صورة تم التقاطها في 16 أبريل 2024، منطقة مدمرة في ماريوبول، في أوكرانيا التي تسيطر عليها روسيا، وسط الصراع الروسي الأوكراني
صورة تم التقاطها في 16 أبريل 2024، منطقة مدمرة في ماريوبول، في أوكرانيا التي تسيطر عليها روسيا، وسط الصراع الروسي الأوكراني

ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن وثيقة سرية لوزارة الخارجية الروسية كشفت خططا لمحاولة إضعاف خصومها الغربيين، بما في ذلك الولايات المتحدة، والاستفادة من الحرب في أوكرانيا لتشكيل نظام عالمي خال مما تعتبره "هيمنة أميركية".

وأوضحت الصحيفة أنه في ملحق سري "تدعو وزارة الخارجية الروسية إلى حملة إعلامية هجومية وغيرها من التدابير التي تشمل المجالات النفسية العسكرية والسياسية والاقتصادية والتجارية والإعلامية ضد تحالف الدول غير الصديقة لروسيا بقيادة الولايات المتحدة".

وأشارت الصحفية إلى أن الوثيقة، التي يعود تاريخها إلى عام 2023، وحصلت من قبل جهاز استخبارات أوروبي، تنص على أن "روسيا بحاجة إلى مواصلة تعديل نهجها في العلاقات مع الدول غير الصديقة"، داعية إلى أنه "من المهم إنشاء آلية لإيجاد نقاط الضعف في سياساتهم الخارجية والداخلية بهدف تطوير خطوات عملية لإضعاف معارضي روسيا".

ووفقا للصحيفة، "تُقدم الوثيقة للمرة الأولى تأكيداً رسمياً وتدويناً لما يقول الكثيرون في النخبة في موسكو إنه أصبح حرباً هجينة ضد الغرب".

وتسعى روسيا إلى تقويض الدعم الغربي لأوكرانيا وتعطيل السياسة الداخلية للولايات المتحدة والدول الأوروبية، من خلال الحملات الدعائية الداعمة للسياسات الانعزالية والمتطرفة، بحسب وثائق الكرملين التي سبق أن نشرتها صحيفة "واشنطن بوست". كما أنها تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، والتقرب من الصين وإيران وكوريا الشمالية في محاولة لتغيير ميزان القوى الحالي.

وباستخدام لغة أكثر صرامة وصراحة من وثيقة السياسة الخارجية العامة، يزعم الملحق السري، المؤرخ في 11 أبريل 2023، حسبما جاء في الصحيفة أن "الولايات المتحدة تقود تحالفًا من الدول غير الصديقة يهدف إلى إضعاف روسيا لأن موسكو تشكل تهديدًا للعالم الغربي".

وذكرت الصحيفة أن الوثيقة تقول إن "نتيجة حرب روسيا في أوكرانيا ستحدد إلى حد كبير الخطوط العريضة للنظام العالمي المستقبلي"، وهي إشارة واضحة إلى أن موسكو ترى نتيجة غزوها مرتبطة بقدرتها على فرض إرادتها على المستوى العالمي.

وأوضحت الصحيفة أن مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي، الذي نُشر في 31 مارس 2023، ووافق عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يستخدم لغة دبلوماسية لطيفة للدعوة إلى "دمقرطة العلاقات الدولية"، و"المساواة في السيادة" وتعزيز موقف روسيا على الساحة العالمية"، رغم أن مفهوم السياسة الخارجية يتهم أيضًا الولايات المتحدة و"أتباعها" باستخدام الصراع الأوكراني لتصعيد "السياسة المناهضة لروسيا منذ سنوات عديدة"، إلا أنه ينص أيضًا على أن "روسيا لا تعتبر نفسها عدوًا للغرب… وليست لديها نوايا سيئة تجاهه".

وتأمل روسيا أن "يدرك الغرب عدم وجود أي مستقبل في سياسة المواجهة وطموحات الهيمنة، وأن يتقبل الحقائق المعقدة للعالم متعدد الأقطاب"، كما جاء في الوثيقة العامة.

وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان إنها لم تعلق "على وجود أو عدم وجود وثائق داخلية للوزارة وعلى تقدم العمل بشأنها". وأضافت الوزارة: "كما قلنا عدة مرات على مستويات مختلفة، يمكننا أن نؤكد أن المزاج العام هو التصدي بشكل حاسم للخطوات العدوانية التي اتخذها الغرب الجماعي كجزء من الحرب الهجينة التي شنها ضد روسيا".

وتقصف روسيا المدن الأوكرانية يومياً بالصواريخ والمسيرات المتفجرة. وكثفت قواتها خلال الأسابيع الأخيرة هجماتها الواسعة النطاق على شبكة الطاقة الأوكرانية، وفقا لوكالة "فرانس برس".

وتتراجع المساعدات الغربية لأوكرانيا، لا سيما بسبب الانقسامات السياسية في الكونغرس الأميركي، ما يحول دون إقرار حزمة مساعدات بقيمة 60 مليار دولار طلبتها إدارة الرئيس، جو بايدن.

ويشهد وضع كييف تراجعا على الجبهة بعد أشهر من حثها الحلفاء على توفير مزيد من الأسلحة وأنظمة الدفاع الجوي.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.