منظر جوي يظهر مدينة هرجيسا بمنطقة "أرض الصومال"- صورة أرشيفية.
منظر جوي يظهر مدينة هرجيسا بمنطقة "أرض الصومال"- صورة أرشيفية.

رغم جهود "الوساطة التركية" لحل الأزمة بين الصومال وإثيوبيا، هاجم الرئيس الصومالي، أديس أبابا متهما إياها بـ"المساس بسيادة بلاده"، بعد أيام قليلة من توقيع "اتفاقية تعاون عسكري مشترك" مع مصر، فما وراء تلك التطورات المتعاقبة؟

ما وراء "الاتهامات الصومالية"؟

السبت، اتهم الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، إثيوبيا بأنها "ترفض الاعتراف بالصومال دولة ذات سيادة"، في وقت تشهد فيه العلاقات بين الجارتين توترا منذ أن وقعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع منطقة أرض الصومال الانفصالية.

وقال الرئيس "ما دامت إثيوبيا لا تعترف بسيادة الصومال، فلن نتمكن من الحديث (عن الوصول إلى البحر) أو أي شيء آخر"، متهما أديس أبابا بـ"انتهاك القانون الدولي ورفض الامتثال للقوانين الدولية كي يصبح ممكنا إجراء مفاوضات".

ويرى الباحث المصري في شؤون الشرق الأوسط، فادي عيد، أن الصومال "ضاق ذرعا" بالتدخل الإثيوبي في الشأن الداخلي الصومالي.

وتحاول أديس أبابا "التوغل في الأراضي الصومالية، ودعم انفصال (أرض الصومال) عن الصومال"، ما أجبر مقديشو على النفور من تصرفات رئيس الوزراء الإثيوبي، أبيي أحمد، وفق حديث عيد لموقع "الحرة".

ومن جانبه، يعتبر المحلل السياسي التركي، مهند حافظ أوغلو، أن اتهامات الرئيس الصومالي "تأتي في سياق الضغط السياسي".

وتحاول الصومال "ممارسة ضغوط سياسية" على إثيوبيا، لحثها على عدم الاعتراف بانفصال إقليم "أرض الصومال" عن البلاد، بالتزامن مع وجود "مفاوضات" بين الجانبين بوساطة تركية، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ومطلع يناير، أبرمت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال للوصول إلى البحر، مع التزامها الاعتراف باستقلال هذه المنطقة التي انفصلت أحاديا عن الصومال.

وزعمت السلطات الانفصالية في أرض الصومال أنه في مقابل هذا الوصول إلى البحر، ستصبح إثيوبيا أول دولة تعترف بها رسميا، وهو أمر لم تفعله أي دولة منذ أن أعلنت المنطقة الانفصالية الصغيرة البالغ عدد سكانها 4.5 ملايين نسمة استقلالها أحاديا عن الصومال عام 1991.

ومن جانبها، نددت مقديشو بالاتفاق ووصفته بأنه "غير قانوني"، وردت بطرد السفير الإثيوبي وهددت بطرد آلاف الجنود الإثيوبيين المتمركزين في الصومال الذين يساعدون في قتال مسلحين متشددين.

وفتح هذا الاتفاق المجال أمام أزمة جديدة بين الجارتين في شرق أفريقيا واللتين كانتا قد تواجهتا مرّتين في القرن الماضي.

هل فشلت الوساطة "التركية"؟

تتمتع تركيا بعلاقات وثيقة مع إثيوبيا والصومال، حيث تدرب قوات الأمن الصومالية وتقدم مساعدات إنمائية مقابل الحصول على موطئ قدم في مسار شحن عالمي رئيسي.

وتتوسط تركيا في القضية التي تثير خلافا بين الجارتين اللتين تجمع بينهما علاقات متوترة، وذلك بهدف السماح لإثيوبيا بالوصول إلى المياه الدولية عبر الصومال لكن من دون المساس بسيادتها الإقليمية.

وعقدت محادثات بين إثيوبيا والصومال في الأول من يوليو في العاصمة التركية، التي شهدت أيضا "جولة ثانية" من المحادثات في 13 أغسطس.

ومن المقرر عقد جولة ثالثة من المحادثات في 17 سبتمبر في أنقرة.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يشير المحلل السياسي الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد حسن، إلى أن الرئيس الصومالي "يريد أن يستعجل إنهاء الوساطة التركية، لأنها كادت أن تصل لمراحل متقدمة".

وهناك إعداد لجولة ثالثة من المفاوضات بين إثيوبيا والصومال، لكن الرئيس الصومالي "يحاول إيقاف الجهود التركية التي تسير عكس رغبات مقديشو"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

لكن على جانب آخر، يؤكد المحلل السياسي الصومالي، عمر فارح، أن الجولة الثانية من المفاوضات بين الصومال وإثيوبيا برعاية أنقرة قد انتهت "دون التوصل إلى حل للأزمة".

وبالتزامن مع قرب "الجولة الثالثة من المفاوضات"، ما زال الصومال "يتشبث بوحدة وسيادة أراضيه"، وبالمقابل "ترغب إثيوبيا في الوصول إلى منفذ بحري، بطريقة غير قانونية"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ومن جانبه، يستبعد أوغلو "فشل جهود الوساطة التركية" بين إثيوبيا والصومال.

