Aftermath of Israeli airstrikes on Beirut's southern suburbs
آثار الغارات الجوية الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت

مع كل تطور جديد في منطقة الشرق الأوسط، يتجدد النقاش حول قدرة الدول الكبرى على التدخل وإنهاء الصراعات المتصاعدة في منطقة باتت ساحة للنزاعات المتلاحقة تعكس ملامح تحولٍ جذري في ميزان القوى العالمية.

ويبدو أن القوى الكبرى لم تعد تمتلك السيطرة التي تخولها إيقاف دوامة العنف أو التأثير الحاسم في مسار الحروب، وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

وتشير الصحيفة إلى أن عاما من القتال لم يظهر سوى عجز القوى العالمية عن وقف النزاع أو حتى توجيه الأحداث بشكل ملموس، مما يعكس واقعا مضطربا تحكمه قوى متفرقة وعالم لا مركزي في سلطته.

وبعد اتساع الصراع ليشمل إسرائيل وحزب الله وصولا إلى انخراط الحوثيين في اليمن، تبدو محاولات الغرب الحالية لتجنب حرب شاملة "غير مؤكدة النجاح"، وفق الصحيفة.

وفي تقرير نشرته مجلة "فورين أفيرز"، سلط المحلل السياسي، أندرو ميلر، الضوء على هذه القضية محاولا تقديم حل منطقي لما يجري.

ويقول التقرير إن المفاوضات بين إسرائيل وحماس في غزة تبدو في طريق مسدود، ورغم أن الرئيس الأميركي، جو بايدن، وضع إطارا يتضن وقف إطلاق النار وعودة الرهائن، أضاف الطرفان المتحاربان شروطا جديدة وطالبا بتنازلات.

وبعد أسابيع من التصريحات المتفائلة، يبدو أن مسؤولي إدارة بايدن باتوا يعترفون بأنه "لا اتفاق وشيكا" في غزة.

في الوقت نفسه، تتزايد تكاليف الحرب في غزة يوميا، وتتضاءل بمرور الوقت احتمالات العودة الآمنة للرهائن الإسرائيليين المتبقين، ويتزايد الضرر الذي يلحق بسمعة الولايات المتحدة، وكذلك إسرائيل.

وفي تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز، قال ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية: "هناك المزيد من القدرات في أيدي المزيد من الأشخاص، في عالم حيث القوة الطاردة عن المركز أقوى بكثير من القوى المركزية. الشرق الأوسط هو دراسة الحالة الأساسية لهذا التفتت الخطير".

ولسنوات عديدة، كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة القادرة على ممارسة ضغوط بناءة على كل من إسرائيل والدول العربية.

ولكن الأمل في تحقيق السلام تضاءل على مر السنين.

وأصبحت قدرة الولايات المتحدة في التأثير على إيران، عدوها اللدود لعقود من الزمان، ووكلاء إيران مثل حزب الله، هامشية.

وصنفت واشنطن حماس وحزب الله "منظمات إرهابية"، لكنهما موجودان فعلا بعيدا عن متناول الدبلوماسية الأميركية.

وتتمتع الولايات المتحدة بنفوذ دائم على إسرائيل، لاسيما في شكل مساعدات عسكرية، لكن التحالف القوي مع إسرائيل المبني على اعتبارات استراتيجية ومحلية، فضلا عن القيم المشتركة بين البلدين، يعني أن واشنطن لن تهدد بخفض تدفق الأسلحة أو قطعها.

وقال هاس: "إذا تغيرت السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، فلن يكون ذلك إلا على الهامش"، على الرغم من التعاطف المتزايد، وخاصة بين الشباب الأميركي، مع القضية الفلسطينية.

جانب من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بيروت

أما الصين، وهي مستورد رئيسي للنفط الإيراني وداعم رئيسي لأي شيء من شأنه إضعاف النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، فليس لديها مصلحة كبيرة في ارتداء عباءة صانع السلام.

وروسيا لا تميل إلى تقديم المساعدة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهي أيضا تعتمد على إيران في الحصول على التكنولوجيا العسكرية والطائرات بدون طيار في حربها المستعصية في أوكرانيا.

ولا تقل روسيا حماسة عن الصين في رؤية أي تراجع أميركي أو استغلال أي فرصة لتورط أميركي في مستنقع الشرق الأوسط.

ولا توجد أي قوة إقليمية في الشرق الأوسط مستعدة لمواجهة إسرائيل عسكريا.

وتتوخى إيران الحذر لأنها تعلم أن تكلفة الحرب الشاملة قد تعني نهاية الجمهورية الإسلامية،  وتخشى مصر تدفقا للاجئين الفلسطينيين، وتسعى السعودية إلى إقامة دولة فلسطينية، لكنها لن تضع حياة السعوديين على المحك من أجل هذه القضية.

وتقول نيويوك تايمز إنه بعد عام على كارثة السابع من أكتوبر، لا يعرف أحد كيفية إصلاح الوضع.

