شمال غزة
أحدثت الحرب الإسرائيلية على غزة دمارا هائلا وقتلت عشرات آلاف الفلسطينيين

أكدت، باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، الأربعاء، أن الولايات المتحدة لم تعط "الضوء الأخضر لعملية عسكرية إسرائيلية في رفح"، مشددة على التزام واشنطن تعزيز السلام والأمن الدائمين للإسرائيليين والفلسطينيين، والعمل على زيادة تدفق المساعدات الإنسانية للمدنيين في غزة.

ثلاثة أهداف

وقالت ليف، في مؤتمر صحفي عبر الإنترنت، أنها اختتمت اجتماعا مع مسؤولين آخرين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن دول مجموعة السبع، حيث تم بحث جهود لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية: زيادة المساعدات الإنسانية للمدنيين في غزة، والتوصل لتوافق لرؤية لما بعد الحرب في غزة، وإيجاد السبل التي يمكن للمجتمع الدولي تعزيز الدعم للسلطة الفلسطينية والفلسطينيين.

وأشارت إلى أن مجموعة السبع لديها "فرصة لدعم جهود التعافي في مرحلة ما بعد الحرب التي يمكن أن تخلق الأمل في السلام والأمن لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين"، ومن خلال "مساهمة مانحين دوليين في إعادة إعمار غزة بشكل قوي، وتعزيز الترتيبات الأمنية في هيكل الحكم الذي يقوده الفلسطينيون".

إقامة دولة فلسطينية

وشددت ليف أن واشنطن ملتزمة "بتعزيز السلام والأمن الدائمين للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، بما في ذلك من خلال خطوات عملية محددة زمنيا ولا رجعة فيها للعمل نحو إقامة دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل".

وأكدت أن إعادة توحيد الضفة الغربية وغزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية، أمر واجب.

وتابعت أن "إعادة تنشيط السلطة الفلسطينية أمر ضروري لتحقيق النتائج للشعب الفلسطيني في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة وتهيئة الظروف اللازمة للاستقرار".

ولفتت إلى أن مجموعة السبع ناقشت جهود السلطة الفلسطينية في الإصلاح" وكل الجهود لضمان "ملاءتها المالية"، إذ استبعد الكونغرس الأميركي تقديم المساعدة المباشرة عن طريق "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" الأونروا، مضيفة أنه يوجد "العديد من السبل الأخرى التي يمكننا من خلالها توجيه القنوات والمنظمات التي يمكننا من خلالها مساعدة الشعب الفلسطيني".

إيران ووكلاؤها

العثور على بقايا صاروخ إيراني في الصحراء

وحثت ليف على وقف التصعيد في المنطقة، وضرورة عمل الجميع والسعي إلى "منع نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقا"، مشيرة إلى أن "إيران تبقى أكبر مصدر للإرهاب في العالم وقوة مزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط الأوسع".

وأشادت ليف بقرار الاتحاد الأوروبي "بتوسيع العقوبات ضد عمليات نقل الصواريخ الإيرانية إلى روسيا ودعمها للإرهاب من خلال وكلائها في المنطقة"، كما ستواصل مجموعة السبع وحلفاؤها الوقوف بثبات في مواجهة دعم إيران للإرهاب.

وذكرت أنه تم بحث أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط في الاجتماع، إذ أدانت مجموعة السبع بشكل لا لبس فيه الهجمات الإيرانية المتهورة وغير المسبوقة ضد إسرائيل في وقت سابق من هذا الشهر.

حزب الله

في رد على سؤال حول ما إذا كانت هناك فرص لحل دبلوماسي لتجنب حرب شاملة بين إسرائيل وحزب الله، قالت ليف "نعم بالتاكيد. هناك احتمال لحل هذه المشكلة دبلوماسيا، وهذا شيء نحن ملتزمون به بشدة. ولقد استثمرنا طاقات وجهود المبعوث، آموس هوكستين".

وأضافت أنه يوجد "درجة عالية من التقلبات على تلك الحدود، وهي درجة مزعجة للغاية من التقلبات"، حيث احتمال التصعيد حاد "بين إسرائيل وحزب الله، لذا علينا الحذر".

وقالت ليف إن واشنطن طلبت من إسرائيل "توخي الحذر في الطريقة التي ترد بها"، مشيرة إلى اللجوء لمساعدة من شركاء آخرين "باستخدام قنواتهم، المباشرة أو غير المباشرة مع حزب الله، للتحذير من الدخول في معركة توسيع الصراع"، حيث "يعتبر حزب الله في لبنان قوة رهيبة تؤثر على الحكومة ومؤسساتها".

وزادت أن "هناك بالتأكيد احتمال لخفض التصعيد ومن ثم الانتقال في النهاية إلى جهد دبلوماسي لترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل".

هجمات الحوثيين

وحذرت من جر أطراف لا علاقة لهم بالصراع في غزة إلى الصراع في المنطقة، وقالت "إن الهجوم على سفينة في الأسبوعين الماضيين والذي أدى إلى مقتل ثلاثة بحارة يؤكد حقيقة أن هناك استهتارا ولاإنسانية من جانب الحوثيين في استهداف السفن التجارية وبعض السفن العسكرية والسفن التجارية التي لا علاقة لها على الإطلاق بالصراع في غزة".

مساعدة العراق

كما ألقت الضوء على الجهود "لمساعدة الحكومة العراقية في استعادة سيادتها والاحتفاظ بها، داخليا وخارجيا ضد الضغوط التي تمارسها إيران على العراق، حيث تمارس فيها طهران نفوذها على العراق من خلال وكلائها".

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.