الأونروا
الأونروا كانت محور جدل منذ أن اتهمت إسرائيل 12 من موظفيها بالضلوع في هجمات 7 أكتوبر | Source: AFP

بين مطرقة الأزمات وسندان الفقر، تعيش منى وشقيقتها في لبنان رحلة صراع مع الحياة، بعدما فقدتا والديهما الذين كانا سندهما، حيث رحلا تاركين إيّاهما وحيدتين تواجهان كلاجئتين فلسطينيتين قسوة العيش في بلد يعاني من أوضاع اقتصادية صعبة.

تعتمد الشقيقتان على وكالة الأونروا لتلقي الرعاية الطبية وجزء من التغطية الاستشفائية، وعندما انتشر خبر احتمال توقف خدمات هذه الوكالة الأممية، لا تعرفان ماذا سيحل بهما، وتقول منى "لا يمكننا الحصول على وظيفة آمنة في هذا البلد، ولا دخل يكفي لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتنا الأساسية، فكيف يمكننا علاج أنفسنا من الأمراض والآلام النفسية والجسدية".

لولا "الأونروا"، لكانت شقيقة منى ربما في عداد الأموات كما تقول، "حيث أصيبت بسرطان الثدي قبل سنوات، ولم يكن لديها القدرة المالية لتلقي العلاج، فكانت الخدمات التي تقدمها الوكالة الأممية كطوق نجاة لها من مرض لا يرحم".

وتضيف في حديث لموقع "الحرة" "شقيقتي ما زالت تعاني من مشاكل نفسية، وتتابع علاجها مع طبيبة تعمل في الوكالة الأممية، فالظروف الصعبة التي مررنا بها تركت آثاراً عميقة في نفسيتها، حيث كانت تعيش في حالة من الخوف الدائم، تتخيل أموراً لا وجود لها في الواقع، حوّلت حياتها وحياتي إلى جحيم، إلى أن بدأت رحلة علاجها، التي كان من المستحيل أن تلتحق بها لولا خدمات الأونروا المجانية".

ويعاني ابن شقيق منى من مرض السكر منذ طفولته، وهو يتابع علاجه في عيادة الوكالة بانتظام ويحصل على الأدوية اللازمة مجاناً، كما يحصل على مساعدة مالية بقيمة 30 دولار كل ثلاثة أشهر، وتقول "رغم أن المبلغ صغير، إلا أنه يساعد على تأمين بعض احتياجات عائلته، لا سيما وأنه عاطل عن العمل، ولولا مدارس الأونروا المجانية لكان طفله من دون تعليم، إذ لا يستطيع والده تحمل تكاليف أقساطه وكتبه".

لكن منذ فترة خففت الوكالة من خدماتها الاستشفائية، حيث اقتصرت الأمر كما تقول اللاجئة سهام على تغطية نسبة بسيطة من العمليات الاستشفائية الطارئة والمهددة للحياة، بعدما كانت تغطي في السابق تصل إلى ما نسبته 50 في المئة وما يزيد من كلفة العمليات، فمنذ أشهر وابني ينتظر موافقة الوكالة على خضوعه لعملية فتاق السرّة، وإلى حدّ الآن لم يحصل عليها.

وتضيف في حديث لموقع "الحرة" "لا ننسى أيضاً عيادة طب الأسنان التي تقدم خدماتها مجاناً، وإن كان الأمر يقتصر على خلع الأضراس من دون علاجها"، مشددة "الجميع يعلم أن العلاج سلعة باهظة الثمن في لبنان، لا يقدر عليها إلا الأغنياء، ومن لديه من يسانده بتحمّل تكاليفها".

كما تحصل سهام وأولادها على دعم نقدي فصلي من الوكالة، وهي تجمع ومنى على أن توقف خدمات الأونروا سيكون "بمثابة دمار شامل للعائلات اللاجئة الفقيرة، حيث ستحرم من أبسط حقوقها الإنسانية، مما سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية الصعبة التي تعاني منها".

وعلّقت 16 دولة تمويلها لـ" الأونروا"، الذي يبلغ إجماليه 450 مليون دولار أي ما يعادل أكثر من نصف الدخل المتوقع لعام 2024، وفق ما قاله المفوض العام لوكالة "الأونروا"، فيليب لازاريني، والذي حذّر مؤخراً من أن أنشطة الوكالة في جميع أنحاء المنطقة "ستكون معرضة لخطر كبير ابتداء من شهر مارس".

