Russian President Vladimir Putin attends the BRICS Business Forum in Moscow
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركته في منتدى بريكس الاقتصادي في موسكو، أكتوبر 2024

يجتمع أكثر من 20 من قادة العالم في مدينة قازان الروسية، الثلاثاء المقبل، للمشاركة في قمة "بريكس بلس"، التي تعدّ الأكبر من نوعها على الأراضي الروسية منذ غزو أوكرانيا 2022.

ويسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبرها لإظهار أن المحاولات الغربية لعزل موسكو "قد باءت بالفشل" بحسب ما ورد في تقرير لوكالة فرانس برس، الأحد.

ولأول مرة منذ عامين ونصف العام، تحدث الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش الأحد إلى بوتين عبر الهاتف، بمناسبة الذكرى الـ80 لتحرير العاصمة بلغراد من النازيين في الحرب العالمية الثانية، وكان للجنود السوفييت دور بارز فيه.

وقال فوتشيتش في رسالة عبر الفيديو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي: "شكرتُ الرئيس بوتين بشكل خاص على ضمان قيام روسيا بتوفير كميات كافية من الغاز لصربيا هذا الشتاء".

وتلقى البلد المرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي دعوة لحضور قمة مجموعة "بريكس" من روسيا إلا أنه لم يرد إلى الآن.

وقال فوتشيتش وقت سابق هذا الأسبوع "إذا قلت إنني ذاهب إلى قازان، سيكون ذلك بمثابة نهاية الطريق الأوروبي لصربيا. وإذا قلتُ شيئا آخر، سيزعمون أنّني خنت الروس".

وسيُعلن قرار حضوره القمة السادسة عشرة بحلول يوم غد الاثنين، بحسب ما نقلت فرانس برس.

وكانت صربيا دانت انتهاك وحدة الأراضي الأوكرانية، وفي نفس الوقت رفضت المشاركة في فرض عقوبات على روسيا، وما زالت متمكسة بموقفها إلى اليوم.

من جانبه، أعلن الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الأحد، أنه لن يحضر القمة في روسيا، بعد نصيحة طبية بتجنب الرحلات الطويلة مؤقتا.

وذكر قصر الرئاسة في بيان أن لولا سيشارك في اجتماع بريكس عبر دائرة تلفزيونية.

قمة قازان

من المقرر كذلك، أن يشارك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في القمة. وأكد مستشار الكرملين يوري يوشاكوف، مشاركة قادة كل الدول الأعضاء في "بريكس" بقمة قازان، باستثناء السعودية التي ستوفد وزير خارجيتها.

وستكون القمة في روسيا الأولى بوجود الأعضاء الجدد، لذلك أطلق على المجموعة "بريكس بلس" بحسب المعهد الأميركي لدراسات السلام.

في المقابل، يعتقد الغرب أن روسيا تستغل التكتل لتوسيع نفوذها والترويج لسرديّاتها الخاصة في ما يتّصل بالنزاع مع أوكرانيا.

وحذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي لدى عرضه "خطة النصر" هذا الأسبوع، من أن أي انتصار لبوتين في النزاع مع أوكرانيا من شأنه أن يشجّع دولا أخرى على إطلاق حروبها الخاصة.

وأضاف "إذا حقق بوتين أهدافه الجنونية، الجيوسياسية والعسكرية والأيديولوجية والاقتصادية، فسيشيع ذلك انطباعا سائدا لدى معتدين محتملين آخرين خصوصا في الغرب ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ وأفريقيا، بأن الحروب العدوانية يمكن أن تكون مفيدة لهم أيضا".

وأبرز الملفات المطروحة على جدول أعمال القمة، مقترح بوتين إنشاء نظام دفع خاص لـ"بريكس" يفترض أن يكون منافسا لنظام "سويفت" الشبكة المالية العالمية التي استُبعدت منها روسيا بعد غزوها أوكرانيا 2022، إضافة إلى النزاع المتصاعد في الشرق الأوسط.

ويصف الكرملين القمة بأنها "انتصار دبلوماسي سيساعده في بناء تحالف قادر على تحدي الهيمنة الغربية" بحسب ما أوردت فرانس برس، بينما تعتبر الولايات المتحدة أن روسيا "غير قادرة على التحول إلى منافس جيوسياسي".

وفي الوقت ذاته، لا تخفي واشنطن قلقها إزاء استعراض موسكو قوتها الدبلوماسية وسط احتدام النزاع في أوكرانيا.