ويشير إلى أن أنقرة سوف تحتضن "جولة جديدة من المفاوضات بين الجانبين، والوساطة التركية لا تزال فاعلة ومهمة".

ما علاقة القاهرة؟

الأربعاء، استقبل الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، نظيره الصومالي، مؤكدا "دعم مصر لسيادة الصومال".

وفي بيان عبر صفحته بموقع "فيسبوك"، أوضح المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية، أن السيسي أكد خلال اللقاء "موقف مصر الداعم لوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، والرافض لأي تدخل في شؤونه الداخلية". وخلال الزيارة تم التوقيع على "بروتوكول تعاون عسكري بين الدولتين".

ويعتقد حسن أن "الصومال قد غير موقفه بعد توقيع اتفاقية تعاون عسكري مع مصر خلال الأيام الماضية".

وربما أراد الرئيس الصومالي أن "يعطي زخم" لاتفاقية التعاون العسكري مع مصر، وتحقيق "مكاسب سياسية" شعر أنه "لن يستطيع تحقيقها عبر الوساطة التركية"، وفق المحلل السياسي الإثيوبي.

لكن على جانب آخر، يشدد فارح على أن "الصومال لم يغير أبدا، موقفه المنصب لحماية سيادة أراضي الدولة".

واتفاقية التعاون العسكري بين الصومال ومصر هي "امتداد لتوطيد العلاقات الثنائية الطويلة بين البلدين والشعبين الشقيقين"، ويتقاسم البلدان "مصالح مشتركة"، وكلاهما عضو في الاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية، وفق حديث المحلل السياسي الصومالي.

ومن جانبه، لا يظن أوغلو أن "اتفاقية التعاون العسكري ما بين مقديشو والقاهرة تسببت في تغيير موقف الصومال".

وعلى النقيض فالموقف الصومالي "أقوى" لأن دول إقليمية "فاعلة" تدعمه وتؤيده ممثلة في مصر من جهة، وتركيا من جهة أخرى، في ظل "اعتبارات سياسية ومصالحة بعيدة المدى لكلا الدولتين"، وفق المحلل السياسي التركي.

أما عيد فيؤكد أن القاهرة "تنشط بقوة في أفريقيا"، خلال الفترة الأخيرة، وتدشن " مشروعات لوجستية بمساحات ضخمة "، في عدة دول على غرار كينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا، ولديها "علاقات عسكرية قوية" مع غالبية تلك الدول.

واستغلت مصر "الفرصة" ليكون لديها "وجود وحضور رسمي عسكري" في الصومال التي كانت تمثل تاريخيا بداية "النفوذ المصري" وترتبط بـ"التاريخ والجغرافيا المصرية"، وفق المحلل السياسي المصري.

وفي ظل ما تفعله أديس أبابا بـ"ورقة سد النهضة"، فالتواجد العسكري المصري في الصومال "ضرورة" لمنع وجود "أي منفذ بحري لإثيوبيا، ووقف التمدد الإثيوبي نحو البحر"، حسبما يضيف عيد.

حل "دبلوماسي أم عسكري"؟

عسكريا، تحل إثيوبيا في المرتبة 49 بين أقوى جيوش الأرض، بينما تحتل الصومال المرتبة 142، وفق موقع "غلوبال فاير باور".

وأثار النزاع بين مقديشو وأديس أبابا مخاوف كبرى بشأن استقرار منطقة القرن الأفريقي وقد دعت دول ومنظمات دولية عدة إلى احترام سيادة الصومال.

ويرى فارح أن "الحل الدبلوماسي، هو الفيصل الوحيد في مثل هذه القضايا العالقة".

ويؤكد المحلل السياسي الصومالي أن الصومال ليس مستعدا لصدام مع إثيوبيا، ويسير عبر "القنوات الدبلوماسية"، بما في ذلك مراعاة القانون الدولي، والمواثيق الأممية.

والصومال لم يكن يوما من الأيام جزءا من إثارة القلاقل في أراضي إثيوبيا، ولكن مقديشو تحذر حاليا من سيناريو آخر، وهو الوصول إلى بحرها بطريقة "غير قانونية"، وفق فارح.

ويشير في الوقت ذاته إلى أن الصومال بصدد "تعزيز قدراته العسكرية"، ولذلك فإذا لزم الأمر فسوف يستقبل "قوات من الجيش المصري"، وفقا للاتفاقية العسكرية المبرمة بين البلدين مؤخرا.

ومن جانبه، يشدد حسن على أن "لا بديل عن التفاوض والحوار وحل الأزمة بين البلدين بالطرق الدبلوماسية السلمية".

وليست هناك أزمة "إثيوبية صومالية"، لكن الخلاف بين الصومال و(أرض الصومال)، والقضية سوف تنتهي عبر "الحوار والحل الدبلوماسي"، وفق المحلل السياسي الإثيوبي.