وكانت الوكالة محور جدل منذ أن اتهمت إسرائيل 12 من موظفيها بالضلوع في هجمات 7 أكتوبر الذي نفذتها حركة حماس على إسرائيل، فأنهت على الفور عقود الموظفين المتهمين، وبدأت تحقيقا داخلياً، وتم تكليف مجموعة مستقلة بمهمة تقييم الأونروا و"حيادها" السياسي.

ويقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إغلاق هذه الوكالة الأممية، وهي أحد بنود خطته لـ"اليوم التالي" لقطاع غزة بمجرد انتهاء الحرب. وكررت إسرائيل خلال الفترة الماضية اتهاماتها للوكالة الأممية بأنها تغطي على أعمال حماس، ودعت لاستبدالها بمنظمات إغاثة دولية أخرى.

تطرف وزعزعة للاستقرار

في رسالة وجهها إلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذّر المفوض العام لوكالة "الأونروا"، من أن الوكالة وصلت إلى "نقطة الانهيار"، وقال في تصريحات أخرى إنه "اعتباراً من مارس ستتجاوز النفقات الدخل. وبدون مانحين جدد، ستضطر الأونروا إلى وقف عملياتها في أبريل".

وكانت الأمم المتحدة قد أكدت في وقت سابق من هذا الشهر على أن عمليات "الأونروا" قد تتوقف الشهر المقبل إذا استمر تعليق تمويلها من عدد من الدول المانحة. لا يحيق هذا الخطر بقطاع غزة فقط، ولكن أيضا بالمناطق الأربع الأخرى التي تعمل فيها الأونروا وهي الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) والأردن وسوريا ولبنان. 

إن قرارات تعليق التمويل للأونروا من قبل 16 دولة مانحة في حال لم يتم التراجع عنها، تهدد كما يقول مدير مكتب الاعلام في الأونروا، فادي الطيار "عملنا الإنساني المستمر في المنطقة بما في ذلك لبنان حيث يعتمد ما يقدر بنحو 250,000 من لاجئي فلسطين بشكل أساسي على خدمات الأونروا الأساسية".

أي هزة تصيب هذه الخدمات، سيكون لها كما يصف الطيار في حديث لموقع "الحرة" " ارتدادات صعبة وقاسية على مجتمع لاجئي فلسطين في لبنان، خاصة أن ما يقرب من 80% منهم هم تحت خط الفقر، ونصف اللاجئين يعيشون في مخيمات مكتظة ويعانون من ظروف صعبة لاسيما في ظل القيود المفروضة على حق العمل وحق التملك. هذه الأوضاع ازدادت سوءا في السنوات الأخيرة بفعل الأزمة الاقتصادية الحادة التي ما يزال يواجهها لبنان".

إن قرارات وقف التمويل للأونروا دون الرجوع عنها، سيعرض بحسب الطيار "مستقبل 40,000 طالب للخطر، وسيضع على المحك خدمات الرعاية الصحية الأولية التي نقدمها لـ 200 ألف مريض يزورون مراكزنا الصحية سنوياً وهذه تشمل الاستشارات الطبية وتطعيم الأطفال وخدمات الأمومة والحوامل، وتوفير الأدوية الاساسية وخدمات أخرى".

وسيكون على المحك أيضاً "التحاويل للمستشفيات التي تغطيها الأونروا بنسب متفاوتة لحوالي 50000 مريض سنوياً. كما تقدم الأونروا خدمات الإغاثة والبنية التحتية والخدمات الصحية البيئية بما في ذلك ازالة النفايات وتوفير المياه وصيانة أنظمة الصرف الصحي. كما تقدم الأونروا المساعدة النقدية إلى 65٪ من لاجئي فلسطين في لبنان مع التركيز على أولئك الذين لا يستطيعون العمل: كالأطفال، كبار السن، المرضى المصابين بأمراض مزمنة وذوي الإعاقة".

باختصار كما يقول مدير الإعلام في الأونروا فإن "قرارات تعليق التمويل في حال لم يتم التراجع عنها تهدد بتفاقم المعاناة، وزيادة الفقر، والإحباط واليأس بين صفوف لاجئي فلسطين، وهناك مخاوف أن يقع بعضهم فريسة التطرف" ويشدد "التأثير الإنساني لذلك قد يكون جسيماً، ومن المحتمل أن تكون لذلك تداعيات على الاستقرار في لبنان، الذي يعاني أصلاً من أزمات صعبة، وعلى الاستقرار في المنطقة ككل".

