جنوب لبنان
جانب من آثار قصف إسرائيلي على جنوب لبنان (أرشيف)

وسط تهديدات برد قوي، تتسارع الجهود الرامية إلى خفض التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، بعد الهجوم الذي استهدف الجولان، السبت، وأسفر عن مقتل 12 فتى وفتاة في أحد ملاعب كرة القدم ببلدة مجدل شمس ذات الأغلبية العربية.

وألمح خبراء، تحدثوا إلى موقع "الحرة"، إلى احتمالات بحدوث تصعيد خطير، معتبرين في الوقت نفسه أن تلك الاحتمالات قد تكون ضعيفة.

وقال الجيش الاسرائيلي إن صاروخا إيراني الصنع يحمل رأسا حربيا يزن 50 كيلوغراما، أطلقه حزب الله اللبناني قد تسبب بمقتل الفتية، في حين أنكر الأخير مسؤوليته عن ذلك.

ورغم الاستنكار الشديد لتلك الحادثة، دعت أطراف دولية وعربية إلى التهدئة وضبط النفس، خاصة بعدما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو إن بلاده "لن تتخطى هذا الهجوم القاتل"، منوها إلى أن "حزب الله سيدفع ثمنا باهظا لم يدفعه حتى الآن".

وفي السياق ذاته، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، الأحد، أن الجيش قد رفع جاهزيته إلى "المرحلة التالية" من القتال في شمال البلاد، متعهدا بضرب حزب الله بـ"صورة قاسية".

وقال هاليفي، خلال جولة تفقدية في بلدة مجدل شمس: "رفعنا جاهزيتنا إلى المرحلة التالية من القتال في الشمال. وسنضرب حزب الله بصورة قاسية وسنعيده إلى الوراء، كما سنحقق الأمن وسنعيد السكان في الشمال إلى ديارهم".

"تهديدات متكررة"

وفي حديثه إلى موقع "الحرة"، رأى الخبير العسكري اللبناني، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، أن التهديدات الإسرائيلية ليست جديدة، مضيفا: "اعتدنا منذ الثامن من أكتوبر، وعقب تدخل حزب الله في الحرب لدعم قطاع غزة أن نسمع تصريحات كثيرة عن وجوب شن عمليات عسكرية برية كبيرة في الداخل اللبناني، ولاسيما من جانب الوزراء المتطرفين أمثال وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير".

ورأى الخبير اللبناني أن الظروف الإقليمية والدولية قد لا تسمح في الوقت الحالي بشن مثل تلك العمليات العسكرية، خاصة مع وجود دعوات للتهدئة وضبط النفس.

وبالفعل فإن وزير الخارجية الأميركية، أنتوني بلينكن،  قد أكد من طوكيو، الأحد، أن بلاده لا تريد أن ترى أي تصعيد، مطالبا بضبط النفس.

وأضاف في تصريحات صحفية:" "كل المؤشرات تدل على أن الصاروخ كان بالفعل من حزب الله، ونحن نؤيد حق إسرائيل في الدفاع عن مواطنيها من الهجمات الإرهابية". وفق وكالة فرانس برس.

وزاد: " نجري محادثات مع حكومة إسرائيل، ومرة أخرى أؤكد حقها في الدفاع عن مواطنيها وتصميمنا على التأكد من أنهم قادرون على القيام بذلك". 

وتابع: "لكننا لا نريد أيضًا أن نرى النزاع يتصاعد،  و لا نريد أن نرى توسعا. لقد كان هذا أحد أهدافنا منذ اليوم الأول، منذ 7 أكتوبر، وسنواصل القيام بذلك". 

وفي نفس السياق، أكدت فرنسا أنها ورغم تنديدها بالضربة على الجولان، فإنها تدعو في وقت نفسه إلى "تفادي تصعيد عسكري جديد".

"الأمر بيد أميركا"

من جانبه، نبه المحلل العسكري الإسرائيلي، المقدم المتقاعد كوفي لافي، في حديثه إلى "موقع الحرة" إلى أن أي تصعيد خطير مع حزب الله سوف يجر المنطقة إلى حرب شاملة وواسعة".

