علم وطني كوري جنوبي في منطقة حدودية مع كوريا الشمالية
التوترات في شبه الجزيرة الكورية تزايدت حدتها في الأشهر الأخيرة

قالت هيئة الأركان المشتركة في كوريا الجنوبية إن كوريا الشمالية تطلق أيضا أعدادا كبيرة من البالونات التي تحمل القمامة باتجاه الجنوب منذ ليل الثلاثاء، في رد واضح ضد نشطاء كوريين جنوبيين لإرسالهم منشورات دعائية مناهضة لبيونغيانغ عبر الحدود.

وقال الجيش الكوري الجنوبي إنه تم العثور على أكثر من 260 بالونا كوريا شماليا تم إسقاطها في أجزاء مختلفة من البلاد حتى بعد ظهر الأربعاء، استعادتها فرق الرد السريع العسكرية وإزالة المتفجرات.

وأوضح الجيش أن البالونات جلبت أنواعا مختلفة من القمامة والروث، لكنه لم يعثر حتى الآن على فضلات بشرية.

ونصح الجيش المدنيين بعدم لمس الأغراض الملقاة جوا من كوريا الشمالية وإبلاغ الجيش أو الشرطة بعد اكتشافها.

وأظهرت صور نشرها الجيش القمامة متناثرة عبر الطرق السريعة والشوارع في أجزاء مختلفة من البلاد.

وفي العاصمة سول، عثر المسؤولون العسكريون على ما يبدو أنه جهاز توقيت تم تصميمه على الأرجح لتفجير أكياس القمامة في الجو.

وفي مقاطعة تشنغتشونغ الجنوبية بوسط البلاد، شوهد بالونان ضخمان يحملان كيسا بلاستيكيا غير مفكك مملوء بمواد تشبه الأوساخ، على الطريق.

ولم ترد تقارير فورية عن أضرار نجمت عن البالونات.

كانت أنشطة إطلاق البالون المماثلة التي أقدمت عليها كوريا الشمالية ألحقت أضرارا بالسيارات والممتلكات الأخرى في عام 2016.

وفي بيان صدر نهاية الأسبوع، قال نائب وزير الدفاع الكوري الشمالي، كيم كانغ إيل، إن كوريا الشمالية تعتزم نثر "أكوام من النفايات والقاذورات" على المناطق الحدودية وأجزاء أخرى من كوريا الجنوبية، فيما وصفها بأنها خطوة "انتقامية" ضد المنشورات التي نشرها النشطاء الكوريون الجنوبيون.

من جانب آخر، حث زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أونغ علماءه العسكريين على تجاوز إطلاق فاشل لقمر اصطناعي ومواصلة تطوير قدرات استطلاع تعتمد على الفضاء وصفها بأنها أساسية لمجابهة الأنشطة العسكرية الأميركية والكورية الجنوبية، حسبما أفادت وسائل إعلام حكومية الأربعاء.

وفي معرض كلمة ألقاها الثلاثاء، حذر كيم أيضا من اتخاذ إجراء "صارم" – لم يحدده – بحق كوريا الجنوبية على خلفية تدريب جوي شمل 20 طائرة مقاتلة بالقرب من الحدود بين الكوريتين قبل ساعات من إطلاق كوريا الشمالية الفاشل لقمر اصطناعي يوم الاثنين.

قالت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية الحكومية إن كيم وصف رد فعل كوريا الجنوبية بأنه "جنون هستيري" و "استفزاز خطير للغاية لا يمكن تجاهله".

كيم زار أكاديمية كوريا الشمالية لعلوم الدفاع غداة انفجار صاروخ كان يحمل على ما يبدو ثاني قمر اصطناعي للاستطلاع العسكري لبلاده بعد وقت قصير من إطلاقه.

وقالت إدارة تكنولوجيا الفضاء الجوي في كوريا الشمالية إن الانفجار ربما كان مرتبطا بمدى متانة محرك صاروخي مطور حديثا يعمل بالأكسجين السائل والنفط.

كانت عملية الإطلاق الفاشلة بمثابة انتكاسة لخطة كيم لإطلاق ثلاثة أقمار اصطناعية أخرى للتجسس العسكري في 2024 بعد نشر أول قمر اصطناعي للاستطلاع العسكري لكوريا الشمالية في الفضاء في نوفمبر الماضي، وهو الإطلاق الذي تم بعد محاولتين فاشلتين.

وأثارت عملية الإطلاق التي جرت الإثنين انتقادات من كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة، كون الأمم المتحدة تحظر على كوريا الشمالية إجراء أي إطلاق صاروخي من هذا القبيل، حيث تعتبره غطاء لاختبار تكنولوجيا الصواريخ طويلة المدى.

لطالما أكدت كوريا الشمالية أن لها الحق في إطلاق الأقمار الاصطناعية وإجراء التجارب الصاروخية في مواجهة ما تعتبرها تهديدات عسكرية تقودها الولايات المتحدة.

ووصف كيم أقمار التجسس الاصطناعية بأنها ضرورية لمراقبة الأنشطة العسكرية للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وتعزيز التهديد الذي تشكله صواريخ بلاده ذات القدرة النووية.

وقال كيم "امتلاك أقمار اصطناعية للاستطلاع العسكري مهمة أساسية لبلدنا لمواصلة تعزيز ردع الدفاع عن النفس لدينا... في مواجهة التغييرات الخطيرة في البيئة الأمنية لبلادنا الناجمة عن المناورات العسكرية الأمريكية والأعمال الاستفزازية المختلفة".

ولم تكشف بيونغيانغ عن الموعد الذي ستكون فيه مستعدة لمحاولة إطلاق قمر اصطناعي مرة أخرى، الأمر الذي يقول بعض الخبراء إنه قد يستغرق شهورا.

والتوترات في شبه الجزيرة الكورية تزايدت حدتها في الأشهر الأخيرة مع تكثيف وتيرة استعراض نظام كيم للأسلحة، ووسط المناورات العسكرية المشتركة التي تجريها الولايات المتحدة مع كوريا الجنوبية واليابان، في دورة من الإجراءات الانتقامية المتبادلة.

وصلت العداوات بين الكوريتين إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، حيث اشتدت وثيرة استعراض أسلحة كوريا الشمالية والتدريبات العسكرية المشتركة لكوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة واليابان منذ عام 2022.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.