خطة نتانياهو لاقت معارضة فلسطينية وأميركية فور الإعلان عنها في خضم مفاوضات لتحقيق "حل الدولتين"
خطة نتانياهو لاقت معارضة فلسطينية وأميركية فور الإعلان عنها في خضم مفاوضات لتحقيق "حل الدولتين"

شكّل طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، خطته لمستقبل غزة، خطوة غير متوقعة في توقيتها وبنودها، تعيد خلط الأوراق والمواقف بالنسبة للحرب الجارية في القطاع ومصيرها، نظرا لما تحمله من إعلان نوايا وتوجهات مثيرة للجدل، وبعيدة عن مسار الجهود الدولية الجارية لإيجاد حل سريع ومناسب وطويل الأمد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ما قد يعرّض فرص تنفيذها لتحديات إقليمية ودولية، فضلا عن إمكانية تحقيقها على أرض الواقع.

وهذه المرة الأولى التي يقدم فيها نتانياهو لوزراء الحكومة موقفا مكتوبا بشأن خططه لليوم التالي للحرب في غزة، حيث كان افتقار حكومته لمثل هذه الرؤية موضع انتقاد من قبل معارضيه على مدى أشهر الحرب الماضية، وتتناول المبادئ الواردة في الوثيقة بشكل عام العديد من المجالات الرئيسية لقطاع غزة وإسرائيل ما بعد الحرب.

مع ذلك، يبدو أن الخطة المقدمة "تفتقر إلى التفاصيل الملموسة"، وتستند إلى حد كبير إلى تصريحات نتانياهو العلنية في الأشهر القليلة الماضية، وفق ما قال موقع "أكسيوس" الأميركي.

ونقل الموقع عن أحد كبار مستشاري نتانياهو قوله إن الهدف من طرح الوثيقة هو "تقديم مبادئ من شأنها أن تحظى بأكبر قدر ممكن من الإجماع"، لكنه أشار إلى أن المشاورات في مجلس الوزراء ستؤدي على الأرجح إلى تغييرات قبل الموافقة على الخطة.

بنود ساخنة

وتضمنت خطة نتانياهو إعلان نوايا حول العديد من الملفات والقضايا الشائكة المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب، والتي شهدت نقاشا ساخنا وانقساما حولها خلال الأشهر الماضية، في الداخل الإسرائيلي وعلى الصعيد الدولي، مثل ملف إعادة إعمار غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية، إضافة إلى التواجد الإسرائيلي في القطاع بعد الحرب.

ويريد بحسب خطته أن تبقي إسرائيل سيطرتها الأمنية على غزة والضفة الغربية، وأن يحافظ جيشها على حرية العمل في جميع أنحاء قطاع غزة إلى أجل غير مسمى، مع إقامة منطقة أمنية داخل القطاع، على أن تسيطر إسرائيل على المنطقة الحدودية بين مصر وغزة، وهي مواقف سبق أن عبّر عنها نتانياهو في تصريحاته.

كما تشير الوثيقة إلى أن قطاع غزة سيكون منزوع السلاح بالكامل باستثناء الأسلحة "الضرورية للحفاظ على النظام العام"، حيث ستكون إسرائيل مسؤولة عن مراقبة نزع السلاح وضمان عدم انتهاكه، على أن تكون إعادة إعمار قطاع غزة غير ممكنة قبل إتمام هذا البند، والانطلاق بجهود "اجتثاث التطرف" في جميع المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية في قطاع غزة، وهي مواقف لم يسبق أن عبر عنها رئيس الحكومة الإسرائيلية.

ولا تحدد الوثيقة بوضوح تصورات نتانياهو بشأن حكم غزة بعد الحرب، لكنها تقول إن "عناصر محلية ذات خبرة إدارية، غير مرتبطة بالدول أو الكيانات التي تدعم الإرهاب أو تتلقى تمويلا منها"، ستكون مسؤولة عن الإدارة المدنية وحفظ النظام العام بالقطاع، وخلافا لتصريحات نتانياهو السابقة، فإن الوثيقة "لا تستبعد" أن تلعب السلطة الفلسطينية دورا في إدارة غزة، رغم أنها لا تذكر السلطة على وجه التحديد، حسبما ذكر موقع "أكسيوس".