وشدد على أن الأمر يتعلق في الوقت الحالي بقدرة الولايات المتحدة على تأجيل ذلك.

وفي نفس السياق، أعرب المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآب شتيرين، خلال محادثة لـ"موقع الحرة" عبر تطبيق واتساب، أن بلاده "غير معنية بالتصعيد حاليا بحيث يصل الأمر  إلى شن هجوم كاسح على لبنان لأن تكلفة ذلك سوف تكون كبيرة".

ومع ذلك نقل موقع "أكسيوس" الأميركي، السبت، عن مسؤولين أميركيين قولهم، إن إدارة الرئيس جو بايدن، تشعر "بقلق بالغ" من أن يؤدي الهجوم على الجولان إلى "حرب شاملة" بين إسرائيل وحزب الله.

وقال مسؤول أميركي للموقع: "ما حدث اليوم (السبت) قد يكون المحفز الذي كنا نشعر بالقلق بشأنه، وحاولنا تجنبه لمدة 10 أشهر".

واعتبر الزميل الباحث في مبادرة الشرق الأوسط بكلية كينيدي بجامعة هارفارد، دانييل سوبلمان، أن الحادث بمثابة "تذكير بأن هذا النوع من إدارة الصراعات لا يزال ينطوي على اللعب بالنار، وأن الأطراف لا تملك السيطرة الكاملة على التصعيد".

وأضاف لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، أن ضربة السبت، كانت الأكثر خطورة على إسرائيل في 9 أشهر من القتال مع الميليشيات المتواجدة في لبنان.

وتتبادل إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية، القصف بشكل شبه يومي عبر الحدود منذ الهجوم الذي شنته حماس في 7 أكتوبر على إسرائيل، وأدى إلى اندلاع الحرب في قطاع غزة.

وقد ردت إسرائيل في ساعات الليل على "ضربة مجدل شمس"، بشن غارات متزامنة على 7 مناطق مختلفة "في عمق وجنوبي لبنان".

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، إن الغارات "استهدفت مخازن أسلحة وبنى إرهابية في مناطق شبريحة وبرج الشمالي والبقاع وكفركلا ورب ثلاثين والخيام وطير حرفا".

وحسب شتيرن، فإن تلك الضربات الإسرائيلية، جاءت كرد محدود حتى الآن، مشيرا إلى أن القادة السياسيين والعسكريين في بلاده سوف يختارون الوقت المناسب لشن عملية عسكرية كبيرة.

وتابع: "لا أعتقد أن إسرائيل سوف تنجر وراء تصعيد خطير كرد فعل عاطفي غير منضبط".

"بنسبة 50 بالمئة"

وفي المقابل، اعتبر المحلل العسكري الإسرائيلي، كوفي لافي أن " الغضب في الشارع الإسرائيلي سوف يشتد، وبالأخص عند الطائفة الدرزية، وذلك لكي ترد اسرائيل على المجزرة نفذها حزب الله".

وتعقيبا على التحذير الذي وجهته طهران إلى إسرائيل من عدم "المجازفة" في لبنان، قال "التهديدات الإيرانية تزداد طالما هناك فعلا احتمال لقطع ذراع آخر من أيدي إيران في المنطقة".

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، قال، الأحد، إن بلاده تحذر من "تداعيات غير متوقعة وردود فعل" لأي تصعيد في لبنان"، معتبرا أن ذلك قد يؤدي إلى "توسيع عدم الاستقرار وعدم الأمن والحرب في المنطقة".

وعن احتمال إقدام إسرائيل على القيام بعملية عسكرية برية كبيرة في لبنان، رأى المحلل العسكري السوري، المقيم في الأردن، إسماعيل أيوب، في حديثه إلى موقع "الحرة" أن ذلك سوف "يكون بمثابة جنون عسكري، إن جاز التعبير، لأن تداعيات ذلك سوف تكون كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي".

وأوضح أيوب أنه، ومنذ نحو 9 أشهر، فإن "الردود والضربات المتبادلة بين الجانبين اتسمت بضبط النفس إلى حد كبير، وربما يعود ذلك إلى وجود قواعد اشتباك تتضمن عدم استهداف المدنيين".

