح لـ"الحيلولة دون أي احتكاك بين الجانبين الإسرائيلي والمصري".

وسيتم التنسيق كذلك حول "الحيلولة دون تهجير الفلسطينيين نحو مصر، والسيطرة على معبر فيلادلفيا"، وفي نهاية المطاف سيكون هناك "تفاهمات متبادلة بين الجانبين"، وفق المحلل الاستراتيجي الإسرائيلي.

ولا يعتقد نيسان أن مصر سوف تتجه لمواجهة مع إسرائيل لوجود مصالح استراتيجية بين البلدين، وفي ظل دعم الولايات المتحدة للطرفين".

وليس من مصلحة مصر أو إسرائيل أن يكون هناك مواجهة لكن يجب أن يكون هناك "تفاهمات بين الجانبين"، وفق المحلل السياسي الإسرائيلي.

ويشدد نيسان على أن إسرائيل سوف توفر ممر آمن بالتنسيق مع مصر حتى يتجه سكان رفح لمناطق أخرى في حال قررت إسرائيل اجتياح رفح، "لكن هذا التهجير لن يكون قطعا نحو سيناء".

ولا يمكن أن يكون التهجير لمنطقة سيناء لكن نحو "مناطق في قطاع غزة"، لأن ذلك ليس في مصلحة مصر ولا إسرائيل، وفق المحلل السياسي الإسرائيلي.

واندلعت الحرب في قطاع غزة إثر هجوم حركة حماس غير المسبوق في إسرائيل في السابع من أكتوبر الذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على الحركة"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 28576  شخصا، غالبيتهم من النساء والأطفال، بينما بلغ عدد الجرحى 68291، وفق ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحماس، الأربعاء.

حرب السودان

لعقود طويلة، كانت حروب الوكالة ـ ولا تزال ـ حيزا غامضا تتحرك فيه الدول لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من دون الانخراط المباشر في أعمال عسكرية واسعة النطاق.

لكن هذا الحيز الرمادي ـ ثمة احتمالات ولو ضعيفة ـ قد يتقلّص، إذ تعيد دعوى قضائية جديدة النقاش حول إمكانية تجريم المشاركة ـ ولو عن بُعد ـ في جرائم الحرب. 

السودان ضد الإمارات

يقاضي السودان دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة تأجيج نزاع داخلي، من دون أن تنشر الدولة الخليجية قواتها على الأراضي السودانية.

يزعم السودان أن الإمارات متواطئة ـ بتقديم دعم مالي وسياسي وعسكري ـ في "إبادة جماعية" ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق قبيلة المساليت في غرب دارفور، نوفمبر 2023.

القضية "غير مسبوقة في نطاق القانون الدولي"، يقول لموقع "الحرة" عبدالخالق الشايب، وهو مستشار قانوني وباحث في جامعة هارفارد. 

وإذا قضت المحكمة لصالح السودان، فيسكون الحكم ـ بدوره ـ "سابقة قانونية" تُحمّل فيها دولة المسؤولية القانونية عن حرب بالوكالة، خاضتها عن بُعد. 

وسيوفر الحكم أساسا لمساءلة الدول عن حروب الوكالة، وإعادة تقييم مبدأ عدم التدخل في سياق الحروب غير المباشرة. 

يقول خبراء قانون لموقع "الحرة"، إن قضية السودان ـ إذا نجحت ـ ستؤدي إلى إعادة النظر في أدق التحفظات المتعلقة بالمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، خصوصا عندما تكون هناك ادعاءات بارتكاب إبادة جماعية. 

وقد تفقد الدول ـ نتيجة لذلك ـ القدرة على حماية نفسها من اختصاص المحكمة في مثل هذه القضايا. 

ومن تداعيات القضية ـ إذا قررت محكمة العدل الدولية البت فيها ـ إعادة تفسير اتفاقية الإبادة الجماعية لتشمل حالات التورط غير المباشر أو التواطؤ في جرائم الحرب.

حروب الوكالة

في حديث مع موقع "الحرة"، تقول ريبيكا هاملتون، أستاذة القانون الدولي في الجامعة الأميركية في واشنطن، إن مفهوم الحرب بالوكالة يتبدى عندما تتصرف دولة كراع وتدعم طرفا آخر في ارتكاب أفعال خاطئة.

ورغم أن حروب الوكالة تبدو ظاهرة حديثة، فلها تاريخ طويل ومعقّد.

تُعرّف بأنها صراعات تقوم فيها قوة كبرى ـ عالمية أو إقليمية ـ بتحريض طرف معين أو دعمه أو توجيهه، بينما تظل هي بعيدة، أو منخرطة بشكل محدود في القتال على الأرض.

تختلف حروب الوكالة عن الحروب التقليدية في أن الأخيرة تتحمل فيها الدول العبء الأكبر في القتال الفعلي، وعن التحالفات التي تساهم فيها القوى الكبرى والصغرى حسب قدراتها.

وتُعرف حروب الوكالة أيضا بأنها تدخّل طرف ثالث في حرب قائمة. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأطراف الثالثة لا تشارك في القتال المباشر بشكل كبير، ما يتيح لها المنافسة على النفوذ والموارد باستخدام المساعدات العسكرية والتدريب والدعم الاقتصادي والعمليات العسكرية المحدودة من خلال وكلاء.

من الإمبراطورية البيزنطية إلى سوريا

يعود تاريخ الحروب بالوكالة إلى عصور قديمة، فقد استخدمت الإمبراطورية البيزنطية استراتيجيات لإشعال النزاعات بين الجماعات المتنافسة في الدول المجاورة، ودعمت الأقوى بينها.

