جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في غزة

أكد وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، أن بلاده "ملتزمة بأمن إسرائيل"، وذلك على الرغم من تعليق بريطانيا بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى ذلك البلد الذي يخوض حربا في قطاع غزة منذ أكثر من 10 أشهر.

ووفقا لوكالة "رويتز"، فإن هيلي أوضح أن القرار البريطاني "لن يكون له تأثير ملموس على أمن إسرائيل".

 وكانت المملكة المتحدة قد أعلنت، الإثنين، أنها ستعلق 30 من أصل 350 ترخيصا لتصدير الأسلحة إلى إسرائيل، مشيرة إلى "خطر واضح" من إمكان استخدامها في انتهاك خطير لقانون الإنساني الدولي، حسب وكالة فرانس برس.

وقال وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، أمام البرلمان: "بالنسبة لبعض صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، هناك خطر واضح من أنها ستستخدم لارتكاب أو تسهيل انتهاك خطير للقانون الإنساني الدولي".

ويشمل الحظر الجزئي، عناصر "يمكن استخدامها في النزاع الحالي في غزة" بين إسرائيل وحركة حماس، وفق ما أوضح الوزير.

من جانبه، انتقد وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، القرار البريطاني، قائلا عبر منصة "إكس": "أشعر بخيبة أمل شديدة، بعدما علمت بالعقوبات التي فرضتها حكومة المملكة المتحدة على تراخيص التصدير إلى المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية".

واعتبر أن القرار "يأتي في وقت نخوض فيه حربا على 7 جبهات مختلفة".

وشدد لامي على أن "هذا ليس منعا عاما، وليس حظرا"، مضيفا أنه لا يشمل مكونات لطائرات إف-35 المقاتلة.

ويأتي هذا القرار إثر انتهاء مراجعة تراخيص الأسلحة المصدرة إلى إسرائيل، التي طلبها وزير الخارجية البريطاني بعيد توليه منصبه في بداية يوليو.

وفي معرض تأكيده دعمه لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، قال لامي إن التعليق "ليس تأكيدا على البراءة أو الإدانة" وأن موقف الحكومة البريطانية ليس ثابتا.

وتابع :"لم ولا يمكننا الحكم بشأن ما إذا كانت إسرائيل انتهكت القانون الإنساني الدولي"، لافتا إلى أن المملكة المتحدة "ليست محكمة دولية".

ومنذ وصولها إلى السلطة في بداية يوليو، دعت حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر (يسار الوسط) مرارا إلى وقف الحرب في غزة، التي اندلعت في 7 أكتوبر إثر هجوم غير مسبوق شنته حماس على إسرائيل.

والأسبوع الماضي، قال وزير الخارجية البريطاني إنه يشعر بقلق "عميق" إزاء العملية العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية.

من جهته، اعتبر مدير مكتب منظمة العفو الدولية في بريطانيا، ساشا ديشموخ، أنه "في حين يبدو أن هذا القرار يظهر أن المملكة المتحدة قبلت أخيرا الأدلة الواضحة والمثيرة للقلق على ارتكاب جرائم حرب في غزة، فهو للأسف محدود للغاية ومليء بالثغرات".

وأشار خصوصا إلى الإعفاء المتعلق بطائرات إف-35، في حين أنها "تستخدم على نطاق واسع في غزة".

وأضاف ديشموخ أن الحكومة "لا تزال معرضة لخطر التواطؤ في جرائم الحرب والفصل العنصري وربما الإبادة الجماعية".

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.