إدارة بايدن تحاول تحقيق اختراق بوقف إطلاق النار في غزة. أرشيفية
إدارة بايدن تحاول تحقيق اختراق بوقف إطلاق النار في غزة. أرشيفية

مع اندلاع الحرب في غزة في السابع من أكتوبر الماضي، كانت إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن على أمل في وقفها ومنع انتشارها بالشرق الأوسط.

ولكن بعد أكثر من ثمانية أشهر على استمرارها أصبحت المهمة أصعب أمام إدارة بايدن، التي تواجه تحديات عديدة، ما "يسلط الضوء على الضعف السياسي للرئيس بايدن قبل مناظرته" مع منافسه الجمهوري، دونالد ترامب بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.

المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة لم تنجح في وقف الحرب أو إطلاق سراح الرهائن الذين تحتجزهم حماس، ولا تزال الحرب جارية داخل غزة، وتتكثف الهجمات عبر الحدود الشمالية لإسرائيل مع حزب الله، ناهيك عما يحدث في البحر الأحمر.

وعلى الصعيد السياسي الأمور ليست في أفضل أحوالها، إذا يتبادل البيت الأبيض ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو الاتهامات بتأخير شحنات الأسلحة والذخائر، وهو ما تنفيه واشنطن.

استمرار التوترات في الشرق الأوسط، تسلط الضوء على التحدي الذي يواجه إدارة بايدن في تحقيق "فوز" في السياسة الخارجية قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر، وهو ما لن يتحقق من دون "موافقة الأطراف المتحاربة التي تعمل ضمن جدول زمني مختلف تماما" عن جدول الإدارة الأميركية.

الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيفية)

ورغم تقديم خارطة طريق بمقترح إسرائيلي، إلا أن رئيس الوزراء، نتانياهو، أكد أنه لا تراجع عن هدف "القضاء على حماس" قبل وقف الحرب وتجاهل استراتيجية واشنطن الأوسع بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وتحقيق الاستقرار على مستوى المنطقة، كما لم يُظهِر زعيم حماس يحيى السنوار سوى القليل من الاهتمام بوقف سريع لإطلاق النار، أو طالب بإنهاء الحرب.

خالد الجندي، وهو زميل باحث في معهد الشرق الأوسط يقول للصحيفة إن "نتانياهو والسنوار يتحدثان عن تفضيل وقف إطلاق النار، لكن كلاهما يحصلان على ميزة سياسية من الحرب".

وأضاف أن "نتانياهو لن يحب شيئا أكثر من تمديد محادثات وقف إطلاق النار إلى الأبد حتى يتمكن من البقاء في السلطة، لأنه في اللحظة التي تنتهي فيها الحرب، تدق ساعة نهاية ولايته".

وكان بايدن قد اعتبر أن خارطة الطريق تمثّل فرصة ينبغي عدم "تفويتها"، لأن "وقت انتهاء هذه الحرب قد حان".

ويتألف هذا المقترح "الشامل" من ثلاث مراحل وتمتد مرحلتاه الأولى والثانية على مدى 12 أسبوعا.

وأوضح بايدن أن المرحلة الأولى، التي تستمر ستة أسابيع، تتضمن "وقفا كاملا وتاما لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من كل المناطق المأهولة بالسكان في غزة والإفراج عن عدد من الرهائن بمن فيهم النساء والمسنون والجرحى، مقابل إطلاق سراح مئات من المساجين الفلسطينيين".

الهجوم الإسرائيلي المتواصل أدى إلى تدمير قطاع غزة

وسيسمح للفلسطينيين بالعودة الى "منازلهم وأحيائهم" في مختلف أنحاء القطاع بما في ذلك المناطق الشمالية التي تعرضت لأكبر قدر من الدمار جراء القصف الإسرائيلي والمعارك الضارية.

تزامنا، ستتم زيادة كمية المساعدات الانسانية التي تدخل القطاع ورفعها الى حمولة 600 شاحنة يوميا، بينما ستعمل أطراف في المجتمع الدولي على توفير مئات الآلاف من الوحدات السكنية والملاجئ الموقتة.