وفي القمة التي سبقتها وانعقدت في جنوب أفريقيا، لم يتمكن بوتين من الحضور، حيث أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه عام 2023 على خلفية ترحيل غير قانوني لأطفال من أوكرانيا.

ماذا نعرف عن بريكس؟

بريكس مجموعة من الدول كانت تضم في بداية تأسيسها عام 2006 البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، نشأت بمبادرة من روسيا. لذلك فإن الاسم الأساسي كان "بريك" وهو تشكيلة الحروف الأولى من أسماء تلك الدول باللغة الإنجليزية، وفي 2010 بعد انضمام جنوب أفريقيا صارت "بريكس"، بحسب ما أورده موقعها الإلكتروني.

تقدمت دول عديدة للانضمام إلى بريكس، بعضها نال العضوية حديثاً خلال 2024، مثل إيران والإمارات وإثيوبيا ومصر بالإضافة للسعودية، بينما تراجعت الأرجنتين عن طلبها بعد تسلم الرئيس الحالي خافيير مايلي مهامه مبدياً تعارض الكثير من سياساته مع خلفه، بحسب ما نشرت وكالة "بلومبيرغ"، الأحد.

وذكرت أن ماليزيا وتايلاند وتركيا، من الدول التي لا تزال تسعى للانضمام.

ووفق تقرير نشره المعهد الأميركي لدراسات السلام الخميس الماضي، تقدمت أكثر من 30 دولة بطلب رسمي أو أبدت اهتماماً للانضمام إلى مجموعة بريكس"، وتشمل دول جنوب شرق آسيا مثل تايلاند وماليزيا وفيتنام، بالإضافة لتركيا وهي عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ودول منتجة للنفط والغاز الطبيعي مثل الجزائر، وأكبر دولة إسلامية وهي إندونيسيا، عدا عن نيجيريا التي تمتلك أكبر عدد سكان في أفريقيا، وبنغلاديش ثامن أكبر دولة من حيث التعداد السكاني عالمياً.

والسبب الأساسي الذي يدفع هذه الدول للانضمام بحسب المعهد الأميركي، اقتصادي. إذ أن الدول العشر التي تشكل "بريكس بلس" اليوم، تمثل 45% من تعداد سكان العالم، و28% من الناتج الاقتصادي العالمي، و47% من النفط الخام العالمي.

وجاء في بيان مشترك في اجتماع وزراء خارجية بريكس، في يونيو الماضي، تشجيع على "تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة والمعاملات المالية" بين الدول الأعضاء. كان هذا التوجه في ارتفاع منذ عام 2017 حتى عام 2022، حيث شهدت التجارة بين دول بريكس نمواً بنسبة 56% خلال تلك الفترة، وتسارع هذا النمو بعد العقوبات الغربية والأميركية على روسيا.

وستنعقد قمة بريكس هذا العام على وقع الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط وأفريقيا وحالة الاستقطاب المتزايدة تجاهها من مختلف الأطراف، التي تُضاف إلى الغزو الروسي المستمر لأوكرانيا.

وتبنت دول بريكس موقفا محايدا على نطاق واسع تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا، بعضها اعتبره قضية إقليمية أكثر من كونها أزمة عالمية. ومع ذلك، غيرت الحرب علاقات روسيا مع مؤسسات البريكس، وسرعان ما جمد بنك التنمية الجديد المشروعات الروسية، ولم تتمكن موسكو من الوصول إلى الدولار عبر نظام العملات الأجنبية المشترك لدول البريكس.

وفي الأساس، مع تراكم العقوبات الأميركية، أعطت دول بريكس الأخرى الأولوية للوصول المستمر إلى النظام المالي القائم على الدولار على مساعدة روسيا، فيما تقترح موسكو الآن تغييرات في المدفوعات عبر الحدود بين دول البريكس، وهو نظام من شأنه أن يتحايل على النظام المالي العالمي ويساعد على حماية اقتصادها من العقوبات، بحسب "بلومبيرغ".

وتشمل البدائل تطوير شبكة من البنوك التجارية التي يمكنها إجراء مثل هذه المعاملات بالعملات المحلية وكذلك إقامة روابط مباشرة بين البنوك المركزية، وفقا لتقرير أعدته وزارة المالية الروسية وبنك روسيا وشركة "ياكوف وشركاه" الاستشارية ومقرها موسكو.

