تطبيق غرايندر من أبرز تطبيقات التعارف الخاصة بأفراد مجتمع الميم
تطبيق غرايندر من أبرز تطبيقات التعارف الخاصة بأفراد مجتمع الميم

"دخلت إلى المخفر (مركز الشرطة) كمدعٍ  لكن سرعان ما أصبحت ملاحقا بتهمة المثلية"، هكذا يلخّص شاب مثلي الجنس اسمه طارق تجربته مع تطبيقات المواعدة في لبنان.

ويشدد طارق، الذي طلب عدم الكشف عن هويته الكاملة، على أن "الاعتقال والتوقيف ليس الخوف الوحيد، حيث أنه وقع ضحية جريمة احتيال وسرقة جرّاء تطبيق للمواعدة، ولم يتمكن من أخذ حقه".

وفي الحقيقة، أعادت واقعة استدراج السلطات القطرية لمثلي مكسيكي عبر إحدى تطبيقات المواعدة من أجل اعتقاله، تسليط الضوء على المخاطر التي ترتبط باستخدام تطبيقات المواعدة الخاصة بالمثليين في الدول العربية، خاصة في ظل تكرر حوادث مماثلة خلال السنوات القليلة الماضية.

وسبق أن حذرت منظمات حقوقية مختلفة من أن السلطات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، "تستهدف" أفراد مجتمع الميم عين، بناء على نشاطهم على منصات التواصل الاجتماعي أو تطبيقات المواعدة، فيما تحدث نشطاء عن انتهاكات أوسع ينطوي عليها استعمال هذه الفضاءات الرقمية.

ونشرت وسائل إعلام مكسيكية، وسط الأسبوع، تفاصيل اعتقال مانويل غيريرو، 44 عاما، مشيرة إلى أن الشرطة القطرية عمدت إلى استدراجه من خلال تطبيق "غرايندر" الخاص بالمواعدة بين المثليين، قبل أن تقوم باعتقاله وتلفق له تهمة حيازة المخدرات"، مشيرة إلى أن "احتجازه يتواصل في ظروف إنسانية صعبة". ولم ترد السلطات القطرية على طلبات موقع "الحرة" للتعليق.

انتقادات حقوقية تلاحق قطر بشأن تعاملها مع المثليين ـ صورة أرشيفية.
استدرجته السلطات القطرية عبر "تطبيق مواعدة".. والمكسيك تضغط لإطلاق مواطنها
كشفت تقارير إعلامية مكسيكية، أن السلطات القطرية تحتجز مواطنا مكسيكيا، بـ"سبب ميوله الجنسية المثلية وإصابته بفيروس نقص المناعة البشرية"، فيما تحدث ناشطون عن تعرضه "لإساءات نفسية وجسدية"، داعين إلى إطلاق سراحه.

وفي حادثة مماثلة، يكشف أحمد، شاب مثلي الجنس، رفض كشفَ اسمه كاملا، عن تعرضه لموقف مماثل، حيث استدرجته السلطات القطرية عبر التطبيق المذكور.

ويضيف أحمد في تصريح لموقع "الحرة"، أنه توجه إلى المنزل الذي اتفق على أن يلتقي مستخدما آخر تعرف عليه من خلال التطبيق، قبل أن يفاجأ بقوات الأمن في المكان.

ويشير أحمد الذي يحمل  جنسية إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، إلى أن الحادثة تعود إلى قبل أربع سنوات، رافضا الخوض في التفاصيل التي أعقبت إلقاء القبض عليه.

"تصيّد على الإنترنت"

والعام الماضي، كشف تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، أن عناصر تابعة للدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تستهدف أفراد مجتمع الميم، بناء على نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأوقعت قوات الأمن بأفراد مجتمع الميم على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة، وأخضعتهم للابتزاز والتحرش على الإنترنت، وكشفت هويتهم الجندرية وتوجههم الجنسي بدون موافقتهم، وفقا للتقرير.