الأبرز في الوثيقة كان التأكيد على مسألتين تم تبنيهما في وقت سابق من هذا الأسبوع من قبل كل من الحكومة الإسرائيلية والكنيست، الأولى رفض إسرائيل بشكل قاطع ما وصفته بـ "الإملاءات الدولية" فيما يتعلق بالتسوية الدائمة مع الفلسطينيين، ومعارضة "الاعتراف أحادي الجانب بالدولة الفلسطينية"، والذي تعتبره الخطة "مكافأة على الإرهاب تمنع أي تسوية سلمية مستقبلية".

تعارض بارز

ويمثل تنفيذ كل بند من هذه البنود موضع إشكاليات بحد ذاته، لا سيما لناحية حاجة العديد من هذه البنود إلى دعم دولي وجهود عربية صوب تحقيقه، فضلا عن حد أدنى من القبول الفلسطيني، لكي تكون قابلة للتطبيق، في وقت تتعارض هذه البنود مع العديد من المواقف المُعَلنة لدول عربية وغربية فاعلة ومؤثرة في هذه القضية.

على سبيل المثال، يعتمد بند إعادة الإعمار على مشاركة سعودية وإماراتية في تلك الجهود، فضلا عن دور محتمل للدولتين الخليجيتين في خطة "اجتثاث التطرف"، في وقت سبق وأعلن الطرفان موقفهما الرافض للمشاركة في أي خطة "لليوم التالي" في غزة إذا لم تتضمن مسارا مضمونا لإقامة دولة فلسطينية.

كذلك، تتطلب سيطرة إسرائيل على حدود قطاع غزة مع مصر قبولا وتنسيقا مع القاهرة، التي لا تزال ترفض علنا هذا المطلب، فضلا عن مطالبتها بحل للنزاع يكون عادلا للفلسطينيين يضمن إقامة دولتهم، وتخوض إلى جانب قطر والولايات المتحدة جهودا في سبيل إتمام المفاوضات بين حماس وإسرائيل لوقف إطلاق نار دائم في غزة، وهو ما لا يتوافق مع بنود الخطة المطروحة من نتانياهو.

ويأتي رفض نتانياهو لحل الدولتين في وقت يزداد فيه التوجه الدولي للاعتراف بدولة فلسطينية، لا سيما أوروبيا وأميركيا، وسط ارتفاع في الأصوات المطالبة بذلك، فيما يعتبر هذا الحل أساسا في مقاربة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، فضلا عن الأمم المتحدة.

وفي وقت تشدد فيه الولايات المتحدة على ضرورة ضمان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وشكل الحكم المقبل، تأتي الترتيبات المنصوص عليها في خطة نتانياهو لغزة والضفة الغربية، بعيدة عن إرادة الفلسطينيين ورؤيتهم لمرحلة ما بعد الحل، وهو ما عبّرت عنه كل من الرئاسة والخارجية الفلسطينية تعقيبا على طرح نتانياهو لخطته.

وقال المتحدث باسم الرئيس الفلسطيني، نبيل أبو ردينة، لرويترز إن اقتراح نتانياهو مقدر عليه الفشل كأي خطط إسرائيلية لتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي.

وأضاف: "إذا أراد العالم أن يكون هناك أمن واستقرار في المنطقة فعليه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف".

بدورها، أعربت الخارجية الفلسطينية في بيان، عن رفضها بشدة "مبادئ نتانياهو لليوم التالي للحرب"، واعتبرتها اعترافا رسميا بـ"إعادة احتلال قطاع غزة، وخطة لإطالة أمد حرب الإبادة".

ووصفت الوزارة الخطة بأنها "مناورة صريحة لاعتراض وإفشال الجهود الأميركية والدولية المبذولة لربط ترتيبات وقف الحرب والإفراج عن الأسرى والرهائن بحل الصراع وتجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض". 

