الذئب القطبي يقع في بلدة خارب شمال الدائرة القطبية الشمالية
الذئب القطبي يقع في بلدة خارب شمال الدائرة القطبية الشمالية

"شعر بتوعك بعد الفسحة اليومية وفقد وعيه على الفور ولم يتمكن الطاقم الطبي من إنعاشه".. بهذه الرواية أعلنت مصلحة السجون الروسية وفاة زعيم المعارضة البارز أليسكي نافالني.

لكن وعند النظر إلى ما هو معروف عن المعتقل الذي نقل إليه قبل أشهر واسمه "الذئب القطبي" سرعان ما تتكون تفاصيل وحشية لـ"الفسحة" التي أشارت إليها الرواية الرسمية وتناقلتها وسائل الإعلام في موسكو.

وكان نافالني قد وصل إلى "الذئب القطبي" أو كما يعرف أيضا بـ"المستعمرة العقابية رقم 3" في شهر ديسمبر 2023 وقال حينها حسبما نقل عنه مقربون: "أنا بخير"، قبل أن يضيفوا على لسانه: "أشعر بالارتياح لوصولي أخيرا".

السجن ذو النظام الصارم و"المكان الذي تستخدم فيه خراطيم المياه كأداة للتعذيب" هو أكثر ما يتردد في روسيا عن "الذئب القطبي".

وعلاوة على ذلك دائما ما لصقت به أوصاف وحشية أخرى ارتبطت به وبـ"البومة القطبية" أحد السجون الواقعة إلى القرب منه أيضا. 

وتدل الأسماء على أشهر وأخطر حيوانات التندرا المفترسة المحلية، و"أولئك الذين يعذبون الضحية بلا رحمة بمخالبهم"، كما تورد بعض وسائل الإعلام الروسية، مقاربة بذلك ما يتعرض له المعتقلون في الداخل.

يقع "الذئب القطبي" في بلدة خارب شمال الدائرة القطبية الشمالية، وعلى بعد حوالي 1200 ميل شمال شرق موسكو. 

وتستغرق الرحلة إليه ثلاث ساعات بالطائرة من موسكو إلى سالخارد، ثم بالعبارة عبر نهر أوب (في الصيف) أو العبور على الجليد (في الشتاء)، وكذلك يحتاج الطريق إلى قطع مسافة 50 كيلومترا بالسيارة أو ما يقرب من يومين بالقطار. 

وكان في السابق جزءا من نظام معسكرات العمل القسري السوفييتية، وفقا لوسائل الإعلام المحلية، وفي تصريحات لكيرا يارميس المتحدثة باسم نافالني أشارت إلى "الفكرة من نقل المعارض إلى المعتقل البعيد هي جعل حياته أكثر صعوبة وإبعاده عن العالم".

وأضافت أيضا أن نقله إلى المعتقل البعيد يهدف إلى "زيادة صعوبة وصول محاميه وحلفائه إليه".

"أقسى السجون الروسية"

يعتبر "الذئب القطبي" من أقسى السجون في روسيا، وقد أدين معظم السجناء هناك بارتكاب جرائم خطيرة، كما تشير وكالة "رويترز" في تقريرها عن نافالني، ديسمبر الماضي.

وتوضح أنه تم تأسيسه في ستينيات القرن الماضي كجزء مما كان يعرف في السابق بنظام معسكرات العمل القسري السوفييتية.

ويضم ما يقرب من 1000 شخص، وهم من أخطر السجناء والمجرمين المتكررين والذين يقضون أحكاما طويلة، وفق صحيفة "كوميرسانت"، وتوضح أن العقيد في الخدمة المحلية فاديم كالينين هو من يرأسه.

تُعرف المنطقة التي تحيط بالسجن بـ"المنطقة الحمراء"، ويعتقد الصحفي ديمتري كوليزيف وأحد رفاق نافالني السابقين في تصريحات له أن "الكثير داخل المستعمرة (الذئب القطبي) مبني على كسر إرادة المقاومة وتحويل المدان المتمرد إلى مذنب خاضع".