في مجموعة بريكس ومن بين الدول الراغبة في عضويتها، هناك دول حليفة للولايات المتحدة والغرب، مثل السعودية والإمارات وتركيا وغيرها، والعديد منها لا تريد تقويض هذه العلاقة كما لا تجد تناقضاً بينها وبين التواجد في تكتل دولي تقوده روسيا والصين لخلق بديل عن الرأسمالية الأميركية والأوروبية التي تُدير اقتصاد العالم.

يشير المعهد الأميركي للسلام، أن المملكة العربية السعودية تتفاوض على صفقة مع الولايات المتحدة للحصول على ضمانات أمنية من واشنطن مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فيما عمقت الهند علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ووقعت فيتنام والولايات المتحدة اتفاق شراكة إستراتيجية شاملة العام الماضي 2023.

وتسعى كوبا للانضمام إلى "بريكس"، حيث قدمت طلباً رسمياً عبر رسالة لبوتين في هذا الشهر لإدراجها كدولة شريكة. وقال مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة إرنستو سوبرون غوزمان، في حديث مع وكالة "تاس" الروسية إن "بريكس قد تصبح بديلاً للمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، حيث أن بعض أكبر الاقتصادات في العالم من بين أعضائها".

وأضاف، السبت، أن التكتل الدولي يلعب دوراً في الاقتصادي العالمي، إذ يوفر "توازناً في ما يتعلق بالقوى الكبرى التي لا تعمل دائما لصالح الدول النامية"، مشيراً إلى وجود "مصالح مشتركة وإمكانيات هائلة للتجارة الخارجية" بين أعضاء "بريكس".

توسيع بريكس تصدر جدول أعمال القمة المنعقدة في جوهانسبرغ ـ صورة تعبيرية.
مسؤول إماراتي: انضمامنا لبريكس لن يضر بعلاقاتنا مع الغرب
قال وزير الاقتصاد الإماراتي، عبد الله بن طوق المري، إن انضمام الإمارات إلى كتلة البريكس للاقتصادات الناشئة لن يضر بعلاقاتها مع الدول الغربية، وسط مخاوف من قيام الصين وروسيا بتوسيع المجموعة لموازنة النفوذ الأمريكي والأوروبي. 

اقتصاد متعثّر وعوائق

وبحسب تقرير للبنك الدولي نُشر عام 2019، فإن مجموعة دول "بريكس" تمثل أكبر اقتصادات متوسطة الدخل في العالم، وتمثل معاً أكثر من خُمس الاقتصاد العالمي.

في عام 2017 ، شكل قطاع الخدمات نصف إلى ثلثي اقتصاد كل بلد (الأعضاء الخمس)، فيما احتلت الصناعة ثاني أكبر قطاع فيها، بحيث تراوحت بين أقل من خُمس الاقتصاد في البرازيل وأكثر من خُمسَي الاقتصاد في الصين. في حين شكلت الزراعة كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، أقل من 5% في البرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا، وفي الصين 8% والهند 15%، وفق بيانات البنك الدولي.

ووفق "بلومبيرغ" كانت أبرز إنجازات بريكس، مالية. إذ اتفقت الدول على تجميع احتياطيات من العملات الأجنبية بقيمة 100 مليار دولار يمكنها إقراضها لبعضها البعض في حالات الطوارئ، وهو مرفق للسيولة بدأ العمل به في عام 2016.

 أسست الدول أيضا "البنك الجديد للتنمية" وهي مؤسسة مستوحاة من البنك الدولي وافقت على قروض بنحو 33 مليار دولار، معظمها لمشاريع المياه والنقل والبنية التحتية الأخرى، منذ أن بدأ عملياته في عام 2015. 

بالمقارنة، تعهد البنك الدولي بمبلغ 72.8 مليار دولار للدول المنضوية تحت لوائه في السنة المالية 2023.

وعلى الرغم من اهتمام المستثمرين بالاقتصادات الناشئة في دول بريكس، إلّا أنها عموماً ليست في أحسن أحوالها، فالعقوبات الأوروبية والأميركية على روسيا أدت لإبعاد أغلب المستثمرين عنها. 

كما فرضت عقوبات على بعض القطاعات في الصين - خاصة شركات التكنولوجيا - أو تواجه حظرا محتملا على الاستثمار. كما أن الصين اقتصاد ناضج، منفصل بشكل متزايد عن الأسواق الناشئة الأخرى ويواجه تباطؤا هيكليا. 