وأكدت واشنطن رفضها لأي نشاط "استيطاني" جديد في قطاع غزة بعد انتهاء الحرب أو في الضفة الغربية، مشددة على ضرورة أن يكون للفلسطينيين دور في تقرير مستقبلهم.

وقال مستشار اتصالات الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، في مؤتمر صحفي إن "البيت الأبيض يشعر بخيبة أمل من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بشأن النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية".

وأضاف أن البيت الأبيض يؤكد على أنه "يجب أن يكون للفلسطينيين صوت في تقرير مستقبل غزة بعد الحرب، ولا نؤمن بتقليص حجم غزة.. لا نعتقد وسنتحدث بصوت عال عن حقيقة أننا لا نريد أن نرى أي تهجير قسري للفلسطينيين خارج غزة، وبالطبع لا نريد أن نرى غزة تهيمن عليها وتحكمها حماس".

وتابع أن وجهة النظر الأميركية واضحة "أجرينا مباحثات بناءة مع الإسرائيليين حول كل هذه القضايا خلال الأسابيع الأخيرة، حيث واصلنا توضيح موقفنا، بما في ذلك المجالات التي تختلف فيها الآراء والمواقف، ولكل من الإسرائيليين والفلسطينيين الحق في أن يشعروا بالأمن مع قدر متساو من الحرية والكرامة".

وذكر كيربي أن إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، "تؤكد ببساطة الاستنتاج الأساسي" في هذه القضية فيما يرتبط بالمستوطنات بأنها تضر بـ"مساعي السلام".

من جانبه، كرر وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الجمعة، أن الولايات المتحدة ترفض أي "احتلال جديد" لقطاع غزة بعد انتهاء الحرب، وذلك ردا على الخطة التي قدمها نتانياهو.

وقال بلينكن ردا على سؤال خلال مؤتمر صحفي في بوينس آيرس: "لم أطّلع على الخطة لذا أتحفظ عن الإجابة"، لكنه أضاف "ينبغي ألا يحصل احتلال إسرائيلي جديد لغزة" و"يجب عدم تقليص أراضي غزة"، وهما أمران يشكلان في رأيه "مبادئ أساسية" لمستقبل القطاع.

وأضاف أن هذه المستوطنات "لا تتسق أيضا مع القانون الدولي. تحافظ إدارتنا على معارضة صارمة للتوسع في المستوطنات، وفي رأينا أن هذا يؤدي فقط إلى تقويض أمن إسرائيل ولا يعززه".

ما مدى حظوظ الخطة؟

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي بمعهد هدسون، ريتشارد وايتز، أن خطة نتانياهو ليست مفاجئة. وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن الخطة "تبدو واسعة وغامضة بشكل قد يصعب قبولها من جميع أعضاء تحالف رئيس الوزراء الإسرائيلي".

الخطة، بحسب وايتز، تبدو ضمنيا، بأنها تسمح بدور ما للسلطة الفلسطينية في غزة، لكنه يستبعد "أن تجد إسرائيل من يرغب في التعامل معها من الفلسطينيين".

وأشار إلى أن الخطة "تنحرف عما ترغب فيه الولايات المتحدة"، متوقعا مع ذلك أن تكتفي إدارة جو بايدن بالانتقاد العلني بدل ممارسة ضغوط على نتانياهو.

من جهته، يتفق الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة "النهار" اللبنانية، إبراهيم بيرم، مع تقديرات وايتز حول الموقف الأميركي من خطة نتانياهو، إذ يعتبر أن "موافقة الولايات المتحدة السابقة على فكرة إسرائيل كدولة يهودية يقلل من حظوظ السعي لحل الدولتين".

وقال إن الولايات المتحدة سبق وأن التزمت بحل الدولتين في اتفاقية أوسلو منذ التسعينيات، "في حينها كان هناك نحو ٧٠ ألف مستوطن في الضفة الغربية، اليوم باتوا نحو ٧٠٠ أو ٨٠٠ ألف، وبالتالي الكلام عن الأمر لا يعني التزاما فعليا بتطبيقه".