وبدورها تشير الناشطة في مجال حقوق الإنسان فيرا غونشاروفا لقناة RTVI إلى أن قرية خارب نفسها (التي يقع فيها المعتقل) هي "مكان كارثي"، وفي رأيها لا تختلف مستعمرات "الذئب القطبي" و"البومة القطبية" كثيرا عن بعضها البعض من حيث ظروف الاحتجاز.

وتورد منصة "البوابة القانونية الروسية" عبر تطبيق تلغرام أن "الذئب القطبي هو المكان الذي لن يذهب إليه أحد طواعية، حتى بدافع الفضول".

وتوضح أنه المنطقة التي يتواجد فيها نائية جدا بالمعنى الحرفي للكلمة، وحتى أنه يصعب الوصول إليه عبر "حيوانات الرنة".

"يكاد يكون من المستحيل البقاء على قيد الحياة هناك في البرية، كما يكاد يكون من المستحيل الهروب"، وفق ما يشير ذات المصدر الروسي.

وتوضح المنصة أنه يمكن ملاحظة تمثال لـ"الذئب القطبي" عند مدخل المعتقل، مضيفة: "لم يذكر التاريخ من الذي أسسه، ومن الممكن أنه كان نتاج أنشطة السجناء".

وفي ذات السجن المنعزل، قضى شريك ميخائيل خودوركوفسكي الرئيس السابق لمجموعة النفط العملاقة"“يوكوس"، بلاتون ليبيديف عقوبة السجن ثماني سنوات.

وقد اعتبر كثيرون حينها أن القضية "دبرتها السلطات الروسية" لكسر رجل الأعمال المستقل الذي كان يدعم المعارضة ولا يتردد في مخالفة بوتين.

وفي غضون ذلك ومنذ أشهر يفسر مراقبون وجود نافالني في سجن "الذئب القطبي" تحت حراسة مشددة، بمنع أي تأثير محتمل له في الانتخابات الرئاسية المرتقب إجراء جولتها الأولى في الـ 17 مارس 2024. 

"لا حاجة لاختراق أدوات تعذيب"

تذكر وسائل إعلام روسية وغربية متقاطعة أن المعتقل أو كما يطلق عليها أيضا بـ"المستعمرة" يضم حمامات ومغاسل ومزرعة دواجن وخنازير، ومخزن، وغرفة مرجل، ومكتبة، وورشة نجارة. 

ويعمل السجناء فيه بشكل خاص في دباغة وخياطة جلود الرنة التي يستخدمها السكان الأصليون المحليون، بالإضافة إلى الهدايا التذكارية وبناء الهياكل الصغيرة.

ويوجد هناك كنيسة صغيرة للقديس سرجيوس رادونيج، تم بناؤها من قبل السجناء أنفسهم في عام 1999.

ويورد تقرير  لـ"إذاعة أوروبا الحرة" نشر في ديسمبر 2023 شهادة لرجل أطلق سراحه من "الذئب القطبي"، ونقلتها الناشطة في مجال حقوق السجناء أولغا رومانوفا.

وتقول نقلا عن لسانه: "في الشتاء يتم تجميع السجناء على عجل في الفناء بملابس خفيفة. لا يُسمح لهم بالتصفيق أو فرك أيديهم معا. وكان عليهم الوقوف لمدة 30 أو 40 دقيقة دون التحرك عندما كانت درجة الحرارة 45 درجة مئوية تحت الصفر".

وإذا تحرك شخص ما سرعان ما يرش السجانون عليه الماء البارد، بحسب رواية الناشطة الحقوقية نقلا عن المفرج عنه.

ويضيف: "في الربيع كان هناك تعذيب جديد. البعوض والذباب القارص. وفي حال تحرك أي شخص يتم رشنا بمدافع الماء".

وقال المخرج الأوكراني أوليه سينتسوف، الذي قضى خمس سنوات في إدانته بالإرهاب في ذات السجن: "بمجرد أن تتجاوز العتبة، يعلمونك أنه ليس لديك أي حقوق ولا يوجد من تشتكي إليه"، بحسب "إذاعة أوروبا الحرة".

