جانب من "مكسيكو سيتي" (أرشيفية)
جانب من "مكسيكو سيتي" (أرشيفية)

قال مسؤولون أميركيون وضباط استخبارات سابقون في تصريحات لشبكة "إن بي سي نيوز" الأميركية، إن أجهزة الاستخبارات الروسية "تعمل على تعزيز وجودها في المكسيك، بغرض القيام بعمليات تجسس تستهدف الولايات المتحدة"، مما يمثل "عودة إلى تكتيكات الحرب الباردة" التي كانت سائدة قبل انهيار الاتحاد السوفيتي.

وأضافت روسيا عشرات الأفراد إلى طاقم سفارتها في  العاصمة مكسيكو سيتي، في السنوات القليلة الماضية، على الرغم من أن موسكو لديها علاقات تجارية محدودة مع المكسيك، وفق الشبكة.

وأوضح مسؤولون أميركيون، أن هذا الاتجاه "مثير للقلق"، لافتين إلى أن تلك الزيادة في أعداد الموظفين الروس "تهدف إلى تعزيز العمليات الاستخباراتية للكرملين، التي تستهدف الولايات المتحدة، فضلاً عن جهوده الدعائية الرامية إلى تقويض واشنطن وكييف".

وأثارت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، القضية مع الحكومة المكسيكية، وفقًا لمسؤول تحدث إلى "إن بي سي نيوز"، مضيفا: "لقد استثمرت روسيا حقًا في المكسيك، من حيث السعي إلى توسيع وجودها".

ولم ترد السفارة المكسيكية والسفارة الروسية بواشنطن على طلبات للتعليق أرسلتها "إن بي سي نيوز".

وفي وقت سابق هذا الشهر، قال مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ويليام بيرنز، إن وكالته والحكومة الأميركية "تركزان بشدة" على توسع نفوذ موسكو في المكسيك، معتبرا أنه كان ناجما جزئيا عن "طرد الجواسيس الروس من العديد من العواصم الأوروبية" بعد غزو قوات الكرملين لأوكرانيا في أواخر فبراير 2022.

وقال بيرنز خلال وجوده في لندن هذا الشهر، عندما سئل عن التجسس الروسي المشتبه به من المكسيك: "جزء من هذا يرجع إلى حقيقة أن العديد من ضباط الاستخبارات الروس طردوا من أوروبا.. لذا فهم يبحثون عن أماكن للذهاب إليها ويمكنهم العمل فيها".

وأوضح مسؤولون استخباراتيون سابقون، وفق الشبكة الأميركية، أن تصرفات روسيا في المكسيك "تعكس موقفا أكثر عدوانية من جانب أجهزتها الاستخباراتية عبر جبهات متعددة، حيث يسعى الكرملين إلى إسكات المنتقدين في الخارج وتقويض الدعم الدولي لأوكرانيا وإضعاف الديمقراطيات الغربية".

وشمل هذا النهج، "التخريب ومحاولة التخريب في أوروبا، ومخططات اغتيال، وهجمات إلكترونية متواصلة، وحملات تضليل عالمية واسعة النطاق"، حسب مسؤولين أميركيين وأوروبيين.

وفي هذا الصدد، قال بول كولبي، الذي عمل لمدة 25 عامًا كضابط عمليات في وكالة الاستخبارات الأميركية "سي آي إيه"، في روسيا والبلقان وأماكن أخرى: "إنهم (الروس) على استعداد لتحمل أخطار أعلى بكثير الآن، من تلك التي كان من الممكن أن يتحملوها في فترة ما بعد الحرب الباردة مباشرة".

وفي نفس السياق، كان رئيس القيادة الشمالية الأميركية، الجنرال غلين فان هيرك، قد أخبر لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في مارس 2022، أن جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي "له وجود ضخم في المكسيك".

معلومات أفادت أن جاسوسا دخل مكتب وزير الدفاع. أرشيف
مسؤول فرنسي سابق يتراجع عن تصريحه بوجود "جاسوس روسي في وزارة الدفاع"
تراجع المدير السابق للمديرية العامة الفرنسية للأمن الخارجي، برنار باجوليه، الاثنين، عن تصريح نشر مساء الأحد، ضمن فيلم وثائقي، بدا فيه أنه يؤكد بوضوح أن جاسوسا يعمل لحساب روسيا تواجد في مكتب وزير الدفاع الفرنسي عام 2017.