حتى بالنسبة للدول الأوروبية الراغبة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، يرى بيرم أنها "لن تكون جدية في ذلك إلى حد مقارعة إسرائيل أو تجاوز رغبتها".

وأضاف: "هذا ليس محاكمة نوايا إنما تجربة قديمة مع التنظير الدولي والغربي لحل الدولتين مقابل القدرة على تنفيذه في الواقع، حيث لم يطبق حتى اليوم".

ولا يعول بيرم على المواقف المعلنة للدول العربية، مضيفا أن مسألة "توقف تطبيع دول عربية مع إسرائيل على حل لإقامة دولة فلسطينية هي ليست سوى شعارات مرفوعة لن تستمر بكونها عقبة في المراحل القادمة".

وبالنسبة لرفض إعادة الإعمار دون إقامة دولة فلسطينية، يذكّر بيرم أن هذه المواقف تكررت في الماضي، فمنذ انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، شهدت غزة أكثر من جولة عنف مع إسرائيل، ودائما ما كان يتم ربط إعادة الإعمار بحل طويل الأمد وإقامة دولة فلسطينية، "إلا أن ما جرى هو إعادة إعمار بنسب صغيرة فيما تركت إعادة الإعمار الفعلية للفلسطينيين أنفسهم".

الحل "مرتبط" بنتائج الحرب

يذكر أن الجهود الدولية التي تنخرط فيها الولايات المتحدة بعمق إلى جانب شركائها في الشرق الأوسط لإنهاء الحرب في غزة وإعادة الرهائن الإسرائيليين، قد بلغت مستويات متقدمة، إذ أكد نائب المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، روبرت وود، في مقابلة مع قناة "الحرة"، الخميس، على المفاوضات الجارية في باريس بشأن الإفراج عن الرهائن في غزة .

ونوه المسؤول الأميركي إلى أن الولايات المتحدة تسعى لوقف مؤقت لإطلاق النار في غزة لحوالي 6 أسابيع، بالإضافة إلى الإفراج عن الرهائن لدى حماس، مشيرا إلى أن المفاوضات تشمل أيضا المساعدات الإنسانية للقطاع.

من جهة أخرى، أعلنت البرازيل، الخميس، في ختام اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين أن الدول الأعضاء تدعم بشكل عام حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ما يزيد الضغط على إسرائيل لقبول دولة فلسطينية مستقلة.

ومع ذلك، يرى بيرم أن مسار المعارك الميدانية وما يفرزه الميدان الحربي من نتائج هو ما سيفرض في النهاية المسار المقبل لمرحلة المفاوضات وما بعد الحرب، لا سيما مدى صمود حماس بوجه الحملة العسكرية الإسرائيلية، وإمكانية تكيفها وعودتها إلى المناطق التي خرجت منها مع الحفاظ على الحاضنة الشعبية، فضلا عن استمرار دعمها من قبل ما يسمى "محور المقاومة".

ويعتبر بيرم أن نتانياهو يجد اليوم فرصته الكبرى لتنفيذ أقصى طموحاته، وأبرزها التخلص من حماس ودولتها، والتخلص من حالة غزة بما تمثله تاريخيا وحاضرا، والتخلص تباعا من عبء ما يسمى بحل الدولتين، "خاصة في ظل الدعم الدولي غير المحدود لإسرائيل، وتراجع الدعم العربي للفلسطينيين".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني أن مزاج الداخل الإسرائيلي "لأول مرة يميل بهذا الحجم إلى طروحات اليمين، إذ لطالما كان تتواجد أصوات عالية في الداخل الإسرائيلي تطالب بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم ودولتهم، لكن هذا المزاج تبدل كثيرا بعد 7 أكتوبر"، وهو ما قد يمنح الخطة دفعة شعبية.

أما فلسطينيا، يلفت بيرم إلى أن "الشعب الفلسطيني يرى أن القضاء على غزة هو الخطوة الأولى للقضاء على قضيته، وسيتبعها الضفة الغربية والمخيمات وصولا إلى تهجير عرب الـ 48، وبالتالي لن يسهّلوا الأمر على نتانياهو في سعيه لخطته".