وتحدث المخرج عن ضرب وإذلال وصدمات  كهربائية وطرق تعذيب يتم ممارستها هناك، ويضاف إليها الاحتجاز في زنزانة باردة عاريا أو بملابس مبللة.

ومع ذلك ما سبق ليس الأسوأ، حيث "يمكن أن يتم حبسك في (وضع الجنين) في صندوق حديدي حيث لا يمكنك التنفس إلا بصعوبة"، أو أن "تتبول على نفسك في ظل سماعك بشكل روتيني التهديدات المتعلقة بالاغتصاب". 

ويقول نشطاء حقوق الإنسان إن السجن يضم قتلة متسلسلين، ومغتصبين، ومشتهي الأطفال، ومرتكبي الجرائم المتكررة، وغيرهم من المدانين بارتكاب أخطر الجرائم ويقضون أحكاما بالسجن لمدة 20 عاما أو أكثر. 

ومن بين النشطاء إيفان جدانوف، مدير مؤسسة نافالني لمكافحة الفساد، التي اعتبرتها الدولة متطرفة ومحظورة في روسيا.

وقال في ديسمبر2023 لـ"إذاعة أوروبا الحرة": "كل ما عليك فعله هو إلقاء نظرة على الخريطة ويمكنك أن ترى أن هذا هو السجن الأشد قسوة في أقصى الشمال".

ويضيف: "الموقع ذاته يعني أن الظروف هناك هي الأكثر قسوة. وسيُحتجز نافالني لمدة عام على الأقل في زنزانة بها منطقة صغيرة للتمارين الرياضية ولا يمكنك حتى رؤية السماء منها".

وفي معظم أيام السنة، لا توجد رحلات جوية إلى المنطقة، والوصول إليها بالقطار صعب ومحدود، ويتم الاتصال الوحيد بالسجن عن طريق خدمة البريد الروسية العادية، حسب جدانوف. 

ويتابع: "أنت لا تعرف أبدا ما إذا كانت رسالتك قد وصلت أم لا، أو ما إذا كانت هناك أي فرصة للمستلم للرد. كان هذا هو الهدف من إرسال نافالني بعيدا".

إيران تخضع لسيطرة صارمة من قبل رجل دين واحد
إيران تخضع لسيطرة صارمة من قبل علي خامنئي

سلطت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، الضوء على هيكل السلطة في نظام الحكم الإيراني، الذي "يسيطر عليه رجل واحد" هو المرشد علي خامئني، مشيرة إلى أنه لا يستمع سوى لنصائح قادة الحرس الثوري والمتشددين.

وحسب الصحيفة، فإن الدولة التي يقارب عدد سكانها 90 مليون نسمة، "تخضع لسيطرة صارمة من قبل رجل دين واحد، كما أن النخبة الحاكمة في طهران تمر حاليا بفترة تغيير كبير".

وتشير إلى أنه مع اقتراب فترة الصراع على خلافة المرشد "المُسن"، فإن "القوات المسلحة والمتشددين يزدادون تأثيرا في تحديد مستقبل النظام". 

ووفق "فاينانشال تايمز"، فإن خامنئي هو صانع القرار الأعلى في كل من السياسة الداخلية والخارجية الكبرى، حيث إن الرجل "البراغماتي"، أصغى إلى توجيهات سلفه ومعلمه روح الله الخميني، القائلة إن "بقاء النظام يفوق أهمية حتى المبادئ الإسلامية الأساسية".

وتقول: "اعتاد خامنئي على القيام بمجازفات محسوبة عندما يتجاوز خصومه خطوطه الحمراء، مثل شن هجوم صاروخي على قاعدة أميركية في العراق بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020. لكن الموافقة على أول ضربة مباشرة على إسرائيل ردا على استهداف القنصلية في دمشق، بمثابة خروج عن نهج (الصبر الاستراتيجي) المعتاد".

ووفق الصحيفة، "يحتفظ خامنئي بالمتشددين في مناصب مهمة بالدولة، وأعرب عن رضاه عن الرئيس إبراهيم رئيسي، الذي انتُخب عام 2021 بنسبة إقبال قياسية منخفضة، اعتُبرت انعكاسا للسخط الشعبي".