تأثيرات مدمّرة

يعمل لدى الأونروا في لبنان حوالي 3500 موظف، هؤلاء الموظفون لا يعيلون عوائلهم فقط، بل يقدمون كما يقول الطيار "الدعم لعوائلهم الممتدة ويساهمون في الدورة الاقتصادية في المخيمات والبلد".

وتداعيات وقف خدمات الوكالة الأممية على المخيمات والمجتمعات اللاجئة الفلسطينية في لبنان، ستكون مدمّرة كما يرى أمين سر فصائل منظمة التحرير وحركة فتح في بيروت، العميد سمير أبو عفش، الذي يشير في حديث لموقع "الحرة" إلى "المصير المأساوي الذي ينتظر من يعتمد منهم بشكل على تقديمات الوكالة المباشرة بسبب وضعهم الإنساني".

كما يشير أبو عفش إلى "القرارات المجحفة التي أصدرتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة والتي تمنع الفلسطينيين من العمل في 72 مهنة، مما يزيد من اعتمادهم على خدمات هذه الوكالة".

ويطرح أبو عفش تساؤلات حول قدرة لبنان على تحمل مسؤولية تعليم 50 ألف طالب، وطبابة واستشفاء 240 ألف لاجئ فلسطيني، إضافة إلى توفير الخدمات الأساسية مثل المياه ورفع النفايات في المخيمات.

ويكشف عن اجتماع عقدته لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني لبحث احتمال توقف خدمات الوكالة الأممية وكيفية تدارك ذلك، بحضور مديرة الوكالة في لبنان دوروثي كلاوس، وممثلين عن 12 وزارة لبنانية، حيث تبين أنه "لا توجد خطة بديلة قابلة للتطبيق، فلا توجد أي جهة قادرة على القيام بدور هذه الوكالة في تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين".

وهو ما يؤكده الطيار بالقول " لا يوجد أي خطة بديلة ونحن نتواصل مع الجهات المانحة آملين أن يعيدوا النظر في قراراتهم وأن يدخل متبرعون آخرون لدعم خدماتنا التي هي أشبه بالخدمات الحكومية، كما لا يوجد أي جهة أخرى لديها القدرة والخبرة على توفير مثل هذه الخدمات والتدخلات للاجئي فلسطين في لبنان".

لذلك كله، يقول أبو عفش "يتوجب علينا وعلى الجانب اللبناني مضافرة الجهود للضغط لكي تستمر خدمات الأونروا في لبنان وعدم وقف إمداداتها، لأنها مصلحة مشتركة لبنانية وفلسطينية لضمان الاستقرار والأمن".

وأمس الأربعاء، زارت لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين النيابية برئاسة النائب الدكتور فادي علامة، مخيم عين الحلوة، برفقة كلاوس ومدير مكتب لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني عبد الناصر الآيي.

وشدد علامة خلال الزيارة "على أهمية استمرار عمليات الأونروا في لبنان كمسألة تصب في المصلحة الوطنية ودعماً للاحتياجات الإنسانية للاجئي فلسطين، وتحدث عن الدعم الذي ستقوم به اللجنة في هذا المجال في إطار جهود المناصرة المستمرة"، كما جاء في بيان للوكالة الأممية.

وشكرت كلاوس، اللجنة على دعمها، خاصة "خلال هذه الفترة العصيبة، واقرارها بدور الأونروا الذي لا يمكن الاستغناء عنه في لبنان خدمة للاجئي فلسطين".

لبنانيون عاشوا لحظات رعب أثناء الهجوم الإيراني
لبنانيون عاشوا لحظات رعب أثناء الهجوم الإيراني

يعيش اللبنانيون حالة من الترقب والقلق من تداعيات الضربة الإيرانية على إسرائيل، وسط احتمالية تورّط بلدهم في الصراع الجديد والذي لم يغب كلياً عن مشهده، حيث مرّت الصواريخ والمسيرات فوق أراضيه ودوت أصوات الانفجارات في أجواء مختلفة من مناطقه، نتيجة اعتراضها بالدفاعات الجوية من دول مجاورة.

