آثار الدمار بعد الضربة التي استهدفت قنصلية إيران في دمشق
آثار الدمار بعد الضربة التي استهدفت قنصلية إيران في دمشق

يضع الهجوم الذي استهدف القنصلية الإيرانية في دمشق، طهران في موقف صعب، حسب حديث خبراء لموقع "الحرة"، ويعطي مؤشرا على أن "قواعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل آخذة في التغير"، مما قد يؤسس لمرحلة جديدة على صعيد المواجهة.

منذ سنوات تشن إسرائيل ضربات على مواقع في سوريا، تركزت قبل السابع من أكتوبر 2023 على شحنات الأسلحة والصواريخ الإيرانية الدقيقة، القادمة عبر طرق البر والبحر والجو.

لكن وبعد الحرب في غزة، أخذت الهجمات مسارا تصعيديا، وصل إلى حد استهداف مستشارين وقادة إيرانيين داخل شققهم السكنية، واستهدافهم داخل موقع دبلوماسي، هو القنصلية الإيرانية بالعاصمة السورية، الإثنين.

الهجوم أسفر عن مقتل 7 قادة ومستشارين وفق وسائل إعلام إيرانية، أبرزهم العميد البارز بـ"الحرس الثوري"، محمد رضا زاهدي، والعميد محمد هادي حاج رحيمي، إضافة إلى حسين أمان اللهي، وآخرين.

ولم تقم إسرائيل بتبني الهجوم حتى الآن، في قاعدة عامة تتبعها منذ سنوات، فيما تخيم على المشهد مئات الهجمات التي نفذتها في سوريا، وضربت بها أهدافا عسكريا إيرانية وسورية.

لكنه لاقى استنكارا عبّرت عنه دول عربية وروسيا، شريكة إيران في دعم نظام الأسد.

وبدورها، هددت طهران على لسان رئيسها إبراهيم رئيسي بالقول، إن "الضربة لن تمر دون رد". واعتبر القائد في "الحرس الثوري"، العميد أحمد خادم أن "الرد سيكون ساحقا وغير مسبوق".

سفير إيران في دمشق، حسين أكبر، الذي نجا من الهجوم نفسه، أكد أيضا أن إيران "سترد بحزم"، وأشار إلى أن استهداف مبنى القنصلية نفذته "طائرات إسرائيلية" بستة صواريخ من اتجاه الجولان.

هل تغيّرت قواعد الاشتباك؟

يعتبر البعض في إيران هجوم القنصلية بمثابة "إعلان حرب من قبل إسرائيل على إيران"، كما يقول الباحث الأمني الإيراني، حميد رضا عزيزي.

ويضيف لموقع "الحرة"، أن الهجوم "يمثل تحولا عن المواجهة السابقة، حيث يضرب بشكل مباشر الأراضي الإيرانية المتمثلة في قنصليتها في سوريا، بدلا من استهداف ضباط في مواقع محددة".

رضا عزيزي، وهو زميل زائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، يعتبر أن الواقع يشير إلى أن "قواعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل آخذة في التغير".

ويوضح أن إسرائيل كانت في مراحل سابقة تمتنع عن استهداف ضباط "الحرس الثوري"، وتركز على الوكلاء فقط وشحنات الأسلحة.

لكن ومنذ حرب غزة، كان هناك بالفعل تحول لاستهداف القادة الإيرانيين رفيعي المستوى.

وتزعم بعض المصادر أن الهجوم جاء ردا على هجوم على سفينة إسرائيلية في الليلة السابقة، في ميناء إيلات، نسبته ميليشيات عراقية لنفسها، كما يشير الباحث الأمني.

ويعتقد عزيزي أن ما سبق يشير إلى "قاعدة جديدة للاشتباك من جانب إسرائيل، تقوم على فكرة: (الانتقام المباشر من إيران على أي هجمات يشنها وكلاؤها)".

ورغم أن إسرائيل لم تعلق، فإن المحلل المقيم فيها، يوآف شتيرن، يرى أن "استهداف قادة إيرانيين رفيعي المستوى بهذه الدقة والمكان والتوقيت الملائمين، يدل على قدرات عالية استخباراتيا وعملياتيا".