بالنسبة للبرازيل، فقد تباطأ الاقتصاد البرازيلي بشكل ملحوظ بعد نهاية طفرة السلع العالمية قبل حوالي عقد من الزمان. أما اقتصاد جنوب أفريقيا فقد تعثر بسبب مشكلات لوجستية، على الرغم من أنه أحرز مؤخرا بعض التقدم المبدئي في معالجة هذه المشاكل. 

وفي وقت تقارن بنوك استثمارية التجربة الهندية بتجربة الصين قبل نحو 15 عاماً، إلا أنه من غير الواضح إن كان بإمكانها اتباع النموذج الصيني في مجال التصنيع.

ورغم الوعود الكبيرة التي تصدّرها بريكس منذ نشأتها عام 2006 للدول الأعضاء ودول العالم الثالث، ورغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها وتميزها لتحقيقها، إلا أن هناك عوائق عديدة ماثلة منذ سنوات، تحول حتى الآن دون خلق البديل المزعوم للاقتصاد الذي يتحكم في الأسواق العالمية.

من هذه العوائق بحسب خبراء وبيانات اقتصادية ووسائل إعلام محلية في روسيا والصين، التباين السياسي والثقافي والاقتصادي للدول الأعضاء، مما قد يعني تضارب المصالح بينها، مثل النزاعات الحدودية بين الصين والهند مثلاً، أو الفرق الكبير في النمو الاقتصادي بين الصين من جهة، وجنوب أفريقيا والبرازيل من جهة أخرى، مما يعني غياب التوازن في السلطة وصنع القرار بين دول بريكس.

إضافة لذلك، لا يمكن رؤية أجندة عمل واضحة لتحقيق الهدف المنشود بين أعضاء بريكس، بالتالي غياب إستراتيجية قوية متماسكة تجعل -بالضرورة- اتخاذ قرارات ومواقف حاسمة تجاه القضايا العالمية، أمراً معقداً.

كما أن هناك تأثيراً محدوداً حتى الآن لبريكس على المؤسسات والمنظمات العالمية والدولية، التي تقودها دول الغرب، مثل صندوق النقد. 

واعتماد دول بريكس كذلك على التجارة العالمية، وأبرز نموذج على ذلك الصين، يجعلها عرضة للعقوبات الغربية وللتباطؤ في النمو الاقتصادي. ويُضاف إلى ذلك، قضية هامة ورد ذكرها آنفاً، وهي موقف دول بريكس غير الموحد من الصراعات السياسية الإقليمية والعالمية، نظراً لازدواجية التحالفات والمصالح، ومحاولة - أحياناً- البقاء على الحياد في ظل تغييرات إستراتيجية تؤثر على توازنات القوى حول العالم.

حرب السودان

لعقود طويلة، كانت حروب الوكالة ـ ولا تزال ـ حيزا غامضا تتحرك فيه الدول لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من دون الانخراط المباشر في أعمال عسكرية واسعة النطاق.

لكن هذا الحيز الرمادي ـ ثمة احتمالات ولو ضعيفة ـ قد يتقلّص، إذ تعيد دعوى قضائية جديدة النقاش حول إمكانية تجريم المشاركة ـ ولو عن بُعد ـ في جرائم الحرب. 

السودان ضد الإمارات

يقاضي السودان دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة تأجيج نزاع داخلي، من دون أن تنشر الدولة الخليجية قواتها على الأراضي السودانية.

يزعم السودان أن الإمارات متواطئة ـ بتقديم دعم مالي وسياسي وعسكري ـ في "إبادة جماعية" ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق قبيلة المساليت في غرب دارفور، نوفمبر 2023.

القضية "غير مسبوقة في نطاق القانون الدولي"، يقول لموقع "الحرة" عبدالخالق الشايب، وهو مستشار قانوني وباحث في جامعة هارفارد. 

وإذا قضت المحكمة لصالح السودان، فيسكون الحكم ـ بدوره ـ "سابقة قانونية" تُحمّل فيها دولة المسؤولية القانونية عن حرب بالوكالة، خاضتها عن بُعد. 

وسيوفر الحكم أساسا لمساءلة الدول عن حروب الوكالة، وإعادة تقييم مبدأ عدم التدخل في سياق الحروب غير المباشرة. 

يقول خبراء قانون لموقع "الحرة"، إن قضية السودان ـ إذا نجحت ـ ستؤدي إلى إعادة النظر في أدق التحفظات المتعلقة بالمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، خصوصا عندما تكون هناك ادعاءات بارتكاب إبادة جماعية. 