وخلال الحرب العالمية الأولى، دعمت بريطانيا وفرنسا الثورة العربية ضد الدولة العثمانية بطريقة مشابهة. وكانت الحرب الأهلية الإسبانية ساحة صراع بالوكالة بين الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفيتي والقوميين المدعومين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وخلال الحرب الباردة، أصبحت الحروب بالوكالة وسيلة مقبولة للتنافس على النفوذ العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تجنبا لاحتمال نشوب حرب نووية كارثية.

ومن أبرز الأمثلة: الحرب الكورية، حرب فيتنام، الغزو السوفيتي لأفغانستان، والحرب الأهلية في أنغولا. استمرت هذه الحروب حتى القرن الحادي والعشرين. وتُعد الحرب في اليمن مثالا واضحا لحروب الوكالة، حيث تدعم إيران الحوثيين بينما تدعم السعودية وحلفاؤها الحكومة اليمنية.

وأظهر الصراع في سورية قبل سقوط نظام بشار الأسد مثالا صارخا لحروب الوكالة في عصرنا، من خلال تدخل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا دعما لفصائل مختلفة.

قضية السودان ضد الإمارات قد تدفع دولا أخرى إلى التفكير باللجوء  إلى محكمة العدل الدولية في دعاوى مماثلة، ولكن!

الإبادة الجماعية؟ 

لا تتعلق دعوى السودان بحروب الوكالة تحديدا، يؤكد الخبراء، بل تستند إلى اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة المتورطين فيها".

تدّعي الخرطوم أن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري للسكان غير العرب، وتزعم أن تلك الجرائم ما كانت لتحدث لولا الدعم الإماراتي، بما في ذلك شحنات الأسلحة عبر مطار أمجاراس في تشاد.

"يحاول السودان أن يثبت دور دولة أخرى غير المباشر في ارتكاب قوات عسكرية أو ميلشيا تحارب في السودان إبادة جماعية"، يقول الخبيرة عبدالخالق الشايب.

"أساس القضية،" يضيف، "المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".

رغم أن كلّا من الخرطوم وأبوظبي من الموقعين على الاتفاقية، تعتقد هاملتون أن من غير المحتمل أن يتم البت في هذه القضية، إذ إن "محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها".

"عند توقيعها على اتفاقية الإبادة الجماعية،" تتابع هاميلتون، "أكدت الإمارات أنها لم تمنح محكمة العدل الدولية السلطة للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بينها وبين دول أخرى بشأن هذه الاتفاقية".

ويلفت ناصر أمين، وهو محام مختص بالقضايا الدولية، إلى أن النزاع القائم في السودان يُعتبر وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني نزاعا مسلحا داخليا، إلى أن تثبت الخرطوم بأن هناك تدخلا من إحدى الدول لصالح أحد أطراف النزاع داخليا".

"وهذا يحكمه بروتوكول ملحق باتفاقيات جنيف أو بالقانون الدولي الإنساني المذكور في المادة 3 من البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف المنعقدة عام 1929،" يضيف.

تنص المادة الثالثة على أن أحكام هذه الاتفاقية لا تسمح لأي دولة أن تتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة أخرى أو أن تمارس أي أعمال داعمة لأي فصيل متنازع أو متصارع. 

"على السودان أن يثبت أمام محكمة العدل الدولية أن هناك خرقا حدث للمادة 3 من البروتوكول"، يوضح.

لم يرد المركز الإعلامي، لسفارة الإمارات في واشنطن، على طلب للتعليق بعثه موقع "الحرة" عبر البريد الإلكتروني.

نقاط القوة والضعف

وتقول ربيكا هاملتون "من المؤسف" أنه من غير المحتمل أن تُرفع هذه القضية، حيث إن محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها.

ويشير الباحث القانوني، عبدالخالق الشايب، إلى أن قضية السودان ضد الإمارات "يبقى التعامل معها متعلقا بوكالات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحديدا".

لكن هاملتون تقول إن هناك مجموعة من القوانين الدولية التي تحظر حروب الوكالة، لكن "التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إنفاذ هذه القوانين".

"سابقة".. حتى لو تعثرت؟

أن تتعثر قضية السودان ضد الإمارات ـ بسبب الاختصاص القضائي ـ أمر وارد، لكنها تبقى، وفق خبراء في القانون، "ذات دلالة رمزية كبيرة".

"بغض النظر عن نتيجتها،" تقول أستاذة القانون الدولي ربيكا هاملتون، لموقع "الحرة"،  "تمثل القضية محاولة جريئة من دولة ممزقة بالصراعات لتوسيع مفهوم المساءلة عن ممارسات الحرب الحديثة".

وحتى إن رفضت محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى، فإن القضية تضيّق الحيز الرمادي الفاصل بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية غير المباشرة عن جرائم الحرب.

في تصريحات لموقع "JUST SECURITY"، يشير خبراء قانون إلى أن صدور حكم لصالح السودان ـ حتى وإن كان ذلك غير مرجح ـ قد يؤدي إلى إعادة تقييم شاملة للمعايير القانونية الدولية المتعلقة بتواطؤ الدول وتدخلها. 

قبول الدعوى قد يدفع القانون الدولي إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لحروب الوكالة الحديثة — سواء خيضت بجنود على الأرض، أو من خلال دعم مالي وعسكري عن بُعد.