وأكدت هيومن رايتس ووتش توثيق "20 حالة تصيّد على الإنترنت من قبل عناصر الأمن، في مصر، والعراق، والأردن ... و45 حالة اعتقال تعسفي شملت 40 شخصا من مجتمع الميم استُهدفوا عبر الإنترنت في الدول  المذكورة بالإضافة لتونس ولبنان".

في هذا السياق، يقول طارق بن عزيز، المتحدث باسم منظمة "ألوان" المعنية بحقوق المثليين في دول الخليج، إن مخاطر قانونية كثيرة ترتبط باستعمال تطبيقات المواعدة بين المثليين بالبلدان العربية، التي يعد فيها هذا النوع من العلاقات جريمة لها تبعات قانونية. 

ويعد تطبيق "غرايندر"، من أكثر تطبيقات التعارف الخاصة بأفراد مجتمع الميم انتشارا، غير أن منظمات حقوقية عديدة، أصدرت خلال السنوات الأخيرة، تحذيرات بشأن استعماله في الدول العربية، حيث يستعمل كأداة للإيقاع المحتمل بأعضاء مجتمع الميم، كما أن قوانين بعضها تجرم حتى التواصل بين الأشخاص على التطبيقات الخاصة بمجتمع الميم، وفقا لائتلاف "اتحاد" الذي يضم عددا من المنظمات العاملة في مجال مناصرة الأقليات الجنسية بالدول العربية.

بدوره، يقوم التطبيق بإعلام المستخدم في بلدان معينة بوجوب قراءة توجيهات السلامة والأمان عند كل استخدام، مقدما مجموعة من النصائح التي تهدف إلى إبقائه آمنا مثل عدم مشاركة المعلومات الشخصية أو مكان السكن والرقم الهاتفي. 

وقبل عام، أرسل تطبيق "غرايندر"، تحذيرا إلى جميع مستخدميه في مصر بعد ورود تقارير عن اعتقال عشرات الأشخاص من مجتمع "ميم عين" في البلاد، وذلك بحسب ما نشره موقع "أن بي سي نيوز" الأميركي.

وقال التطبيق في نص رسالة التحذير: "لقد تم تنبيهنا إلى أن الشرطة المصرية تقوم بحملات اعتقالات للمثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيا على المنصات الرقمية"، مضيفا "هم يستخدمون حسابات مزيفة، واستولوا أيضا على حسابات من أفراد مجتمع الميم عين لحقيقيين الذين تم اعتقالهم بالفعل ومصادرة هواتفهم".

ولم تعلق السلطات المصرية على هذه التحذيرات آنذاك. 

 منسق التواصل في منظمة "حلم" اللبنانية، التي تعنى بحقوق مجتمع الميم، ضومط قزي، يؤكد أن استعمال تطبيقات المواعدة لأفراد مجتمع الميم يبقى "غير آمن" بالدول العربية، حيث لا توجد قوانين لضبط هذه التطبيقات أو الانتهاكات التي قد تتم عبرها.

ويوضح قزي في تصريح لموقع الحرة، أن التضييق المفروض على الحريات الجنسية في قوانين دول المنطقة، يعقد من إمكانية متابعة المجرمين الذين يستخدمون هذه التطبيقات، وحماية الضحايا.

كما أن العديد من الدول العربية بينها الأردن لبنان والإمارات وباقي دول مجلس التعاون الخليجي، تحظر تطبيقات المواعدة الخاصة بالمثليين، بحيث لا يستطيع المستخدم الدخول إليها إلا عبر تطبيقات تغيير الموقع، التي تعتبر مجرّمة ومحظورة الاستخدام في دول معينة. 

وأواخر العام الماضي، وثق تقرير آخر لهيومن رايتس ووتش، الآثار العميقة في الحياة الواقعية التي تنتج عن استهداف مجتمع الميم-عين على الإنترنت في الأردن، منها التصيد، والابتزاز والمضايقة، والاعتماد في المحاكمات على معلومات رقمية حصلت عليها بطرق غير مشروعة استنادا إلى تفتيش تعسفي للهواتف. 