ولا تزال انعكاسات تبدّل "قواعد الاشتباك" بين إيران وإسرائيل من الحرب بالواسطة إلى المواجهة المباشرة، ضبابية، لاسيما فيما يتعلق بدور حزب الله في حلقة النار الجديدة بعدما جرى تحيّده عن الجولة الأولى، ورمي طهران الكرة في ملعب إسرائيل، لكن تبقى الخشية من أن يتحول لبنان إلى الملعب الرئيسي للمواجهة.

وما أن أعلن عن الضربة الإيرانية حتى اتخذ وزير الأشغال والنقل اللبناني، علي حمية، قرار إغلاق الأجواء اللبنانية أمام جميع الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة لها، وذلك بشكل مؤقت واحترازي، كما سارع لبنانيون إلى التزود بالوقود، خوفا من توسّع الحرب.

وعقب تنفيذ طهران وعيدها بالردّ على استهداف مبنى قنصليتها في سوريا، دعا رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، إلى جلسة طارئة قبل أن يعدّلها إلى جلسة تشاورية، وأشارت وزارة الخارجية اللبنانية إلى أنها تتابع "بقلق شديد الأحداث والتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، بعد أن وصلت المنطقة برمتها إلى حافة الهاوية".

ودعت الوزارة في بيان إلى "وقف التصعيد والتهديد بشن الحرب والأعمال العسكرية الانتقامية بأشكالها كافة، والعودة إلى احترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، الرادع الوحيد لتجنب تبعات انفجار الشرق الأوسط برمته".

خطوات استباقية

عاش وسيم وعائلته ساعات من الرعب بعد توجيه إيران لمسيراتها وصواريخها نحو إسرائيل، وجلسوا جميعا أمام التلفاز، يترقبون ما ستؤول إليه الأمور، ويقول: "سارعت زوجتي إلى تجهيز حقيبة وضعت فيها ملابسنا وأوراقنا الثبوتية وما نملكه من مال استعداداً للمجهول القادم، قبل أن تنضم إلينا في متابعة الأحداث حتى الفجر".

ويضيف في حديث مع موقع "الحرة" أنه "كلبنانيين لم نعش في أمان وهدوء منذ سنوات، دائماً لدينا خوف من حدوث تفجير أو انفلات أمني، إلا أن هذا النوع من الحروب الإقليمية وإمكانية انزلاق لبنان فيها، لم نختبره بعد".

وفقا لوسيم، لبنان ليس في وضع يمكّنه من تحمل تبعات حرب واسعة، ويشرح: "نمر في أزمة متعددة الأبعاد، اقتصادية واجتماعية وأمنية تتفاقم بشكل يومي، والآن نتخوف من تدهور الوضع بشكل دراماتيكي، نفكر أين سنتهجر، فنحن نسكن في بيروت على مقربة من الضاحية الجنوبية، وقد سبق أن هدد مسؤولون إسرائيليون بأنها ليست بمنأى عن الضربات فيما لو توسعت الحرب".

ويشدد: "كما معظم اللبنانيين، أعاني من وضع مالي صعب. لا أملك المال الكافي لاستئجار منزل بعيد عن معاقل حزب الله، أو لتأمين مؤنة لمدة طويلة، فأنا موظف براتب بسيط تآكلت قيمته نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار".

ويتابع، الوالد لطفلين، التطورات على مدار الساعة عبر هاتفه، وهو يخشى من الرد الإسرائيلي على الهجوم الإيراني، يبحث مع شقيقيه عن منزل صغير للإيجار في الجبل استعداداً واستباقاً لما سيؤول إليه الوضع، ويقول "لن أغامر في انتظار دخول لبنان في حرب شاملة إذا ما ارتأت إيران ذلك، سأتجهز لها آملاً عدم اندلاعها".

ويُلاحظ أن كل ردود فعل وتفاعلات إيران في المنطقة، إن كان فيما يتعلق بحرب غزة أو استهداف قنصليتها في دمشق، "وكأنها تخدم مصالح إسرائيل" وفقاً لما يقوله المحلل العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد يعرب صخر، "فقبل الرد الهزلي أو المسرحي الذي لم ينفع إيران ولم يضر إسرائيل، كانت إسرائيل تواجه موقفا دولياً ورأياً عاماً عالمياً ممتعضاً من العنف المفرط الذي تمارسه في غزة، وضغطاً أميركياً لعدم توسيع الجبهات وفتح معركة رفح، وبدأت دول مثل إسبانيا، على سبيل المثال، تتجه للاعتراف بدولة فلسطينية".