وتشير إلى حالة من "الفراغ الاستراتيجي لنظام عالمي انتقائي، معلق بين زوال الهيمنة الغربية وصعود البدائل المتعثرة. إن وسائل الضغط على حماس وحزب الله وإسرائيل في وقت واحد غير موجودة".

وتضيف أن "هذا التفكك حال دون اتخاذ إجراءات فعالة لوقف الحرب بين إسرائيل وغزة، كما لا يوجد إجماع عالمي على الحاجة إلى السلام أو حتى وقف إطلاق النار".

وفي الماضي، أدت الحروب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط وانهيار الأسواق، ما أجبر العالم على الاهتمام. والآن، فإن الشعار هو "يبقى الوضع كما هو عليه".

وفي تحليل فورين أفيرز، يقول الكاتب إن الولايات المتحدة "تحتاج إلى استراتيجية جديدة لتجنب كارثة أكبر في الشرق الأوسط" وأفضل طريقة لذلك هي وقف إطلاق النار في غزة.

تستمر الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة والتي تؤدي إلى مزيد من الضحايا

ويقترح التقرير اتباع "الدبلوماسية المكوكية" التي يرى أنها أكثر فعالية عندما تكون "مصحوبة بعواقب واضحة لعدم الامتثال".

وتنطوي الدبلوماسية المكوكية على قيام مسؤول أميركي كبير بالتنقل بين الأطراف المتحاربة التي لا تتحدث مباشرة مع بعضها البعض حتى يتم سد الفجوات.

ورغم فعاليتها في فترات سابقة، كانت النتائج متفاوتة في بعض الأحيان، وتحملت تكلفتها الولايات المتحدة.

وهناك خطر يتمثل في صعوبة أن يمتثل أحد الأطراف بعد أن اتخذ موقفا علنيا معارضا للولايات المتحدة. 

وفي الصراع الحالي، فإن صعوبة الوصول إلى زعيم حماس، يحيى السنوار، الذي سيكون صانع القرار النهائي بشأن أي اتفاق، والقيود التي تفرضها الولايات المتحدة على حماس من شأنه أن جعل المهمة أكثر صعوبة.

لكن رغم ذلك، فإن الدبلوماسية المكوكية تمثل أفضل فرصة للولايات المتحدة وشركائها الإقليميين لإنهاء الحرب في غزة في الأمد القريب، وبالتالي توفير مسار لخفض التصعيد الإقليمي.

والواقع أن الضغط السياسي الذي قد يولده وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، من خلال التنقل بين مصر وإسرائيل وقطر هو المطلوب لكسر الجمود.

وسيتعين على بلينكن إقناع نتانياهو بأن هناك ما يخسره، ويمكن أيضا لواشنطن استخدام سلاح معاقبة الوزراء المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية.

ونظرا لأن الدبلوماسيين الأميركيين لا يتفاعلون بشكل مباشر مع قادة حماس، فسوف تضطر واشنطن إلى العمل مع الوسطاء العرب لتكثيف الضغوط على السنوار.

ومن خلال إظهار الاستعداد للضغط على إسرائيل، ستكون الإدارة في وضع أقوى للمطالبة بأن يضغط الشركاء الإقليميون على حماس.

ويدعو التقرير إلى التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل في إغلاق شبكات الأنفاق وتحسين الرقابة على ساحل غزة.

تجربة صاروخية لإيران

يشكّل استمرار الدعم والتسليح الإيراني للميليشيات العراقية وتزويدها بصواريخ بعيدة المدى تهديدًا مستمرًا للعلاقات بين العراق والولايات المتحدة الأميركية والغرب.

ومعظم الميليشيات العراقية الموالية لإيران مُدرَجة على لوائح العقوبات في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، بسبب أجندتها المُزعزِعة للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

وكشف تقرير لصحيفة تايمز البريطانية، في 8 أبريل الجاري، عن تزويد إيران الميليشيات في العراق بصواريخ أرض-أرض بعيدة المدى، وذلك وفقًا لمصادر استخبارات إقليمية أكدت أن الحرس الثوري الإيراني هو الذي نظّم العملية.

صواريخ إيرانية للميليشيات

ووفق التقرير، الصواريخ الجديدة التي نقلتها إيران الأسبوع الماضي إلى العراق هي من نوع صواريخ كروز من طراز "قدس 351" وصواريخ باليستية من طراز "جمال 69".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار، قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنّب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

ويشير رئيس مركز التفكير السياسي العراقي، إحسان الشمري، إلى أن وصول 3 مستويات من هذه الصواريخ المتطورة إلى العراق، سينسف أولًا الحياد العراقي، وثانيًا مبدأ التوازن في علاقاته.

عجز حكومي؟

وقال الشمري، لموقع "الحرة"، إن الحكومة العراقية غير قادرة على مسك الملف الأمني بشكل كامل، لافتًا إلى أن هذه العملية ستنعكس بشكل سلبي جدًا على العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأميركية والعراق.