وأشارت في تقريرها إلى قضية الحُكم على مثلي أردني، بالسجن ستة أشهر في 2021 بسبب مادة في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2015 تعاقب "من استخدم الشبكة المعلوماتية... للترويج للدعارة"، بعد لجوئه إلى السلطات للحماية بسبب تعرضه للابتزاز على الإنترنت، وفقا لهيومن رايتس ووتش.

"تحرش وابتزاز وسرقة"

ولا ترتبط المخاطر المرتبط باستعمال هذه التطبيقات باستهداف السلطات فحسب، بل يمكن أن تنجم أيضا من أشخاص آخرين يستعملونها لاستدراج ضحاياهم لأغراض الانتقام أو السرقة أو الابتزاز.

وفي المغرب، سبق أن أثارت حملة مضايقات طالت رجالا يُفترض أنهم مثليون ومزدوجو التوجه الجنسي موجة جدلا واسع.

وبدأ عدد كبير من الأشخاص في استخدام تطبيقات مواعدة المثليين منذ منتصف أبريل 2020 لكشف هوية مستخدمين آخرين للتطبيق، وعمدوا بعدها إلى نشر صورهم على وسائل التواصل الاجتماعي، مع تعليق على الصور بالشتائم والتهديدات ضد الرجال بناء على توجههم الجنسي المُفترض.

وقال نشطاء مغاربة من مجتمع الميم، آنذاك، إن حملة "الفضح" أدت ببعض العائلات إلى طرد أشخاص من منازلها. كما تسببت بالذعر بين الأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية خصوصيتهم بسبب الوصم الاجتماعي تجاه المثلية الجنسية والحظر القانوني على العلاقات الجنسية المثلية.

في هذا الجانب، يؤكد بن عزيز أن استعمال هذه التطبيقات بالدول العربية ينطوي، على مخاطر عديدة، مشيرا إلى حالات تحرش واعتداء جنسي واغتصاب، راح ضحيتها مستعملون لهذه التطبيقات من طرف مستخدمين آخرين.

ويضيف أن بعض المستعملين، كانوا ضحية للسرقة والتصوير والابتزاز، غير أنه يتفادى التوجه للشرطة لأنهم يشعرون بالخوف من توريطهم في قضية هم في غنى عنها، لأنهم حسب قوانين الدول العربية هم مجرمون بسبب هويتهم الجنسي.

وبالعودة إلى طارق، فقد أوضح لموقع "الحرة"، أنه "منذ حوالى السنتين، اتفق مع أحدهم عبر تطبيق للمواعدة، للقاء في كورنيش بيروت البحري، وعند وصوله إلى المكان المتفق عليه، تم نشل هاتفه المحمول، ما دفعه للذهاب إلى فصيلة الرملة البيضاء في بيروت".

وأضاف طارق لموقع "الحرة": "بعد إعلامهم بالواقعة، تم تحويلي إلى مخفر حبيش في محلة الحمراء مع أن محل وقوع الجرم كان مختلفا، وعند الاستفسار قيل لي إن هذا هو المكان المناسب لمن يمارس الدعارة والشذوذ والمخدرات".

وتابع: "عند بدء التحقيق تبين لي أنني ملاحق بتهمة المثلية الجنسية بعدما كنت مدعيا بجريمة سرقة تعرضت لها، إلا أنه بعد أسابيع تم إخلاء سبيلي بقرار من قاضي التحقيق، ولم يصدر بعد حكما نهائيا بحقي بسبب الإضرابات وبطء الإجراءات القضائية في لبنان". 

ويسجل ازدواجية في تعامل القانون اللبناني مع القضايا المتعلقة بالمثلية الجنسية، حيث يركن إلى المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني من أجل ملاحقة المثليين/ات والعابرين/ات، والتي تنص على أن "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة".