وبعد تعليقات فان هيرك، التي جاءت عقب وقت قصير من إطلاق موسكو لغزوها لأوكرانيا، واصلت روسيا توسيع وجودها في السفارة في مكسيكو سيتي، وحصلت على اعتماد من السلطات المكسيكية.

وعندما سُئل عن تعليقات فان هيرك في ذلك الوقت، قال الرئيس المكسيكي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، إنه لا يملك معلومات عنها وإن بلاده "دولة حرة ومستقلة وذات سيادة".

ورغم أن المكسيك بنت علاقات تجارية واسعة النطاق مع الولايات المتحدة على مدى عقود من الزمان، فإنها حاولت "الابتعاد عن الانحياز الكامل للسياسة الخارجية لأميركا، وحافظت على علاقات ودية مع روسيا وكوبا".

"بيئة مناسبة"

من جانبه، رأى جون سيفر، الذي عمل في الخدمة السرية لـ"سي آي إيه" لمدة 28 عامًا، أن روسيا "كانت دائمًا تخبر الأميركيين الذين يعرضون التجسس لصالح موسكو بالتوجه إلى المكسيك".

وقال سيفر: "لعقود من الزمان، إذا تواصل أميركيون وتطوعوا للتجسس لصالح موسكو، كان يُطلب منهم السفر إلى مكسيكو سيتي، لأن البيئة التي تعمل فيها الاستخبارات الروسية في الولايات المتحدة صعبة".

وعلى عكس الولايات المتحدة، حيث تخضع الاستخبارات الروسية لتدقيق مكثف من مكتب التحقيقات الفدرالي "إف بي آي"، فإن المكسيك "تقدم بيئة ملائمة وأقل خطورة لروسيا، للإشراف على العملاء في الولايات المتحدة وتنفيذ عمليات أخرى"، وفقً ما نقلت "إن بي سي نيوز" عن ضباط استخبارات سابقين.

وفي هذا المجال، قال دوغلاس لندن، ضابط العمليات المتقاعد في "سي آي إيه: "هذا منطقي للغاية، وهذا هو سبب وجود الروس هناك بأعداد كبيرة".

وأضاف أن الروس "ربما يرغبون في استخدام قرب المكسيك من الولايات المتحدة، واستغلال عامل الأمان النسبي بعيدًا عن متناول سلطات إنفاذ القانون"، مشيرا إلى أن "العميل الأميركي الذي يعمل لصالح المخابرات الروسية قد يسافر ذهابًا وإيابًا عبر الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، ويلتقي بمشغلين روس للحصول على أجره وتقديم المعلومات وتلقي التدريب على أساليب الاتصال أو غيرها من طرق التجسس".

"أعمال تخريب"

وذكر ضباط مخابرات سابقون أن المخابرات الروسية "قد تستغل أيضًا قرب المكسيك لاستهداف أعداء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، السياسيين داخل الولايات المتحدة".

وأوضحوا أن جزءًا من تفويض جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي هو "إعداد عمليات تخريب محتملة في حالة نشوب حرب مع الولايات المتحدة، حيث تكون المكسيك قاعدة عملية لمثل هذه الخطط الطارئة".

وقال كولبي إن "تصور وجود معقل تجسس روسي كبير في المكسيك يفيد روسيا كأداة دعائية، لتضخيم قدراتها".

وذكرت "إن بي سي نيوز" إن المسؤولين الأميركيين "يشعرون بالقلق إزاء جهود روسيا للتلاعب بالمشهد الإعلامي في المكسيك"، حيث وسعت موسكو من انتشار قنواتها هناك وسط حملة دعائية ضخمة.

ولفتت الشبكة إلى أنه في أبريل الماضي، "نشر السفير الروسي في المكسيك تقريرًا كاذبًا لوسائل الإعلام الروسية الرسمية، يزعم فيه أن الولايات المتحدة، كانت تجند أعضاء من عصابات المخدرات من المكسيك وكولومبيا لإرسالهم للقتال في أوكرانيا".

وأوضحت أن بعض المؤسسات الإخبارية المكسيكية سارعت إلى نشر ذلك التقرير، دون أن تتأكد من صحته.

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.