ولا يعتقد أن ما حصل يعد بمثابة "تمهيد لحرب واسعة النطاق"، بل يندرج في إطار "المناوشات القائمة".

ومع ذلك، يشير شتيرن لموقع "الحرة" إلى أن إسرائيل تحاول توجيه ضربات موجعة للتواجد الإيراني في سوريا، وبالتحديد ضد "العقول المدبرة لما يحدث في المنطقة ضد إسرائيل".

ويضيف أن الموقف الإسرائيلي هو "عدم القبول بما يحدث"، وأن "الرد وتصعيده جزء من الاستعداد في حالة الانتقال لحرب مفتوحة".

"4 مستويات"

ولم يسبق أن ردّت إيران بشكل مباشر على إسرائيل. وبعدما كانت الأخيرة تلتزم بذلك أيضا خرجت عن الخط، عصر الإثنين، باستهداف القنصلية في دمشق.

ومع ذلك، سبق أن أعلن "الحرس الثوري" الإيراني في يناير الماضي، قصف ما وصفها بـ"مراكز تجسس للموساد" في أربيل بصواريخ باليستية.

وقبل ضربة القنصلية.. نُسب لإسرائيل هجوم في منطقة المزة فيلات، أسفر عن مقتل 5 من قادة "الحرس الثوري"، وآخر في السيدة زينب قتل فيه القيادي البارز، رضي موسوي.

كما تعرضت مواقع عسكرية في حلب شمالي سوريا لقصف "إسرائيلي"، الجمعة، مما أسفر عن مقتل 32 عنصرا من ميليشيات تدعمها إيران، من بينها حزب الله اللبناني.

وما بين هذه الضربات، قتل أكثر من 5 قادة من الحرس الثوري بهجمات متفرقة، بين دمشق وريفها ومدينة حمص وسط البلاد.

وعلى خلاف الهجمات السابقة، يرى الباحث في الشؤون الإيرانية، محمود البازي، أن هجوم القنصلية كان "استثنائيا بكل المقاييس".

ويشرح حيثيات "4 مستويات" من قواعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل، موضحا كيف وصلت الأمور إلى حد ضرب موقع دبلوماسي بشكل مباشر.

قبل السابع من أكتوبر كانت إسرائيل تركز في استهدافها على قيادات وأفراد الوكلاء والمعدات والصواريخ، التي يتم تجهزيها في سوريا، سواء للاستخدام المحلي أو لنقلها إلى لبنان.

وفي هذه المرحلة، كما يقول البازي لموقع "الحرة"، كانت إسرائيل تتجنب استهداف الضباط والعناصر البشرية الإيرانية.

لكن بعد 7 أكتوبر "قرأت بعناية تامة" عدم رغبة ما يعرف بمحور المقاومة وإيران "بالانخراط بمواجهة مباشرة ومفتوحة، لذلك وسعت من عمليات الاغتيال في المواقع السورية التي يتواجد فيها الإيرانيون".

ويضيف أنها "استغلت هذا الوضع لتعميق الخسائر البشرية لإيران في سوريا وحزب الله في لبنان، في الوقت الذي تتلقى فيه ضربات غير ذات خسائر بشرية كبيرة من جبهة حزب الله في شمال إسرائيل".

"ضربة القنصلية وما بعدها"

الباحث يوضح أن "المستوى الثالث" من قواعد الاشتباك الذي اختبرته إسرائيل في هجومها على القنصلية، هو استهداف قادة رفيعي المستوى في موقع يعتبر أرضا إيرانية حسب القوانين الدولية.

ويشير إلى أنه "استهداف رمزي ويختبر بعناية قدرة إيران على التحمل، دون الانخراط في المواجهة المباشرة".

ولم تجرب إسرائيل حتى الآن المستوى الرابع من قواعد الاشتباك، وهو المستوى الأخير، كونها تعتقد، وفق البازي، بأن "اللجوء إليه يعني المواجهة الحتمية المفتوحة على جميع الجبهات وهو استهداف الأراضي الإيرانية".

ويعتبر الباحث الأمني عزيزي، أن "هجوم القنصلية ومقتل مسؤولين رفيعي المستوى مثل زاهدي، بمثابة رسالة لكل من إيران ونظام الأسد في سوريا".