في حين سجل سوابق عدة لقضاة لبنانيين عمدوا إلى نفي اشتمال هذه المادة على المثليين جنسيا، اعتمادا على كون كلمة "خلاف الطبيعة" فضفاضة فيما "لم يحدد القانون مفهوم معيّن للطبيعة أو معيار يجري على أساسه تحديد مدى تطابق أو مخالفة الفعل للطبيعة ولقوانينها، وأن مفهوم الطبيعة يتبدّل بحسب المنظار المتخذ لتفسيره، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الإنسانية الخاضعة لتطوّر المفاهيم والأعراف والمعتقدات"، وفق نصوص الاجتهادات القانونية للقضاة في تلك القضايا.

 

بدوره، يؤكد قزي إلى أن منصة "حلم"، تتلقى عشرات التبليغات عن حالات ابتزاز بشكل أسبوعي أو يومي، لضحايا سرقة تم استدراجهم نحو موعد".

ويوضح أن المنصات "مساحة نشطة للمبتزين الذين يستهدفون أفراد مجتمع الميم، لأنهم يعرفون أنهم أسهل فئة يمكن ابتزازها في ظل الرفض المجتمعي".

ويشير إلى أن "أي تسريب من شأنه أن يكشف هويتهم الجنسية أو أي شيء يعود لخصوصيتهم، يمكن أن يسبب لهم عزلة اجتماعية أو حتى القتل والاضطهاد".

ويضيف المتحدث أنه، فيما يبقى الابتزاز أو السرقة أو غيرهما مجرما قانونيا بدول المنطقة، إلا أنها تجرم أيضا المثلية الجنسية، بالتالي يفكر الشخص ضحية أي من هذه السلوكات ألف مرة قبل التوجه نحو الشرطة لتقديم شكوى، خوفا من كشف هويته الجنسية بل وإمكانية اعتقاله.

من جهته، يدعو الناشط الحقوقي، بن عزيز، "مستخدمي هذه التطبيقات لتوخي أعلى مستويات الحذر، والأفضل تجنبها لأنهم غير محميين ولا يمكن ضمان صدق الطرف الآخر وسلميته"، مضيفا أنه في ظل موجة محاربة المثلية وتغذية الكراهية ضد المثليين التي تشهدها الدول العربية، تبقى سلامة المثليين والعابرين جنسيا، "مهددة على جميع الأصعدة".

لبنانيون عاشوا لحظات رعب أثناء الهجوم الإيراني
لبنانيون عاشوا لحظات رعب أثناء الهجوم الإيراني

يعيش اللبنانيون حالة من الترقب والقلق من تداعيات الضربة الإيرانية على إسرائيل، وسط احتمالية تورّط بلدهم في الصراع الجديد والذي لم يغب كلياً عن مشهده، حيث مرّت الصواريخ والمسيرات فوق أراضيه ودوت أصوات الانفجارات في أجواء مختلفة من مناطقه، نتيجة اعتراضها بالدفاعات الجوية من دول مجاورة.

ولا تزال انعكاسات تبدّل "قواعد الاشتباك" بين إيران وإسرائيل من الحرب بالواسطة إلى المواجهة المباشرة، ضبابية، لاسيما فيما يتعلق بدور حزب الله في حلقة النار الجديدة بعدما جرى تحيّده عن الجولة الأولى، ورمي طهران الكرة في ملعب إسرائيل، لكن تبقى الخشية من أن يتحول لبنان إلى الملعب الرئيسي للمواجهة.

وما أن أعلن عن الضربة الإيرانية حتى اتخذ وزير الأشغال والنقل اللبناني، علي حمية، قرار إغلاق الأجواء اللبنانية أمام جميع الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة لها، وذلك بشكل مؤقت واحترازي، كما سارع لبنانيون إلى التزود بالوقود، خوفا من توسّع الحرب.

وعقب تنفيذ طهران وعيدها بالردّ على استهداف مبنى قنصليتها في سوريا، دعا رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، نجيب ميقاتي، إلى جلسة طارئة قبل أن يعدّلها إلى جلسة تشاورية، وأشارت وزارة الخارجية اللبنانية إلى أنها تتابع "بقلق شديد الأحداث والتطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، بعد أن وصلت المنطقة برمتها إلى حافة الهاوية".