ويذكّر بيرم أنه ومع بداية سبعينيات القرن الماضي، كانت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في غزة تقيم واقعا مشابها جدا لما تقيمه حماس اليوم في غزة، "واستطاع آرييل شارون أن ينهي تلك الحالة بعد تدميره غزة وإعادة بنائها من جديد، بحيث قضى على الحاضنة الجغرافية للجبهة الشعبية، ونجح الأمر لنحو 7 سنوات قبل أن تعود التوترات وتتصاعد مع الوقت".

ويعتبر أن هذه التجربة السابقة "تشير إلى صعوبة القضاء نهائيا على حالة غزة".

ويختم بيرم بأن هدف خطة نتانياهو يعتبر "القضاء التام على القضية الفلسطينية"، مشيرا إلى أن هذه القضية "ثبت تاريخيا صعوبة التخلص منها أو التحلل من تأثيراتها دون حل جذري".

أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)
أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)

زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو البيت الأبيض للمرة الثانية خلال شهرين في رحلة استثنائية بتوقيتها ومضمونها. فنتانياهو يقصد واشنطن المنشغلة بحرب الرسوم الجمركية مع الصين، فيما عينها على النظام الإيراني، الذي ستجلس معه "مباشرةً" في سلطنة عُمان.

الرسوم الجمركية تصدرت مشهد القمة في البيت الأبيض، لكن الحدث الرئيس هو إيران. فماذا قال ترامب لحليفه نتانياهو الذي استدعاه على عَجل؟ وهل أقنع نتانياهو ترامب بوجهة نظره بخصوص إيران؟ وماذا عن غزة وسوريا وتركيا؟

خلاف حول غزة؟

يبدو أن ترامب ونتانياهو غير متفقين حول انهاء حرب غزة بسرعة، فنتانياهو غير مستعجل على ذلك، على عكس ترامب الذي أوضح رغبته في إطلاق سراح الرهائن، وإنهاء الحرب بسرعة كما قال أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي.

لكن حديث الرئيس الأميركي عن نقل السكان "طوعيا من قطاع غزة لتجنيبهم ما يتعرضون له من قتل وبؤس"، استدعى ردا من السناتور الديمقراطي كريس فان هولن: "ترامب ونتانياهو يلطفان لغتهما بشأن خطة إخراج مليوني فلسطيني من غزة بشكل طوعي إرادي كما يقولان، لكن الأمر لن يكون إراديا ونحن ندخل اليوم السادس والثلاثين من فرض حصار إنساني على غزة. ليس الأمر إراديا عندما تكون غزة قد دمرتّ بالكامل تقريباً، فيما يُهدد وزير الدفاع الإسرائيلي سكان غزة بالدمار".

"تواصلٌ قويٌ... ولكن!

يقول نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً جويل روبن لبرنامج "عاصمة القرار" من الحرة"، إن زيارة نتانياهو لترامب كانت في جوهرها لمناقشة اجتماع الولايات المتحدة مع إيران في عُمان، لكن نتانياهو لم يخرج بالكثير من الفوائد من هذه الزيارة، سوى كونه أول زعيم تحدث مع الرئيس ترامب بشأن التعريفات الجمركية".

ويضيف روبن: "كما أن نتانياهو لم يحصل على التزام من ترامب بقصف إيران أو الموافقة على الشروط الدبلوماسية التي يبحث عنها نتانياهو، وهي التفكيك الكامل لكل البنية المعلوماتية النووية الإيرانية. لذلك كان اجتماعا مُهما لناحية التواصل القوي بين ترامب ونتانياهو، رغم عدم حصوله على الكثير من النتائج".

تحدث ترامب ونتانياهو عن الرسوم الجمركية وعن غزة والرهائن، كما يقول الباحث الأميركي جو تروزمان، الذي لم يجد "أي تغيير كبير من إدارة ترامب أو تحوّل في السياسة فيما يتعلق بالرهائن. لذلك فإنه إذا وُصف ذلك بأن نتانياهو خرج خالي الوفاض من هذا الاجتماع فيما يتعلق بغزة أو فيما يتعلق بالرهائن، فأعتقد أن هذا قد يكون صحيحاً".