مفاد الرسالة: "قدرة إسرائيل واستعدادها لتصعيد ردها على وجود القوات الإيرانية في سوريا"، وفق الباحث. 

ويرى عزيزي أن إيران باتت أمام "قرار حاسم في الرد"، وأن الفشل "قد يقلل بشكل كبير من مكانتها" بين ما يعرف بمحور المقاومة، ويعرض قواته وقادته لمزيد من الهجمات، مما قد يهدد أي رد فعل بتوسيع الصراع.

"التبرير لم يعد مجديا"

وفي طريقة تعاطيها مع الهجمات السابقة، كانت إيران تبرر جزئيا عدم الرد على الهجمات بحقيقة أن الأهداف كانت "سورية"، ولم يكن لدى دمشق أي نية للرد. 

لكن الآن "لم يعد التبرير مجديا"، حيث تم ضرب هدف إيراني بحت، كما يوضح الباحث الأمني عزيزي.

ويقول إنه "من الواضح أن إيران هذه المرة لا تستطيع استهداف أربيل وغيرها، وتدعي أنها قامت بالانتقام". 

ولذلك ومن أجل الحفاظ على مصداقيتها، "تشعر بالحاجة إلى رد مباشر. لكن كيف وأين سيكون هو السؤال الرئيسي؟"، على حد ما أشار إليه الباحث الأمني، متسائلا.
وباعتقاد البازي، فإن الرد عبر قصف إدلب أو أربيل، أو عبر الوكلاء، "لن يكون كافيا لاستعادة الردع المناسب أو إرضاء الأوساط السياسية والنخب الإيرانية".

ولهذا السبب يقول البازي إن "إيران ستبحث عن رد مدروس سيكون مباشرا ولا يدفع إسرائيل في نفس الوقت إلى توسيع نطاق الحرب، ليشمل مواجهة معها".

"طبيعة الرد لن تكون متسرعة"، حسب الباحث المختص بالشؤون الإيرانية.

ويعتقد أن "الإيرانيين سينتظرون الفرصة المناسبة، كاستهداف سفينة إسرائيل أو استهداف سفارات إسرائيل حول العالم".

"مغامرة لها أهداف"

وكانت المخابرات الإسرائيلية تتابع منذ فترة طويلة العميد زاهدي، الذي كان مسؤولا عن التسليح والتنسيق مع حزب الله اللبناني وغيره من الميليشيات الموالية لإيران في لبنان وسوريا، حسب موقع "أكسيوس" الأميركي.

ونقل عن مسؤول إسرائيلي قوله، الثلاثاء إن "نافذة عملياتية لاستهدافه (زاهدي) لم تُفتح إلا في الأيام الأخيرة".

ويعتقد البازي أن هدف إسرائيل من "المغامرة" في ضربة القنصلية يرتبط بـ"محاولة قطع الارتباط اللوجستي بين سوريا وإيران، عبر استهداف القيادات الإيرانية المسؤولة عن توريد الأسلحة إلى حزب الله والتنسيق معه قبل شن عملية عسكرية واسعة النطاق ضده".

وبينما يقول إن "إسرائيل وصلت إلى قناعة تامة بأن الحرب مع حزب الله لا مفر منها" يضيف أنها تحاول استعدادا لذلك "قطع الارتباط اللوجستي والاستراتيجي الذي توفره القيادات الإيرانية العليا في سوريا".

أما فيما يتعلق بالمواجهات مع حزب الله، فإن "توقيته يأتي بعد تقرير مصير الهجوم العسكري على رفح، وقد تأخذ إسرائيل فترة استراحة ومن ثم ستقوم بمهاجمة حزب الله"، كما يرجح الباحث المختص بالشؤون الإيرانية.

لكن المحلل السياسي الإسرائيلي شتيرن، لا يعتقد أن هناك نية لشن حرب على حزب الله أو سوريا أو الوجود الإيراني في سوريا.

ويضيف أن "الهدف ستكون موجعة.. ليس فقط ضد إسرائيل بل ضد إيران أيضا".