ودعت الوزارة في بيان إلى "وقف التصعيد والتهديد بشن الحرب والأعمال العسكرية الانتقامية بأشكالها كافة، والعودة إلى احترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، الرادع الوحيد لتجنب تبعات انفجار الشرق الأوسط برمته".

خطوات استباقية

عاش وسيم وعائلته ساعات من الرعب بعد توجيه إيران لمسيراتها وصواريخها نحو إسرائيل، وجلسوا جميعا أمام التلفاز، يترقبون ما ستؤول إليه الأمور، ويقول: "سارعت زوجتي إلى تجهيز حقيبة وضعت فيها ملابسنا وأوراقنا الثبوتية وما نملكه من مال استعداداً للمجهول القادم، قبل أن تنضم إلينا في متابعة الأحداث حتى الفجر".

ويضيف في حديث مع موقع "الحرة" أنه "كلبنانيين لم نعش في أمان وهدوء منذ سنوات، دائماً لدينا خوف من حدوث تفجير أو انفلات أمني، إلا أن هذا النوع من الحروب الإقليمية وإمكانية انزلاق لبنان فيها، لم نختبره بعد".

وفقا لوسيم، لبنان ليس في وضع يمكّنه من تحمل تبعات حرب واسعة، ويشرح: "نمر في أزمة متعددة الأبعاد، اقتصادية واجتماعية وأمنية تتفاقم بشكل يومي، والآن نتخوف من تدهور الوضع بشكل دراماتيكي، نفكر أين سنتهجر، فنحن نسكن في بيروت على مقربة من الضاحية الجنوبية، وقد سبق أن هدد مسؤولون إسرائيليون بأنها ليست بمنأى عن الضربات فيما لو توسعت الحرب".

ويشدد: "كما معظم اللبنانيين، أعاني من وضع مالي صعب. لا أملك المال الكافي لاستئجار منزل بعيد عن معاقل حزب الله، أو لتأمين مؤنة لمدة طويلة، فأنا موظف براتب بسيط تآكلت قيمته نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار".

ويتابع، الوالد لطفلين، التطورات على مدار الساعة عبر هاتفه، وهو يخشى من الرد الإسرائيلي على الهجوم الإيراني، يبحث مع شقيقيه عن منزل صغير للإيجار في الجبل استعداداً واستباقاً لما سيؤول إليه الوضع، ويقول "لن أغامر في انتظار دخول لبنان في حرب شاملة إذا ما ارتأت إيران ذلك، سأتجهز لها آملاً عدم اندلاعها".

ويُلاحظ أن كل ردود فعل وتفاعلات إيران في المنطقة، إن كان فيما يتعلق بحرب غزة أو استهداف قنصليتها في دمشق، "وكأنها تخدم مصالح إسرائيل" وفقاً لما يقوله المحلل العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد يعرب صخر، "فقبل الرد الهزلي أو المسرحي الذي لم ينفع إيران ولم يضر إسرائيل، كانت إسرائيل تواجه موقفا دولياً ورأياً عاماً عالمياً ممتعضاً من العنف المفرط الذي تمارسه في غزة، وضغطاً أميركياً لعدم توسيع الجبهات وفتح معركة رفح، وبدأت دول مثل إسبانيا، على سبيل المثال، تتجه للاعتراف بدولة فلسطينية".

أما بعد الرد الإيراني، استعادت إسرائيل بحسب ما يقوله صخر لموقع "الحرة" "التعاطف العالمي والتأييد الدولي، شاهدنا كيف أن دولا مثل فرنسا وأميركا وبريطانيا، وقفت إلى جانبها على الفور، وأسقطت أكثر من 50 في المئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية، وما تبقى واجهته إسرائيل، ليفشل الهجوم الإيراني بنسبة 99 في المئة".