وعلى عكس رؤساء الحكومات السابقين، "فإن رئيسي لم يتحد خامنئي، واتبع توجيهاته عن كثب، ربما لتحسين موقعه كخليفة محتمل". 

وتقول الصحيفة إن خامنئي، "الذي يدير الحرس الثوري وساهم في تحويله إلى أقوى مؤسسة في البلاد، يتمتع بولاء قادة الحرس الثوري له بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، بالإضافة إلى ولائهم لأيديولوجيته".

وتضيف: "خامنئي يستمع لنصائح قادة الحرس الثوري، بما في ذلك في الشؤون غير العسكرية، حيث يعمل الحرس كجهاز خامنئي الأساسي لممارسة السلطة في إيران والشرق الأوسط".

تهميش الجميع

وفقا لـ"فاينانشال تايمز"، فإن "رجال الدين الإيرانيين الآخرين لا يلعبون أي دور في صنع القرار، حيث يوفرون الشرعية الدينية لحكام البلاد، بمن فيهم المرشد الأعلى الذي يُشترط أن يكون رجل دين مسلما شيعيا".

وتتولى "جمعية الخبراء"، التي تضم 88 رجل دين، مسؤولية تعيين الزعيم التالي بعد وفاة خامنئي، كما يُفترض بها أن تراقب أفعاله، "على الرغم من أنها لم تمارس أي رقابة على الإطلاق"، حسب ما تقول الصحيفة.

وشهدت شعبية رجال الدين، الذين ارتفع عددهم إلى مئات الآلاف من الأفراد ويدرسون ويعملون في مؤسسات ممولة من الدولة، "تراجعا في الآونة الأخيرة"، حسب "فاينانشال تايمز".

كما يسيطر بعض من رجال الدين "الأكثر نفوذا" على صناديق الائتمان التجارية، و"غالبا ما يلومهم الجمهور على الصعوبات الاقتصادية"، وفق الصحيفة ذاتها.

أما فيما يتعلق بدور القطاع الخاص، تقول الصحيفة إن "الاقتصاد الإيراني يخضع لسيطرة الدولة، ويعتمد على عائدات النفط الخام"، حيث يؤكد قادة الأعمال أن "القطاع الخاص تم تهميشه عمدا لمنع الشركات من ممارسة نفوذ كبير أو الدعوة إلى تغيير سياسي".

وتتابع: "هذا إلى جانب انتشار الفساد في هذا (الاقتصاد المعتم). وعلى الرغم من أن القادة الإيرانيين يلقون باللوم على سوء السلوك الفردي بدلا من العيوب النظامية، ويعاقبون الشخصيات البارزة بشكل دوري، فإن العديد من المواطنين غير مقتنعين بذلك".

سحق المعارضة

منذ عام 1997، انتهج النظام الإيراني "سياسة تهميشية تجاه الليبراليين والوسطيين الإيرانيين" الذين سعوا لإقناع خامنئي بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية، حسب ما ذكرت "فاينانشال تايمز".

وتقول: "تم منع المرشحين الإصلاحيين من خوض انتخابات الرئاسة والبرلمان. كما ظل النظام صامدا حتى عندما سعى الإصلاحيون إلى التوصل إلى حل وسط ودعموا حسن روحاني، الذي فاز بفترتين رئاسيتين وساعد في تحقيق الاتفاق النووي عام 2015 مع القوى العالمية، والذي خفف العقوبات مقابل فرض قيود على البرامج النووية الإيرانية".

ووفق الصحيفة، فإن "النظام الإيراني سحق موجات من الاحتجاجات المعارضة في جميع أنحاء البلاد منذ عام 2009، التي أسفرت عن مقتل مئات الأشخاص". 

و"على الرغم من وجود علاقات سابقة بين خامنئي وبعض الشخصيات الإصلاحية في إيران قبل وبعد الثورة" وفق الصحيفة، فإنه "لم يسمح لهؤلاء بتولي أي مواقع نفوذ، وبدلا من ذلك، اعتمد على الموالين المتشددين لحماية رؤيته لإيران قبل وبعد وفاته".