ويشير إلى أن إثيوبيا تسعى لـ"حل مشاكلها مع دول الجوار، ودفعت ثمنا باهظا للحفاظ على سيادة الصومال ووحدة أراضيها، بوجود آلاف من جنود الجيش الإثيوبي طوال الثلاثة عقود الماضية".

وإثيوبيا حريصة على "الحصول على منفذ بحري" لكن ليس على حساب "علاقاتها مع دول الجوار" أو استقرار منطقة القرن الأفريقي، وفق حسن.

وتعد إثيوبيا الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم التي "لا تملك منفذا على البحر" منذ انفصال إريتريا عام 1991، وإعلانها استقلالها في 1993 بعد حرب استمرت ثلاثة عقود.

ومن جانبه، يتوقع أوغلو حدوث "مقايضات وضغوط" للتوصل إلى تفاهمات سياسية بين الصومال وإثيوبيا.

وسوف تسعى جميع الأطراف لـ"تهدئة التوترات، وتجنب الصدام المباشر، وقد يكون هناك تلين للموقف الإثيوبي، من خلال أدوات تمتلكها تركيا من جهة وتمتلكها بطريقة غير مباشرة مصر من جهة أخرى"، وفق المحلل السياسي التركي.

ويرى أن "الأمور لا تزال تحت السيطرة"، ولذلك فمصير الأزمة الحالية يرتبط بـ"حلول مرحلية" ومن ثم تتبعها "حلول استراتيجية واسعة المدى"، على حد وصف أوغلو.

ومن جهته، يربط عيد مسار حل الأزمة إذا كان "دبلوماسيا أم عسكريا"، بـ"الخطوات القادمة لرئيس الوزراء الإثيوبي".

ويستبعد الباحث السياسي المصري أن "تلجأ إثيوبيا للصدام"، في ظل المتغيرات "القائمة" لأنها تعلم جيدا أن "رد الفعل المصري سيكون كبيرا وغير متوقع"، على حد تعبيره.

القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)
القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)

سلط تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على التغير المفاجئ في موقف المرشد الإيراني علي خامنئي من إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، والتي من المقرر أن تنطلق السبت في سلطنة عمان.

ووفقا لمسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فقد ضغط كبار المسؤولين الإيرانيين على خامنئي من أجل السماح بالتفاوض مع واشنطن بحجة أن خطر اندلاع الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد قد يؤديان إلى إسقاط النظام.

وقال هؤلاء المسؤولون إن القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي للرد على دعوة الرئيس الأميركي لخامنئي للتفاوض بشأن البرنامج اللنووي الإيراني.

وحضر الاجتماع كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وفقا لما ذكره مسؤولان إيرانيان كبيران مطلعان على تفاصيل الاجتماع.

وبحسب الصحيفة فقد تضمنت الرسالة الواضحة والصريحة التي أبلغوها لخامنئي السماح لطهران بالتفاوض مع واشنطن، حتى ولو بشكل مباشر إن لزم الأمر، لأن البديل هو احتمال إسقاط حكم الجمهورية الإسلامية.

وحذر المسؤولون الإيرانيون من أن خطر اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل جدي للغاية، وأبلغوا خامنئي بأنه إذا رفضت إيران الدخول في محادثات أو فشلت المفاوضات، فإن الضربات العسكرية على اثنين من أهم المواقع النووية في إيران، وهما نطنز وفوردو، ستكون حتمية.

وقال المسؤولون لخامنئي إن إيران ستكون مضطرة عندها للرد، مما سيعرضها لخطر اندلاع حرب أوسع نطاقًا، وهو سيناريو من شأنه أن يُفاقم تدهور الاقتصاد ويؤجج الاضطرابات الداخلية، مشددين أن القتال على جبهتين، داخلية وخارجية، يُشكل تهديدا وجوديا للنظام.

وفي نهاية الاجتماع الذي استمر لساعات، تراجع خامنئي عن موقفه، ومنح الإذن بإجراء محادثات، تبدأ بشكل غير مباشر عبر وسيط، ثم مباشرة إذا سارت الأمور بشكل جيد، بحسب ما ذكره المسؤولان.

وكان ترامب أصدر إعلانا مفاجئا، الاثنين، قال فيه إن واشنطن وطهران تعتزمان بدء محادثات في سلطنة عمان، التي توسطت بين الغرب وطهران من قبل.

وخلال ولايته الأولى، قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين قوى عالمية وطهران. وأدى رجوعه إلى البيت الأبيض إلى إعادة اتباع نهج أكثر صرامة مع إيران التي ترى إسرائيل حليفة واشنطن أن برنامجها النووي يشكل تهديدا لوجودها.

وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل في شتى أنحاء المنطقة، بما في ذلك داخل إيران، إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية وحلفائها.

وجاءت الهجمات الإسرائيلية بعد اندلاع حرب غزة عقب هجوم شنته حركة حماس، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، على إسرائيل في أكتوبر 2023.

ومنذ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الاتفاق النووي المبرم في 2015، والتي دعمها سلفه باراك أوباما ووافقت إيران بموجبها على الحد من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، عملت طهران على تخصيب مخزون من اليورانيوم يكفي لإنتاج رؤوس نووية بسرعة نسبيا.