كما كشف الرد الإيراني "الهزيل" بحسب صخر، أن "طهران كانت تؤدي دوراً مرسوماً لها في المنطقة بإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار وسلب قرار الدول وشغل دول الطوق المحيطة، كما أظهر أن فلسطين بالنسبة لها ليست قضية بل للمتاجرة، وبأنها تريد أن تفرض نفسها مستغلة الانشغال الإسرائيلي في غزة والانهماك الأميركي في الانتخابات الوشيكة، لتتحول من عامل مساعد في نشر الفوضى إلى عامل منافس في التقرير على طاولة التفاوض في الشرق الأوسط، كما أظهر أنها هي التي أوهن من بيت العنكبوت وليس إسرائيل، حيث تبين مدى هشاشة قوتها على عكس ما كانت تعلن".

أصعب الخيارات

التوتر المتصاعد في المنطقة، يلقي بظلاله على ميادة وعائلتها، حيث تقول "يخيم شبح توسّع الحرب على أفكارنا وحياتنا، ومنذ الضربة الإيرانية، برز لدينا خيار السفر إلى بلد أوروبي كطوق نجاة مما يدور، لكن سرعان ما اصطدم هذا الخيار بالواقع، وهو أن ليس جميع أفراد العائلة يحملون تأشيرة شنغن".

خيار البقاء تحت رحمة الظروف المقلقة "صعب جدا" وتقول ميادة "نخشى أن يدّمر البلد فوق رؤوسنا كما حصل مع سكان غزة، فلا أحد كان ليتوقع أن يواجه أشخاص ما يواجهونه من موت ودمار ومجاعة. ومن دون تدمير بالكاد تستطيع مستشفيات لبنان تأمين العلاج لمرضاها فكيف إن اندلعت حرب شاملة، وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى".

وتضيف بحزن: "وكأنه لا يكفينا كل الأزمات التي نمر بها والخوف على حياتنا من الجرائم والسرقات وارتفاع الأسعار وانتشار الفقر والمعارك على حدودنا الجنوبية، حتى نترقب حرب شاملة في ظل سلطة عجزت على مدى خمس سنوات من وضع خطة لحل أزمات لبنان والتي كان لها اليد الطولى فيها".

وتشدد ميادة "يبقى خيار الهجرة هو المطروح بالنسبة لنا، وإن كان الابتعاد النهائي عن الوطن صعباً جداً، لكن اللجوء إلى بلد يؤّمن لنا عيش كريم أفضل من العيش في وطن على صفيح ساخن لا نعلم متى يحرقنا جميعاً إذا ما قرر حزب الله ذلك".

ورسم حزب الله هدفه في هذه الحرب بمساندة حماس في غزة، بحسب ما يقوله الخبير الإستراتيجي والعسكري، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، "ورسم قواعد الاشتباك وهي (بتوسعوا من وسّع)، والتي لم يتجاوزها سوى بضع مرات، تاركاً الأمر لإسرائيل، حيث يوسّع الحزب الأهداف إذا ما أقدمت إسرائيل هي على ذلك، كما حدث عندما قصفت بعلبك فوسّع الحزب ضرباته نحو الجولان".

واليوم نواجه خطراً حقيقياً، يقول ملاعب، لموقع "الحرة" "فعندما وصل الأمر إلى استهداف قادة إيرانيين في سوريا، وقصف القنصلية الإيرانية في دمشق أثناء عقد قادة إيرانيين اجتماعاً، واعتبار طهران أنها أرض إيرانية وما حصل يستوجب الرد، فإن هذا الرد دونه استراتيجية جديدة يمكن أن تتبعها إسرائيل تجاه إيران وهي تمتلك الإمكانيات لذلك، فلديها غواصتين من طراز الدولفين أمام الخليج العربي وطيران متفوق، ولكن بعد تصدي طائرات أميركية وبريطانية وفرنسية للصواريخ الإيرانية، أصبح القرار الإسرائيلي للدفاع بيد أكثر من جهة".

