لبرامج المقالب تداعيات نفسية واجتماعية
لبرامج المقالب تداعيات نفسية واجتماعية | Source: pexels.com

لبوة تهاجم سيدة وتكاد تفتك بها تحت أنظار الحضور، رجال ونساء يسقطون من ارتفاعات عالية ويتعرضون لإصابات وكدمات وكسور، تنمر على "شكل الجسم" وسخرية من "الملابس"، وفضح "أسرار الحياة الخاصة" للمشاركين، هكذا تجاوزت برامج "المقالب" كافة الخطوط الحمراء، وأصبحت لا تهدد سلامة الضيوف فقط لكنها تمس "سلامة المجتمع"، حسبما يوضح خبراء لموقع "الحرة".

مهانة وسادية من أجل "الربح"

والأحد، أشار الناقد الرياضي المصري، عبد الناصر زيدان، إلى إصابته بـ"كسر في الكتف" أثناء تصويره حلقة ببرنامج "رامز جاب من الآخر"، وتعرضه لـ"التجريح والتطاول"، وعزمه رفع دعوى قضائية بشأن ذلك.

وبالتزامن مع عرض الحلقة،كتب زيدان على حسابه بموقع "فيس بوك"، أنه أصيب خلال الحلقة بكسر مضاعف في الكتف، واضطر لاستكمال الحلقة رغم الإصابة، واستنكر ما ورده بمقدمة برنامج رامز جلال، ووصفها بـ" غير المحترمة ولا تليق .. وفيها تجريح وتطاول".

ويوضح استشاري الطب النفسي، الدكتور جمال فرويز، أن تلك البرامج "ليست كوميدية" لكنها "مواقف تهدف لاستثارة الإنسان وإخراج أسوأ ما فيه".

وتعريض الإنسان للخطر وترهيبه وإثارة الرعب لديه "ليس أمرا مضحكا"، وما يظهر في هذه البرامج هو "احتقارا مهانة وسادية وإهانة للناس وإذلالهم"، وفق حديث فرويز لموقع "الحرة".

ومن جانبه، يشير أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، إلى أن القنوات والمحطات التلفزيونية التي تعرض "برامج مقالب المشاهير"، هي محطات تجارية إعلانية يهمها جذب الإعلانات.

ويوضح أستاذ علم الاجتماع لموقع "الحرة"، أن تلك "البرامج الضاحكة"، تستقبل مشاهير يتفقون مقدما مع القائمين على العمل ويتلقون عائدا ماديا كبيرا ويوقعون موافقة كتابية مسبقة على العرض.

وتلك البرامج تهدف لـ" تسلية واضحاك الجمهور علي المشاهير"، ولذلك فإن الإصابات وردود أفعال المشاركين "تعطي مصداقية" للقائمين على العمل، وتجذب جمهور يرغب في التسلي ومشاهدة المشاهير في "أوضاع محرجة حتي ولو كانت مفتعلة"، وفق صادق.

إيذاء جسدي ونفسي وترهيب

وفي لقاء تليفزيوني، شنت الفنانة المصرية، سمية الخشاب، هجوما على الفنان رامز جلال، بسبب المشكلات الصحية التي تعرضت لها جراء مشاركتها ببرنامج المقالب "رامز جاب من الآخر".

وكشفت الفنانة المصرية أنها قامت برفع دعاوى قضائية بسبب ما تعرضها لإصابات بالغة خلال تصوير البرنامج.

وأكدت الخشاب أنها "اضطرت لدخول المستشفى في اليوم التالي من تصوير الحلقة، من أجل الاطمئنان على سلامتها الجسدية"، مضيفة أنها "فوجئت بدخول عدد من المشاركين إلى المستشفى كذلك".

وعند ذهابها للمستشفى أخبروها بأنها "ليست الحالة الأولى"، التي جاءت للعلاج بسبب البرنامج، وأن هناك ثلاث حالات بإصابات قد تم استقبالها خلال اليوم السابق، وكانت أقل إصابة هي "كدمات بالجسم".

وتعليقا على ذلك، توضح المحامية، دانا حمدان، أن التعرض للكسور أو الجروح والكدمات يعد "جريمة إيذاء"، ويمكن رفع دعوى قضائية جزائية.