وتابع: "رغم موقفي من حزب الله، ولكن لا أعتقد أنه قد تقصد استهداف مدنيين عرب ينتمون إلى أقلية دينية لأن ذلك سوف يؤثر عليه في لبنان والمنطقة بشكل عام، وأنا أميل إلى فرضية سقوط صاروخ اعتراضي، وهنا أيضا لا أظن أن الأمر كان مقصودا من إسرائيل".

وفي ذات السياق، استبعد ملاعب حدوث تصعيد خطير يؤدي إلى حرب شاملة، موضحا: " الجيش الإسرائيلي استدعى 240 ألف جندي من الاحتياط وهذا أدى لاستنزاف كبير في قدراته البشرية، بالإضافة إلى أن الدعم المادي والدبلوماسي من الولايات المتحدة قد بدأ يخف، خاصة بعد سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في قطاع غزة لاسيما في مناطق من المفترض أنها إنسانية".

وزاد: "هناك نقطة مهمة أن هذه الحرب تحديدا ليست حرب جبهات أي لا يوجد تمركزات دفاعية مقابل هجمات، إذ أن إسرائيل تعتمد على الطيران في عملياتها الحالية، وفي المقابل تمكن الحزب من إلحاق ضرر كبير في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية مثل القبة الحرارية وأنظمة الرادار"، على حد قوله.

وشدد على أنه "حزب الله اكتسب خبرات كبيرة خلال العمليات التي يسميها عميات معقدة، التي تشترك فيها مجموعة من الصواريخ والمسيرات في نفس الهجمة، وهذا يقلق كثيرا الجانب الإسرائيلي لأن تلك الصواريخ قد تصل إلى بنك أهداف حيوي معد مسبقا".

وعلى نفس الصعيد اعتبر أيوب أن "حزب الله وبغض النظر عن موقفنا منه يمتلك مسلحين أشداء ونوعية متطورة من الأسلحة مقارنة بما تمتلكها الفصائل المسلحة في قطاع غزة، ولديه تجارب ميدانية في قتال الجيش الإسرائيلي".

وأردف: "وربما يكون قد حصل أيضا على وسائط دفاع جوي، إذ تمكن سابقا من إسقاط 4 طائرات مسيرة من نوع هيرمس 900 وهيرمس 450، كما أن سكان الجليل حتى الآن لم يستطيعوا أن يعودوا إلى ديارهم رغم اقتراب بدء السنة الدراسية، وبالتالي فقد يكون هناك رد غير منضبط من حزب الله يستهد المزيد من المدن"، في الشمال الإسرائيلي.

يشار إلى أن أكثر من 80 ألف إسرائيلي اضطروا إلى ترك منازلهم في العديد من المدن والبلدات في شمال إسرائيل منذ أن بدأت عمليات التصعيد بين الجيش الإسرائيلي وميلشيات حزب الله.

وبالتالي اعتبر أن أيوب هناك احتمالا بنسبة 50 بالمئة لأن تعمد إسرائيل إلى شن حرب واسعة النطاق على حزب الله، مردفا: "وضعت هذه النسبة لأنني أعتقد أنه لا يمكن لأي محلل عسكري أن يجزم بشكل نهائي بعدم حدوث ذلك التصعيد الكبير الذي سوف يكلف المنطقة برمتها أثمانا باهظة ينجم عنها الكثير من الضحايا كما يحدث في (الحروب الغبية) التي رأيناها سابقا".

وأما ملاعب، فاعتبر وفي سياق مرتبط بطلب وزير الخارجية اللبناني من الولايات المتحدة، أن تحث إسرائيل على "ضبط النفس"، أنه لن يكون هناك أي حرب مقبلة.

وشدد على أن "إسرائيل سوف تواصل السياسة التي كشف عنها رئيس أركان جيشها قبل شهرين، التي تستهدف تجفيف منابع حزب الله اللوجستية والقيادية".

وزاد: "لذلك لا أعتقد أنه سوف تكون هناك تداعيات كبيرة، وأظن حكومة نتانياهو لن ترضخ لدعوات اليمين لتوريط إسرائيل وحلفاءها الغربيين، خاصة إذا تدخل (محور المقاومة) بشكل أكبر في الصراع، وهذا أمر لا ترغب فيه الولايات المتحدة".