أما بعد الرد الإيراني، استعادت إسرائيل بحسب ما يقوله صخر لموقع "الحرة" "التعاطف العالمي والتأييد الدولي، شاهدنا كيف أن دولا مثل فرنسا وأميركا وبريطانيا، وقفت إلى جانبها على الفور، وأسقطت أكثر من 50 في المئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية، وما تبقى واجهته إسرائيل، ليفشل الهجوم الإيراني بنسبة 99 في المئة".

كما كشف الرد الإيراني "الهزيل" بحسب صخر، أن "طهران كانت تؤدي دوراً مرسوماً لها في المنطقة بإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار وسلب قرار الدول وشغل دول الطوق المحيطة، كما أظهر أن فلسطين بالنسبة لها ليست قضية بل للمتاجرة، وبأنها تريد أن تفرض نفسها مستغلة الانشغال الإسرائيلي في غزة والانهماك الأميركي في الانتخابات الوشيكة، لتتحول من عامل مساعد في نشر الفوضى إلى عامل منافس في التقرير على طاولة التفاوض في الشرق الأوسط، كما أظهر أنها هي التي أوهن من بيت العنكبوت وليس إسرائيل، حيث تبين مدى هشاشة قوتها على عكس ما كانت تعلن".

أصعب الخيارات

التوتر المتصاعد في المنطقة، يلقي بظلاله على ميادة وعائلتها، حيث تقول "يخيم شبح توسّع الحرب على أفكارنا وحياتنا، ومنذ الضربة الإيرانية، برز لدينا خيار السفر إلى بلد أوروبي كطوق نجاة مما يدور، لكن سرعان ما اصطدم هذا الخيار بالواقع، وهو أن ليس جميع أفراد العائلة يحملون تأشيرة شنغن".

خيار البقاء تحت رحمة الظروف المقلقة "صعب جدا" وتقول ميادة "نخشى أن يدّمر البلد فوق رؤوسنا كما حصل مع سكان غزة، فلا أحد كان ليتوقع أن يواجه أشخاص ما يواجهونه من موت ودمار ومجاعة. ومن دون تدمير بالكاد تستطيع مستشفيات لبنان تأمين العلاج لمرضاها فكيف إن اندلعت حرب شاملة، وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى".

وتضيف بحزن: "وكأنه لا يكفينا كل الأزمات التي نمر بها والخوف على حياتنا من الجرائم والسرقات وارتفاع الأسعار وانتشار الفقر والمعارك على حدودنا الجنوبية، حتى نترقب حرب شاملة في ظل سلطة عجزت على مدى خمس سنوات من وضع خطة لحل أزمات لبنان والتي كان لها اليد الطولى فيها".

وتشدد ميادة "يبقى خيار الهجرة هو المطروح بالنسبة لنا، وإن كان الابتعاد النهائي عن الوطن صعباً جداً، لكن اللجوء إلى بلد يؤّمن لنا عيش كريم أفضل من العيش في وطن على صفيح ساخن لا نعلم متى يحرقنا جميعاً إذا ما قرر حزب الله ذلك".

ورسم حزب الله هدفه في هذه الحرب بمساندة حماس في غزة، بحسب ما يقوله الخبير الإستراتيجي والعسكري، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، "ورسم قواعد الاشتباك وهي (بتوسعوا من وسّع)، والتي لم يتجاوزها سوى بضع مرات، تاركاً الأمر لإسرائيل، حيث يوسّع الحزب الأهداف إذا ما أقدمت إسرائيل هي على ذلك، كما حدث عندما قصفت بعلبك فوسّع الحزب ضرباته نحو الجولان".

واليوم نواجه خطراً حقيقياً، يقول ملاعب، لموقع "الحرة" "فعندما وصل الأمر إلى استهداف قادة إيرانيين في سوريا، وقصف القنصلية الإيرانية في دمشق أثناء عقد قادة إيرانيين اجتماعاً، واعتبار طهران أنها أرض إيرانية وما حصل يستوجب الرد، فإن هذا الرد دونه استراتيجية جديدة يمكن أن تتبعها إسرائيل تجاه إيران وهي تمتلك الإمكانيات لذلك، فلديها غواصتين من طراز الدولفين أمام الخليج العربي وطيران متفوق، ولكن بعد تصدي طائرات أميركية وبريطانية وفرنسية للصواريخ الإيرانية، أصبح القرار الإسرائيلي للدفاع بيد أكثر من جهة".