وبموجب المرحلة الثانية التي تمتد نحو ستة أسابيع كذلك، سينسحب الجنود الإسرائيليون بالكامل من قطاع غزة.

في المقابل، تقوم حماس بإطلاق سراح "كل الرهائن الأحياء الباقين" بما يشمل الجنود، وهي نقطة كانت موضع خلاف مع حماس في مراحل التفاوض السابقة.

وتشمل المرحلة الثالثة إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة واستقرار للقطاع بدعم من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. وأكد بايدن أنه سيعاد بناء المنازل والمدارس والمستشفيات.

ويشير التقرير إلى أنه في نهاية المطاف، قد يتوصل قادة الحرب إلى اتفاق، ولكن "ليس بالسرعة التي يأملها بايدن".

آرون ديفيد ميلر، زميل باحث في مؤسسة كارينغي للسلام يقول للصحيفة: "إن ساعتهم (نتانياهو والسنوار) غير متزامنة مع ساعة بايدن"، مشيرا إلى أنهم "أكثر انسجاما مع بعضهم البعض ويتحركون بشكل أكثر بطئا".

هجوم مكثف على غرب رفح والدبابات تداهم المنطقة

بايدن حاول خلال الأشهر الماضية تحقيق "التوازن" بين تزويد إسرائيل بالأسلحة وانتقاد العمليات العسكرية الموسعة، والتي أودت بحياة 38 ألف فلسطيني في غزة، كثير منهم من النساء والأطفال.

وعلقت الولايات المتحدة، في مايو، شحنة قنابل لإسرائيل تزن 2000 رطل و500 رطل بسبب القلق بشأن التأثير الذي يمكن أن تحدثه في مناطق مكتظة بالسكان، لكن لا يزال من المقرر أن تحصل إسرائيل على أسلحة أميركية بمليارات الدولارات.

وفي أبريل، حذر بايدن إسرائيل من أن الولايات المتحدة ستتوقف عن تزويدها بالأسلحة إذا نفذت قواتها عملية كبيرة في رفح، المدينة الواقعة في جنوب غزة والتي تعد الملاذ الأخير للعديد من النازحين بسبب الحرب.

لكن هذه المحاولات لم تؤثر على نتانياهو، الذي توجه لتصعيد الموقف للرأي العام عندما نشر، الثلاثاء، مقطع فيديو باللغة الإنكليزية قال فيه إن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، أكد له أن إدارة بايدن، تعمل على رفع القيود المفروضة على تسليم الأسلحة إلى إسرائيل، الأمر الذي رفض بلينكن تأكيده.

وفي كشف نادر عن محادثات دبلوماسية خاصة على مستوى رفيع، قال نتانياهو أيضا إنه أبلغ بلينكن أن "من غير المعقول" أن واشنطن "حجبت أسلحة وذخائر" عن إسرائيل في الأشهر القليلة الماضية.

قال مستشار اتصالات مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، الخميس، إن تصريحات نتانياهو، "كانت مخيبة للآمال ولم نكن نتوقعها"، مؤكدا عدم علم البيت الأبيض أن نتانياهو سينشر مقطعا مصورا عن شحنات الأسلحة الأميركية لإسرائيل.

الدبلوماسي الإسرائيلي السابق، ألون بينكاس قال للصحيفة إن "سلوك رئيس الوزراء (نتانياهو) هو جزء من نمط التحريض على التوترات والمواجهات مع الإدارة (الأميركية) لإظهار أنه يقف في وجه الولايات المتحدة".

وأضاف أن "هذا الأمر مفبرك 100 في المئة".

كيربي رفض مناقشة ما إذا كانت الولايات المتحدة قد حددت أي "خطوط حمراء" قبل التوغل البري - صورة أرشيفية.
البيت الأبيض: تصريحات نتانياهو مخيبة للآمال ولم نتوقعها
قال مستشار اتصالات مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جون كيربي، الخميس، إن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، "كانت مخيبة للآمال ولم نكن نتوقعها"، مؤكدا عدم علم البيت الأبيض أن نتانياهو سينشر مقطعا مصورا عن شحنات الأسلحة الأميركية لإسرائيل.

بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على اندلاع الحرب في غزة، يتركز التقدم الإسرائيلي الآن على المنطقتين الأخيرتين اللتين لم تسيطر عليهما القوات حتى الآن، وهما رفح جنوب قطاع غزة والمنطقة المحيطة بدير البلح في وسط القطاع.

وشنت إسرائيل حملتها البرية والجوية على القطاع ردا على هجوم حماس عليها في السابع من أكتوبر مما أدى إلى مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة، وفقا لإحصاءات إسرائيلية.

وتقول سلطات الصحة الفلسطينية إن أكثر من 37400 شخص قتلوا منذ أكتوبر في الحملة العسكرية الإسرائيلية التي تسببت في تدمير القطاع وجعلت كل سكان القطاع تقريبا بلا مأوى.

وقالت الأمم المتحدة، الجمعة، إن إسرائيل، باعتبارها القوة المحتلة في قطاع غزة، مسؤولة عن استعادة النظام العام والأمن في القطاع الفلسطيني حتى يمكن توصيل المساعدات الإنسانية، في ظل تحذيرات من مجاعة وشيكة.

صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد
صورة أرشيفية تجمع بين إردوغان وبشار الأسد

رغم مؤشرات على اجتماع قد يكون وشيكا بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد، بعد قطيعة تجاوزت عقدا من الزمن، إلا أن تطبيع العلاقات لا يمكن أن يحصل، وفق محللين، إلا بشكل تدريجي نظرا للقضايا الشائكة بين الطرفين.

وتقول نائب رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال افريقيا في معهد السلام الأميركي منى يعقوبيان لوكالة فرانس برس إن المصالحة "لن تحصل بين عشية وضحاها، بغض النظر عما يحدث، حتى لو جرى لقاء بين إردوغان والأسد".

وتشير إلى "تعقيدات" في ملفات عدة عالقة، تجعل مؤكدا أن استعادة العلاقات "ستحصل في أحسن الأحوال بشكل تدريجي وطويل الأمد". 

قبل اندلاع النزاع في العام 2011، كانت تركيا حليفا اقتصاديا وسياسيا أساسيا لسوريا. وجمعت إردوغان علاقة صداقة بالأسد. لكن العلاقة بينهما انقلبت رأسا على عقب مع بدء الاحتجاجات ضد النظام.

فقد دعت أنقرة بداية حليفتها إلى إجراء إصلاحات سياسية، لكن مع قمع التظاهرات بالقوة وتحولها تدريجا إلى نزاع دام، دعا إردوغان الأسد إلى التنحي.

وفي مارس 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق. وقدمت دعما للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة. 

وقال إردوغان، الشهر الحالي، إنه قد يدعو الأسد الى تركيا "في أي وقت"، بعدما كان أرسل مؤشرات إيجابية تجاه الأسد في العام 2022، ويبدأ مسؤولون من البلدين عقد لقاءات ثنائية بوساطة روسية.

وأبدى الأسد، الإثنين، إيجابية تجاه مبادرة إردوغان، لكنه قال إن المشكلة ليست في حصول اللقاء بحد ذاته إنما في مضمونه.

"شريكان للرقص"

وجاءت تصريحات إردوغان على وقع تفاقم مشاعر معادية للاجئين السوريين في تركيا التي تستضيف نحو 3,2 ملايين لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم إردوغان إعادتهم الى بلدهم.

ويقول آرون شتاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية ومقره الولايات المتحدة لوكالة فرانس برس إن "سوريا واللاجئين السوريين باتوا عبئا كبيرا على إردوغان".

ويعتبر أن "استثمار أنقرة في المعارضة السياسية، من وجهة نظر عسكرية، باء تماما بالفشل".

لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو "القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي" قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية.

وشنت تركيا عمليات عسكرية عدة داخل سوريا منذ العام 2016، استهدفت بشكل رئيسي الوحدات الكردية، التي تصنفها "إرهابية" وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا ضدها على أراضيها منذ عقود. 