واتفق، المحلل الإسرائيلي، يوآب شتيرن، مع ما ورد آنفا، قائلا: "قد تكون هناك ضربات إسرائيلية قوية وشديدة، ولكن مع الحرص على عدم حدوث تصعيد خطير".

وختم بالقول: "ذلك أمر يحرص عليه حزب الله أيضا، خاصة بعدما نفى بشكل قاطع مسؤوليته عما حدث في مجدل شمس".

البابا فرنسيس

في صباح مشمس من مارس 2021، وقف طفل ملوحا بعلم عراقي صغير، على حافة الرصيف في مدينة النجف، يتأمل موكبا رسميا لم يَعْهد له مثيلا من قبل. 

وسط الجموع، لمح الطفل الثوب الأبيض للزائر الغريب وهو يخطو على مهل داخل أزقة المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة.  لم يكن ذلك الطفل يعلم على الغالب أنه كان شاهدا على واحدة من الزيارات البابوية التي ستسجل في كتب التاريخ باعتبارها لحظة نادرة ومفصلية في علاقة الأديان في الشرق الأوسط. 

في تلك الزيارة التي وقّتها البابا مع بدء تعافي الكوكب من فايروس كورونا، وبدء تعافي العراق من "داعش"، زار البابا الراحل المناطق التي دمرها داعش في أور والموصل، وحمل معه للعراق عموماً وللمسيحيين خصوصاً رسالة أمل رمزية لكنها شديدة العمق: "السلام ممكن، حتى من قلب الألم". 

خلال لقائه بالمرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، في المدينة الشيعية المقدسة، بحث رأس الكنيسة الكاثوليكية مع رأس الحوزة "التحديات الكبيرة التي تواجهها الإنسانية"، وقد شكل ذلك اللقاء "فرصة للبابا ليشكر آية الله السيستاني لأنه رفع صوته ضد العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعاً عن الضعفاء والمضطهدين، بحسب بيان وزعه المكتب الصحفي للكرسي الرسولي بعد اللقاء.

منذ حمله لقب "صاحب القداسة" في العام ٢٠١٣، أولى البابا فرنسيس أهمية كبيرة للبقعة الجغرافية التي تتنازعها الحروب والنيران على طول خريطة الشرق الأوسط. والتفت البابا بعين دامعة، الى البشر الذين يُدفعون بسبب الحروب والمآسي إلى البحار هرباً من الموت على اليابسة. 

خرج صوت البابا من أروقة الفاتيكان، بخشوع وألم، ليعبر بنبرة أب قلق على أبنائه وبناته في تلك البقعة من العالم، من تمييز بينهم على أساس أديانهم أو طوائفهم. 

رفع البابا صوته وصلواته لضحايا الهجرة، ووقف على شاطئ المتوسط منادياً العالم: "أولئك الذين غرقوا في البحر لا يبحثون عن الرفاه، بل عن الحياة". وفي لقائه بلاجئين سوريين خلال زيارته إلى اليونان، طلب "ألا يتعامل العالم مع المهاجرين كأرقام، بل كوجوه وأرواح". 

لا يمكن الفصل بين رؤية البابا فرنسيس لقضايا الشرق الأوسط وبين خلفيته الآتية من أميركا اللاتينية، كما يشرح الباحث في العلاقات الإسلامية المسيحية روجيه أصفر لموقع "الحرة". 

يقول أصفر إن "المنطقة التي أتى منها البابا وشهدت صعود لاهوت التحرير وتعيش فيها الفئات المسحوقة والديكتاتوريات، لابد أن تخلق لديه حساسية تجاه قضايا شعوب الشرق الأوسط التي تعاني من نموذج مشابه من الديكتاتوريات". 

وايضاً يجب الأخذ بعين الاعتبار، بحسب أصفر، المعرفة العميقة لدى البابا بالإسلام، "ومع كل الاستقطاب الديني الذي نشهده في العالم، وصعود الإسلاموفوبيا، تمكن البابا من نسج علاقات جيدة بالعالم العربي والمرجعيات الدينية فيه وخصوصاً مع الأزهر وتوقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية التي تعتبر متقدمة جداً في مجال الحوار بين الأديان".