وأوضح الشمري أن "وصول هذه الصواريخ إلى العراق، سواء على مستوى استخدامها من قبل الفصائل المسلحة أو خزنها أو إخفائها في الجغرافيا العراقية، سيضع العراق ضمن المحور الإيراني بالتحديد، وسيحفّز إدارة ترامب على ممارسة المزيد من الضغوط على هذه الفصائل".

ولفت الشمري إلى أن نقل هذه الأسلحة الإيرانية إلى العراق يدفع الولايات المتحدة إلى اعتبار الفصائل جهات لم تستجب لطبيعة التهديدات الأميركية وشروطها.

فضلًا عن ذلك، سوف تعتقد واشنطن أن مرحلة الهدوء في العراق تكتيكية بالنسبة للفصائل، وليست إيمانًا منها بالذهاب إلى السلام وتفكيك السلاح، وفق الشمري.

وشدّد الخطاب الحكومي العراقي على استمرار السعي لحصر السلاح بيد الدولة، بما في ذلك سلاح الفصائل المسلحة التي تسببت بإحراج العراق دوليًا عبر هجماتها المتكررة على قواعد عسكرية ومصالح أميركية في إقليم كردستان ومناطق العراق الأخرى وسوريا، واستهدافها للداخل الإسرائيلي.

وأكد مستشار رئيس الوزراء العراقي للعلاقات الخارجية، فرهاد علاء الدين، في وقت سابق لموقع "الحرة"، أن رئيس الوزراء أكّد في أكثر من مناسبة التزام العراق الثابت بحصر السلاح بيد الدولة، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة، بما في ذلك هيئة الحشد الشعبي، بشكل كامل للقائد العام للقوات المسلحة.

ازدواجية بغداد

لكن الشمري يرى أن تسليح إيران الفصائل بالصواريخ يُظهر للولايات المتحدة والغرب الازدواجية في الخطاب الحكومي العراقي، ففي خطابها ترفض الحكومة أن يُنجرّ العراق إلى الحرب، لكن في حقيقة الأمر هي غير قادرة على أن تحدّ من هكذا نشاطات.

وتعقيبًا على تسليح إيران للميليشيات العراقية بصواريخ بعيدة المدى، قال النائب الأميركي، جو ويلسون، في منشور على صفحته في منصة (X): "تُسلّح إيران عملاءها في العراق بصواريخ بعيدة المدى، متحدّيةً ترامب ومرسّخةً سيطرتها على العراق".

ترامب لن ينخدع؟

لكنه أكّد في نهاية منشوره "لن ينخدع الرئيس ترامب"، واختتمه بالقول: "حرّروا العراق من إيران".

ولغرض معرفة رد الحكومة العراقية وهيئة الحشد الشعبي التي تنضوي فيها غالبية الفصائل المسلحة، تواصل موقع "الحرة" مع المتحدث الرسمي للحكومة العراقية، باسم العوادي، والمتحدث باسم الحشد الشعبي، مؤيد الساعدي، لكن لم يجب أيٌّ منهما على أسئلة "الحرة".

وبيّن الباحث في الشأن السياسي العراقي، رافد العطواني، أن تزويد إيران الميليشيات بالصواريخ سيكون له تأثير على العلاقات العراقية الأميركية وعلى الوضع السياسي العراقي.

وقال العطواني، لموقع "الحرة"، إن "أحد شروط الولايات المتحدة في المفاوضات التي من المقرر أن تجريها، السبت، مع إيران في سلطنة عُمان، يتمثّل بإبعاد إيران عن مدّ الميليشيات بالمال والسلاح والدعم السياسي".

وألمح العطواني إلى أن الحكومة العراقية تحاول المراوغة تحت مسمى سياسة مسك العصا من الوسط، لأن الصراع المتواصل بين أميركا وإيران يؤثر على طبيعة الحكم في العراق.

خوف أو مراوغة؟

وتابع أن "إيران مؤثرة جدًا داخل العراق، ولها أدواتها التي من الممكن أن تُسقِط أو تُزيح أي شخصية سياسية من المشهد السياسي والفاعلية السياسية داخل العراق، لذلك تخشى هذه القوى كثيرًا من الابتعاد عن إيران، وهي تراوغ..".

واعتبر أنه لا يمكن وصف نهج هذه الميليشيات بـ"المراوغة" بل هو الخوف من إيران كي لا تخسر كثيرًا من مكاسبها السياسية.

وعملت إيران منذ تشكيل الحشد الشعبي عام 2014 على تسليح فصائله بكافة أنواع الأسلحة، خاصة الصواريخ والطائرات المُسيّرة.

وأشار مراقبون وخبراء مختصون بالشؤون العسكرية، تحدّث معهم موقع "الحرة" في مارس الماضي، إلى أن قائمة تسلّح الميليشيات العراقية تشمل صواريخ إيرانية من طراز "أبابيل"، و"البتّار"، و"القاهر"، وصواريخ "زلزال 1 و2 و3"، و"فاتح 110"، و"فاتح 313"، و"شهاب 3"، و"سجيل".