وتشترط دمشق منذ العام 2022 أن تسحب تركيا قواتها، التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربها، كمقدمة للقاء الأسد وإردوغان.

وسأل الأسد الاثنين "ما هي مرجعية اللقاء؟ هل ستكون إلغاء أو إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب، وانسحاب (القوات التركية) من الأراضي السورية؟"، مضيفا "هذا هو جوهر المشكلة".

ووفق شتاين، إذا قال إردوغان إن اللقاء مع الأسد ممكن، فقد يحصل. لكنه يوضح في الوقت ذاته أن "رقصة التانغو تتطلب وجود شريكين، وشريكه هو قاتل يكرهه"، وهو تعبير استخدمه إردوغان إثر اندلاع النزاع لوصف الأسد.

رغم التباينات، تتفق أنقرة ودمشق على رفض الحكم الذاتي للأكراد. وبينما تريد أنقرة إبعادهم عن حدودها، تحمل دمشق عليهم "نزعتهم الانفصالية" وتلقيهم الدعم من واشنطن، بعدما شكلوا رأس حربة في دحر تنظيم داعش.

وتثير المؤشرات على تقارب بين دمشق وأنقرة مخاوف الإدارة الكردية، التي يقول محللون إنها قد تدفع الثمن الأكبر، مع رغبتها بالحفاظ على مكتسبات حققتها خلال سنوات الحرب.

"الجزء الصعب"

ويرى مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن سونير كاغابتاي أن أنقرة "تريد من الأسد أن يقضي على حزب العمال الكردستاني حتى يصبح التنظيم في حالة سبات".

ويضيف "عندها سيبدأ التطبيع الحقيقي في شمال غرب سوريا، مع التزام تركيا سحب قواتها تدريجا".

ويثير هذا السيناريو مخاوف ملايين السوريين المقيمين في منطقة إدلب ومحيطها، وأكثر من نصفهم نازحون فروا تدريجا من محافظات سورية أخرى مع سيطرة القوات الحكومية عليها. 

في مرحلة انتقالية، لا يستبعد كاغابتاي أن يعترف إردوغان بسلطة الأسد في شمال غرب سوريا، لكن مع أن يبقى الأمن "في يد أنقرة"، على أن يكون الهدف النهائي إعادة اللاجئين السوريين من تركيا. 

لكن "الجزء الصعب" هو أن الكثير  من المدنيين السوريين لا يرغبون العيش تحت حكم الأسد مجددا، ويمكن أن يناصبوا حينها العداء لتركيا.

عند بروز مؤشرات تقارب عام 2022، خرجت تظاهرات غاضبة في مناطق عدة في إدلب، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام. وخرجت تظاهرات مماثلة وإن كانت محدودة خلال الشهر الحالي رفضا لـ"التطبيع" بين أنقرة ودمشق.

وفي شمال شرق البلاد، يرى شتاين أن الوجود الأميركي سيجعل أي هجوم تشنه تركيا بتفويض من دمشق تجاه الأكراد خيارا محفوفا بالتحديات.

لذا، فإن تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة بين تركيا وسوريا هي "الأداة الوحيدة المتاحة.. كونها تخول تركيا شن عمليات في سوريا على عمق خمسة كيلومتر من الحدود" إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

وأنهى الاتفاق عند توقيعه في العام 1998 توترا بين الدولتين، حين حشدت تركيا قواتها قرب الحدود احتجاجا على دعم قدمته دمشق لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اتهمت دمشق أنقرة بخرق الاتفاق منذ بدء النزاع عام 2011.

وتقول يعقوبيان إنه يتعين الانتظار لمعرفة إذا كان بالإمكان "إعادة صياغة" الاتفاق مع سيطرة الأكراد على مساحات واسعة.

ومع قرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واحتمال وصول إدارة جديدة، لا تستبعد يعقوبيان أن يكون التقدم نحو المصالحة بمثابة "تحسب لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية" تجاه سوريا.