واحتمال توسيع إسرائيل لجبهة لبنان وارد، كما يشدد ملاعب "لا بل من المتوقع أن يكون الرد على كامل المحور، من لبنان إلى دير الزور في أقاصي سوريا".

بين الاستعداد والاستبعاد

تطورات الميدان لا تشي بالخير بحسب ما يرى، علي، لذلك قرر الانتقال من الضاحية الجنوبية لحين انجلاء كيفية مسار الأمور، ويقول "لم أفكر سابقاً باتخاذ هذا القرار رغم مرور عدة أشهر من المعارك الدائرة بين حزب الله وإسرائيل على الحدود، لكن دخول إيران المباشر في مواجهة هي الأولى من نوعها في المنطقة، دفعني إلى ذلك".

ولا يريد علي الهروب بسرعة، من دون أن يتمكّن من نقل أغراضه الثمينة وملابس والدته وشقيقته وحاجياتهم، ويقول لموقع "الحرة" "بالتأكيد سيسارع بعض مالكي الشقق الجشعين إلى رفع بدلات الإيجار كما في كل أزمة، غير آبهين بوضع أبناء وطنهم، لكن ليس أمامي خيار آخر، فوالدتي طاعنة بالسن لن أتركها حتى اللحظة الأخيرة للهرب تحت الصواريخ والنار".

ومن الاستعدادات التي يتخذها اللبنانيون لاحتمالية اندلاع حرب، التهافت على شراء المواد الغذائية وتخزينها، ويقول علي: "علينا التعامل مع الظروف المستجدة، لذلك قصدت السوبرماركت لشراء المعلبات والأرز والمعكرونة وغيرها، خوفاً من انقطاعها من الأسواق وتحسباً من ارتفاع أسعارها لاسيما بعد التأكيدات الإسرائيلية بالرد على الضربة الإيرانية".

ويبدي الشاب الثلاثيني استغرابه من استبعاد بعض أصدقائه وأقاربه امكانية توسّع الحرب، "لا بل منهم من يتحدثون بثقة بأن إسرائيل لا تريد الحرب مع إيران لا سيما بعد موجة الصواريخ التي أطلقتها مثبتة أنها لا تهاب الدخول في حرب مباشرة إذا ما استدعى الأمر ذلك".

وكان موقع "أكسيوس" الأميركي، قد ذكر الاثنين، نقلاً عن مسؤول أميركي ومصدر آخر مطلع، إن وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، أبلغ نظيره الأميركي، لويد أوستن، الأحد، أن "إسرائيل لا يمكنها السماح بإطلاق صواريخ بالستية على أراضيها دون رد"، حسبما قال المسؤول الأميركي والمصدر المطلع على المكالمة لموقع "أكسيوس".

وكشف مسؤول أميركي كبير للموقع، أن التقييم الأميركي هو أن إيران سترد على أي ضربة إسرائيلية كبيرة وعلنية على الأراضي الإيرانية بجولة جديدة من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار.

وخلال مكالمتهما الهاتفية الأخيرة، دعا الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إلى ضرورة للتفكير بعناية وبشكل استراتيجي بشأن خطر التصعيد الإقليمي نتيجة لأي انتقام إسرائيلي على الهجوم الإيراني، حسبما قال مسؤول أميركي كبير في مكالمة مع الصحفيين.

الأمور مهيأة الآن بحسب صخر "لاستغلال إسرائيل الوضع، خاصة مع تخفيف الضغط الأميركي عنها وتبدّل الرأي العام العالمي، لذلك ستبدأ بالتحرك، سواء في جنوب لبنان أو في سوريا أو في مناطق أخرى، لكن الساحة الأكثر إغراء هي جنوب لبنان، حيث يُعتبر حزب الله الذراع القوي والطويل لإيران، وإسرائيل ترغب في قطعه لتحقيق أهدافها، لاسيما بعد أن استطاعت السيطرة على غزة بنسبة 90 في المئة".