ومدة التعطل عن العمل أو العلاج من الإصابة تحدد ما إذا كانت الدعوى "جناية أو جنحة"، وبالتالي يتم تحديد "العقوبة"، وفق حديثها لموقع "الحرة".

والسبت، نشرت الفنانة اللبنانية، دومينيك حوراني، السبت، مقطع فيديو لظهورها منذ سنوات، ببرنامج المقالب الذي اوقف عن النشر مع محمد الصيرفي، حيث هاجمتها " لبوة".

لحظة هجوم الاسد على دومينيك حوراني في برنامج المقالب الذي اوقف عن النشر مع #محمد الصيرفي . الاسد استشري وخرج عن السيطرة بسبب صريخ دومينيك بعد ان رمي مدرب الأسود عقرب كبير على شعرها . مقلب حقيقي لم يكن تركيب . والضيوف رفعوا قضايا على المذيع ا

Posted by Dominique Hourani on Friday, March 29, 2024

ورمي مدرب الأسود عقرب كبير على شعر الفنانة اللبنانية، ما دفعها للصراخ بصوت عالي، وهو ما تسبب في خروج "اللبوة" عن السيطرة ومهاجمة دومينيك.

وتشير حمدان إلى أن الترهيب، يدخل ضمن "الأضرار المعنوية"، ويمكن التعويض عنها ماليا عبر القضاء المدني وليس الجزائي.

في وجود عقد.. هل للضحية "حقوق قانونية"؟

أشارت سمية الخشاب وكذلك عبدالناصر زيدان، إلى كونهما سيتخذان الإجراءات القانونية تجاه برانامج رامز جلال، بينما يوجد "عقد" بين الجانبين، فماذا يقول القانون؟

وفي حال وجود عقد بين إدارة البرنامج والضيف الذي وقع ضحية المقلب، توضح حمدان أن "في مثل هذا النوع من العقود يكون هناك بنود تعفي من المسؤولية لكن الفقه والاجتهاد حدد هذا النوع من الإعفاء ولم يجعله شاملا".

وتضيف:" ما من أحد يستطيع أن يبرئ نفسه إبراء كليا أو جزئيا من نتائج أعماله المخالفة للقوانين أو أخطائه الفادحة بوضع بندا ينفي عنه المسؤولية أو يخفف من وطأتها، وكل بند يدرج لهذا الغرض هو باطل أصلا لأن ليس للإنسان أن ينفي عنه تبعة أعماله غير المباحة التي يأتيها قصدا".

أما إذا حصل الضرر عن "فعل غير قصدي" ناتج عن اهمال أو قلة احتراز أو عن خطأ غير قصدي، فوقتها بإمكان محدث الضرر أن يضع "بندا نافيا" لتبعته يعفيه من المسؤولية، وفق المحامية.

ويكون هذا البند مشروعا، لكن هذا الابراء ينحصر في الأضرار المادية لا في الأضرار التي تصيب حياة الانسان وسلامته الشخصية، بحسب حمدان.

كوارث نفسية ومجتمعية؟

يحذر الدكتور فرويز من أن المراهقين يقلدون تلك المقالب وخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي و"تيك توك"، وهو ما قد يتسبب في وقوع "كوارث".

وقد يقدم مراهق على إسقاط أحد الأشخاص في "حفرة أو مياه"، ثم يقوم بالتهكم عليه وتصويره، لحد المشاهدات، وسيكون مبررة وقتها "شاهدت ذلك في برنامج مقالب"، وفق استشاري الطب النفسي.

وقد يكون بعض الأشخاص الذين يتعرضون للمقالب "مصابون بأمراض مزمنة مثل الضغط أو السكري"، ووقتها قد يكون أحدهم عرضه للوفاة، حسبما يضيف فرويز.

ويوجه رسالة للقائمين على برامج "المقالب"، قائلا:" من سيقوم بتقليدك لن يختار الضيف أو يتفق معه مسبقا، وسيفعل ذلك بشخص عادي لا ذنب له سوى أنه ضحية لشخص أخر يهوى مشاهدة برامجك".

وفي سياق متصل، يشير صادق إلى أن برامج المقالب تشهد أحيانا " تجاوزات تحرج المشاركين وتثير انتقاد الجمهور".

ومن الممكن كذلك أن يقوم بعض الأشخاص بتقليد هذه المقالب ما قد يقود لمشاكل كبيرة، وفق أستاذ علم الاجتماع.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.