خُذ عِلماً.. وانتظر!

أمام نتانياهو أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران.

وسيكون نجاح هذه المحادثات في مصلحة إيران، كما قال الرئيس الأميركي، ولكنه وجه كلامه محذرا خامنئي بالقول: "أعتقد أنه إذا لم تنجح المحادثات، فستكون إيران في خطر كبير.. أكره أن أقول هذا، لكن النظام الإيراني لا يستطيع امتلاك سلاح نووي، وإذا لم تنجح المحادثات، أعتقد في الواقع أنه سيكون يوما سيئا للغاية بالنسبة لإيران".

حشدٌ عسكريٌ... نحو التفاوض!

في رسالة واضحة للنظام الإيراني، كثفت الولايات المتحدة مؤخرا حشدها العسكري في قاعدة دييغو غارسيا العسكرية في المحيط الهندي، والقريبة نسبياً من إيران.

ويعتقد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الجنرال ديفيد بترايوس أن أي ضربة جوية أميركية محتملة لن تستهدف المنشآت النووية الإيرانية فحسب، بل ستستهدف أيضا قدراتها الدفاعية الجوية والصاروخية في محاولة لمنع أي رد انتقامي إيراني محتمل.

ويضيف بترايوس أن "نشر قاذفات الشبح الاستراتيجية B2 في قاعدة دييغو غارسيا، ليس فقط رسالة ردع لإيران، بل جزء من الاستعدادات المحتملة لهجوم عسكري عليها، فهذه القاذفات قادرة على حمل القنبلة الخارقة العملاقة MOP، والمخصصة لضرب المنشآت المحصنة بشدة في أعماق الأرض".

وبالحديث عن ضربة عسكرية أميركية لإيران، واحتمالات نجاح المحادثات الدبلوماسية معها. يشدد قائد القيادة المركزية الأميركية السابق الجنرال كينيث ماكينزي على أهمية ضرب الحوثيين.

وحول احتمالات توسيع العملية العسكرية الأميركية لتطال الأراضي الإيرانية، يقول ماكينزي إن "إيران تحترم القوة؛ إن اغتيال سليماني قبل خمس سنوات، والضربات ضد الحوثيين الآن، تُظهران بوضوح أن الولايات المتحدة لديها رئيس لا يثنيه احتمال التصعيد، وإن كان لا يريد الحرب".

ويتابع ماكينزي: "لدينا الآن فرصة لجلب إيران إلى طاولة المفاوضات لإجراء مفاوضات جوهرية حول طموحاتها النووية - مفاوضاتٌ يجب أن تُجرى مباشرةً، لا عبر أطراف ثالثة".

ويبين أن "الهدف الأسمى للدولة الإيرانية هو الحفاظ على النظام. إذا تعرّض بقاء القيادة الدينية لتهديد مباشر وحقيقي، فستُعدّل إيران سلوكها. لدينا الآن الأدوات والإرادة لخلق هذا التهديد بطريقة فعّالة".

ترامب يستطيع إنجاز ما عجز عنه بايدن!

يدعو الباحث الأميركي تريتا بارسي، الرئيس ترامب لعدم الاستماع لنصائح نتانياهو ببدء حرب مع إيران.

ويُضيف بارسي أن "القيادة الإيرانية تعتقد أن الرئيس دونالد ترامب أقدر من الرئيس السابق جو بايدن على التوصل إلى اتفاق مع إيران. وأن طهران تعتقد أن ترامب يريد حقا التوصل إلى اتفاق، وأنه مُستعد وقادر على تقديم تخفيف جدي للعقوبات لتحقيق ذلك".

ويتابع: "لذا فإن الوعد لإيران أكبر بكثير مع ترامب مما كان عليه مع بايدن. ويبدو أن طهران مستعدة لتقديم تنازلات لضمان هذا الجانب الإيجابي. وهذا هو السبب الرئيسي، ولكن ليس الوحيد، وراء سرعة الأمور الآن نحو الدبلوماسية مع ترامب".

هو صاحب القرار أمام نتانياهو!