جال البابا في زيارات مختلفة توزعت على دول عربية، وحط في العام ٢٠١٧ في مصر، بعد تفجيرات استهدفت الكنائس القبطية، والتقى حينها بشيخ الأزهر، أحمد الطيب، وشارك في مؤتمر للسلام. هناك قال إن "الإيمان الحقيقي هو ذلك الذي يدفعنا إلى محبة الآخرين، لا إلى كراهيتهم". 

بعدها بسنتين، زار الإمارات في زيارة تاريخية لأول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، ووقع مع شيخ الأزهر وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التاريخية، داعياً من قلب الخليج إلى "نبذ الحرب، والعنصرية، والتمييز الديني". كما ترأس قداساً حضره أكثر من 100 ألف شخص في استاد زايد، ليقول للعالم: "الإيمان يوحّد ولا يُفرّق".

ما فعله البابا هو "كسر الحواجز وتأسيس منطلقات نظرية لاهوتية وشرعية وفقهية مع الجانب المسلم والتعاون لتأسيس للعيش معاً بشكل أفضل"، يقول أصفر. ويتابع: "البابا انطلق في ذلك من سلطته المتأتية من صلاحية قوية جداً على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية التي تضم أكبر جماعة مسيحية في العالم". 

حينما وقع انفجار هائل في مرفأ بيروت في أغسطس من العام ٢٠٢٠، عبّر البابا فرنسيس عن تضامنه العميق مع الشعب اللبناني، ووصف لبنان بأنه "رسالة" في التعايش، داعيًا العالم لعدم التخلي عنه: "لبنان لا يمكن أن يُترك وحيدًا... هو كنزٌ يجب الحفاظ عليه". 

خصص صلوات كاملة لأجل "نهضة لبنان من الرماد"، وكان يخطط لزيارة بيروت قبل أن تؤجل الزيارة بسبب وضعه الصحي. وأبدى اهتماماً كبيراً بأزمة السودان، وتدهورها في السنوات الأخيرة إلى انتهاكات شنيعة لحقوق الإنسان، فرفع الصلوات لسلام السودانيين ودعا إلى حماية المدنيين مما سماه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

كما عبّر البابا فرنسيس مراراً عن قلقه العميق من تدهور الأوضاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الأوسط وانسحاب الصراع إلى دول أخرى مثل لبنان. 

خلال زيارته لبيت لحم عام 2014، آتياً من الأردن، تحدث عن السلام وأهميته وعن حق الفلسطينيين كما الإسرائيليين بالأمان. 

وبعد الهجوم الذي شنّته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدان البابا فرنسيس بوضوح قتل المدنيين واختطاف الأبرياء، مع دعوة لوقف العنف من الجانبين: "أتابع بألم ما يحدث في إسرائيل وفلسطين... أدعو إلى الوقف الفوري للعنف الذي يحصد أرواحًا بريئة. الإرهاب والعنف لا يحققان السلام أبدًا".

ودعا إلى إطلاق سراح الرهائن وفتح ممرات إنسانية لغزة، مؤكدًا أن "كل إنسان له الحق في العيش بكرامة، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً".

في العام ٢٠٢٢ شارك في "ملتقى البحرين للحوار"، في زيارة ثانية الى الخليج، كشفت عن اهتمامه بتلك البقعة من العالم، حيث دعا إلى احترام الحريات الدينية، والحوار بين المذاهب والأديان، مؤكدًا أن "الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى صراع".

لم يكن البابا الراحل فرنسيس يوماً زائراً غريباً عن المنطقة، وعن الشرق الأوسط، بل كان يحمل في قلبه الحب لجميع شعوب العالم، ويحمل بلسانه لغة الحوار والعدالة التي يفهمها الجميع بمعزل عن اختلاف لغاتهم. 

كان يعرف كيف يقارب الصراعات الحساسة بحسّ إنساني عال وبشجاعة ملحوظة، فيقف إلى جانب المدنيين دائما في الصراعات العسكرية، ويدعو المتحاربين إلى انهاء حروبهم وتجنيب المدنيين قسوة الحروب ومآسي القتل والدمار والتهجير.