واحتمال توسيع إسرائيل لجبهة لبنان وارد، كما يشدد ملاعب "لا بل من المتوقع أن يكون الرد على كامل المحور، من لبنان إلى دير الزور في أقاصي سوريا".

بين الاستعداد والاستبعاد

تطورات الميدان لا تشي بالخير بحسب ما يرى، علي، لذلك قرر الانتقال من الضاحية الجنوبية لحين انجلاء كيفية مسار الأمور، ويقول "لم أفكر سابقاً باتخاذ هذا القرار رغم مرور عدة أشهر من المعارك الدائرة بين حزب الله وإسرائيل على الحدود، لكن دخول إيران المباشر في مواجهة هي الأولى من نوعها في المنطقة، دفعني إلى ذلك".

ولا يريد علي الهروب بسرعة، من دون أن يتمكّن من نقل أغراضه الثمينة وملابس والدته وشقيقته وحاجياتهم، ويقول لموقع "الحرة" "بالتأكيد سيسارع بعض مالكي الشقق الجشعين إلى رفع بدلات الإيجار كما في كل أزمة، غير آبهين بوضع أبناء وطنهم، لكن ليس أمامي خيار آخر، فوالدتي طاعنة بالسن لن أتركها حتى اللحظة الأخيرة للهرب تحت الصواريخ والنار".

ومن الاستعدادات التي يتخذها اللبنانيون لاحتمالية اندلاع حرب، التهافت على شراء المواد الغذائية وتخزينها، ويقول علي: "علينا التعامل مع الظروف المستجدة، لذلك قصدت السوبرماركت لشراء المعلبات والأرز والمعكرونة وغيرها، خوفاً من انقطاعها من الأسواق وتحسباً من ارتفاع أسعارها لاسيما بعد التأكيدات الإسرائيلية بالرد على الضربة الإيرانية".

ويبدي الشاب الثلاثيني استغرابه من استبعاد بعض أصدقائه وأقاربه امكانية توسّع الحرب، "لا بل منهم من يتحدثون بثقة بأن إسرائيل لا تريد الحرب مع إيران لا سيما بعد موجة الصواريخ التي أطلقتها مثبتة أنها لا تهاب الدخول في حرب مباشرة إذا ما استدعى الأمر ذلك".

وكان موقع "أكسيوس" الأميركي، قد ذكر الاثنين، نقلاً عن مسؤول أميركي ومصدر آخر مطلع، إن وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، أبلغ نظيره الأميركي، لويد أوستن، الأحد، أن "إسرائيل لا يمكنها السماح بإطلاق صواريخ بالستية على أراضيها دون رد"، حسبما قال المسؤول الأميركي والمصدر المطلع على المكالمة لموقع "أكسيوس".

وكشف مسؤول أميركي كبير للموقع، أن التقييم الأميركي هو أن إيران سترد على أي ضربة إسرائيلية كبيرة وعلنية على الأراضي الإيرانية بجولة جديدة من الهجمات الصاروخية والطائرات بدون طيار.

وخلال مكالمتهما الهاتفية الأخيرة، دعا الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، إلى ضرورة للتفكير بعناية وبشكل استراتيجي بشأن خطر التصعيد الإقليمي نتيجة لأي انتقام إسرائيلي على الهجوم الإيراني، حسبما قال مسؤول أميركي كبير في مكالمة مع الصحفيين.

الأمور مهيأة الآن بحسب صخر "لاستغلال إسرائيل الوضع، خاصة مع تخفيف الضغط الأميركي عنها وتبدّل الرأي العام العالمي، لذلك ستبدأ بالتحرك، سواء في جنوب لبنان أو في سوريا أو في مناطق أخرى، لكن الساحة الأكثر إغراء هي جنوب لبنان، حيث يُعتبر حزب الله الذراع القوي والطويل لإيران، وإسرائيل ترغب في قطعه لتحقيق أهدافها، لاسيما بعد أن استطاعت السيطرة على غزة بنسبة 90 في المئة".