من جهته، ينقل الكاتب في واشنطن بوست ديفيد إغناطيوس، عن مسؤول في الإدارة الأميركية تشديدها على أن تكون المحادثات مع إيران مباشرة. لأن كسر "حاجز انعدام الثقة العميق بين الطرفين يتطلب نقاشا شاملا وتوافقا في الرؤى".

وحول القمة بين ترامب ونتانياهو، يلاحظ ديفيد إغناطيوس أن: "هذا العرض في المكتب البيضاوي منح ترامب فرصة لإظهار أمر لم ينجح فيه أسلافه الديمقراطيون، جو بايدن وباراك أوباما وهو توضيح من هو صاحب القرار أمام نتانياهو"، لافتا إلى أن ترامب لم يكتفِ بالإعلان عن عزمه التفاوض مع خصم إسرائيل الأكبر، بل كانت نبرة الاجتماع بين الرجُلين مختلفة تماما عن زيارة نتانياهو للبيت الأبيض في أوائل فبراير".

ويلفت ماكينزي إلى أنه في "حين تركزت النقاشات على آمال إسرائيل في دعم ترامب لأي عمل عسكري محتمل ضد منشآت إيران النووية، لكن المسؤولين في إدارة ترامب أكدوا لي أن ترامب كان أكثر حرصا على الدبلوماسية من العمل العسكري".

ترامب يضع إيران في مأزق!

"سيضع ترامب إيران في مأزق بإعلانه الصريح أن المحادثات ستكون مباشرة، كما يقول الكاتب الأميركي الإيراني فالي نصر، الذي يرى أنه و"لتجنب الظهور بمظهر من غَيَّرَ موقفه، تُصرُّ إيران على أن تكون المحادثات غير مباشرة، لكن في الواقع، من مصلحة إيران أن تكون المحادثات مباشرة ليتحدد اتجاهها".

ويعتقد نصر أن "كلا الجانبين يرغبان في تغيير الديناميكية الحالية، ومن المرجح أن يبدأ التفاوض بشكل غير مباشر ظاهريا، ثم ينتقلان إلى مخاطبة بعضهما البعض مباشرة. في النهاية، ستكون الصيغة أقل أهمية مما سيُقال". 

لكن، هل تقبل القيادة الإيرانية بطلب ترامب تفكيك برنامجها النووي على غرار ما حدث في ليبيا، بالإضافة إلى إلغاء برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ودعم النظام الإيراني للميليشيات في بعض البلدان العربية؟

يعتقد كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جو تروزمان أن هناك فرصة سانحة لإيران وإدارة ترامب لحل القضية النووية.

ويتابع: "لكن قبول إيران بتفكيك برنامجها النووي سيتطلب تخفيفا كبيرا للعقوبات وحوافز أميركية أخرى لإيران. كما أن طهران لن تقبل بتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية المرتبطٌ بالنووي بشكل وثيق. والنظام الإيراني لن يقبل بالتخلّي عن الوكلاء الإقليميين، مثل حزب الله والحوثيين، الذين يمارسون نفوذًا لصالح طهران".

بالمقابل، يعتقد جويل روبن أن النظام الإيراني "غير مُستعد لتقديم تنازلات بسرعة. لقد رأينا ذلك مرارا وتكرارا، وبالنسبة للرئيس ترامب، فبينما يُصرّح برغبته في التوصل إلى اتفاق وتجنب حرب في الشرق الأوسط، إلا أنه ليس من أشدّ المؤيدين لرفع العقوبات عن إيران وتقديم مليارات الدولارات من المزايا التي انتقدها بشدة في الماضي. أعتقد أن ما يُمكننا توقعه من هذه الاجتماعات هو استشراف إمكانية اللجوء إلى الدبلوماسية".

وفيما تطرقت المباحثات الأميركية الإسرائيلية إلى الدور التركي المتنامي في سوريا، والذي لا يزعج ترامب بقدر ما يضايق نتانياهو. تبقى أنظار الجميع مصوبة نحو الملف الإيراني الذي تتسابق في الدبلوماسية مع الضربة العسكرية.