إسرائيل اتهمت موظفين بالأونروا بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر
إسرائيل اتهمت موظفين بالأونروا بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر

خلصت مراجعة مستقلة لتقييم أداء وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلى أن هذه الهيئة "لا بديل منها"، لافتة في الوقت نفسه إلى "مشاكل تتصل بالحيادية"، بينما قالت إسرائيل إن التقرير "يتجاهل خطورة المشكلة".

وأشارت المراجعة المستقلة التي ترأست لجنتها وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة، كاترين كولونا، إلى أن الوكالة "لا بديل منها على صعيد التنمية الإنسانية والاقتصادية للفلسطينيين"، وأن إسرائيل لم تقدّم بعد أدلة تدعم اتهامها عددا كبيرا من أفراد طاقم الوكالة بالانتماء إلى منظّمات إرهابية.، وفق فرانس برس.

وأجريت المراجعة بعد أن قالت إسرائيل إن عشرات من موظفي الوكالة الأممية شاركوا في هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر.

وقالت اللجنة في تقرير من 48 صفحة، إن الأونروا لديها إجراءات "قوية" لدعم مبدأ الحياد التابع للأمم المتحدة.

لكنها أشارت إلى ثغرات وصفتها بخطيرة في التنفيذ، بما في ذلك تعبير الموظفين علنا عن آراء سياسية، بجانب الكتب المدرسية التي تحوي بعض الإشكالات، فضلا عن نقابات الموظفين التي تعطل العمل، بحسب أسوشيتد برس.

ووجدت المراجعة أن إسرائيل لم تعرب عن قلقها بشأن أي شخص مدرج في قوائم الموظفين التي تتلقاها سنويا منذ عام 2011.

وقالت اللجنة، إن الأونروا تشارك قوائم الموظفين مع الدول المضيفة لموظفيها البالغ عددهم 32 ألف موظف، بما في ذلك حوالي 13 ألف في غزة. 

مدارس "الأونروا" في غزة أصبحت مكتظة بالنازحين منذ اندلاع الحرب
وكالة الأونروا.. بين إغاثة ملايين اللاجئين الفلسطينيين واتهامات إسرائيل
أثير كثيرا من الجدل خلال الساعات الأخيرة حول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، بعد اتهامات بتورط عدد من موظفيها في الهجمات على إسرائيل في 7 أكتوبر الماضي، ما دفع الأمم المتحدة للتعبير عن "رعبها" بشأن الأمر، فيما قررت واشنطن تعليق تمويلات مخصصة للوكالة بشكل مؤقت.

وأشارت إلى أن المسؤولين الإسرائيليين لم يعبروا قط عن قلقهم وأبلغوا أعضاء اللجنة أنهم لا يعتبرون القائمة "عملية فحص أو تدقيق" بل إجراء لتسجيل الدبلوماسيين.

تعليق إسرائيلي

وفي أول تعليق على تقرير المراجعة، قال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، أورين مارمورشتاين، إن حماس اخترقت الأونروا بشكل كبير، مشيرا إلى أن التقرير "يتجاهل خطورة المشكلة، ويقدم حلولا تجميلية لا تعالج النطاق الهائل لتسلل حماس" إلى الأونروا.

وطالبت الخارجية الإسرائيلية الدول المانحة بالامتناع عن تحويل الأموال إلى الأونروا في غزة، وتحويلها لمنظمات أخرى تعمل في المجال الإنساني.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمر مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، بإجراء تحقيق منفصل في الاتهامات الإسرائيلية بأن 12 من موظفي الأونروا شاركوا في هجمات 7 أكتوبر. 

وقالت الوكالة إن بعض موظفيها وغيرهم من الأشخاص الذين تحتجزهم القوات الإسرائيلية في غزة تعرضوا لسوء المعاملة، لاسيما الضرب المبرح والإجبار على التعري.

وأضافت الوكالة الأممية في تقرير نشر، الثلاثاء، أن الموظفين الذين تم احتجازهم، في بعض الحالات أثناء أداء مهامهم الرسمية، "تم احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي وتعرضوا لنفس الظروف وسوء المعاملة مثل المعتقلين الآخرين" والتي قالت إنها تشمل عدة أشكال مختلفة من الإساءة.