وقد تفقد الدول ـ نتيجة لذلك ـ القدرة على حماية نفسها من اختصاص المحكمة في مثل هذه القضايا. 

ومن تداعيات القضية ـ إذا قررت محكمة العدل الدولية البت فيها ـ إعادة تفسير اتفاقية الإبادة الجماعية لتشمل حالات التورط غير المباشر أو التواطؤ في جرائم الحرب.

حروب الوكالة

في حديث مع موقع "الحرة"، تقول ريبيكا هاملتون، أستاذة القانون الدولي في الجامعة الأميركية في واشنطن، إن مفهوم الحرب بالوكالة يتبدى عندما تتصرف دولة كراع وتدعم طرفا آخر في ارتكاب أفعال خاطئة.

ورغم أن حروب الوكالة تبدو ظاهرة حديثة، فلها تاريخ طويل ومعقّد.

تُعرّف بأنها صراعات تقوم فيها قوة كبرى ـ عالمية أو إقليمية ـ بتحريض طرف معين أو دعمه أو توجيهه، بينما تظل هي بعيدة، أو منخرطة بشكل محدود في القتال على الأرض.

تختلف حروب الوكالة عن الحروب التقليدية في أن الأخيرة تتحمل فيها الدول العبء الأكبر في القتال الفعلي، وعن التحالفات التي تساهم فيها القوى الكبرى والصغرى حسب قدراتها.

وتُعرف حروب الوكالة أيضا بأنها تدخّل طرف ثالث في حرب قائمة. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأطراف الثالثة لا تشارك في القتال المباشر بشكل كبير، ما يتيح لها المنافسة على النفوذ والموارد باستخدام المساعدات العسكرية والتدريب والدعم الاقتصادي والعمليات العسكرية المحدودة من خلال وكلاء.

من الإمبراطورية البيزنطية إلى سوريا

يعود تاريخ الحروب بالوكالة إلى عصور قديمة، فقد استخدمت الإمبراطورية البيزنطية استراتيجيات لإشعال النزاعات بين الجماعات المتنافسة في الدول المجاورة، ودعمت الأقوى بينها.

وخلال الحرب العالمية الأولى، دعمت بريطانيا وفرنسا الثورة العربية ضد الدولة العثمانية بطريقة مشابهة. وكانت الحرب الأهلية الإسبانية ساحة صراع بالوكالة بين الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفيتي والقوميين المدعومين من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وخلال الحرب الباردة، أصبحت الحروب بالوكالة وسيلة مقبولة للتنافس على النفوذ العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تجنبا لاحتمال نشوب حرب نووية كارثية.

ومن أبرز الأمثلة: الحرب الكورية، حرب فيتنام، الغزو السوفيتي لأفغانستان، والحرب الأهلية في أنغولا. استمرت هذه الحروب حتى القرن الحادي والعشرين. وتُعد الحرب في اليمن مثالا واضحا لحروب الوكالة، حيث تدعم إيران الحوثيين بينما تدعم السعودية وحلفاؤها الحكومة اليمنية.

وأظهر الصراع في سورية قبل سقوط نظام بشار الأسد مثالا صارخا لحروب الوكالة في عصرنا، من خلال تدخل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا دعما لفصائل مختلفة.

قضية السودان ضد الإمارات قد تدفع دولا أخرى إلى التفكير باللجوء  إلى محكمة العدل الدولية في دعاوى مماثلة، ولكن!

الإبادة الجماعية؟ 

لا تتعلق دعوى السودان بحروب الوكالة تحديدا، يؤكد الخبراء، بل تستند إلى اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة المتورطين فيها".

تدّعي الخرطوم أن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بينها القتل الجماعي، والاغتصاب، والتهجير القسري للسكان غير العرب، وتزعم أن تلك الجرائم ما كانت لتحدث لولا الدعم الإماراتي، بما في ذلك شحنات الأسلحة عبر مطار أمجاراس في تشاد.

"يحاول السودان أن يثبت دور دولة أخرى غير المباشر في ارتكاب قوات عسكرية أو ميلشيا تحارب في السودان إبادة جماعية"، يقول الخبيرة عبدالخالق الشايب.

"أساس القضية،" يضيف، "المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها".

رغم أن كلّا من الخرطوم وأبوظبي من الموقعين على الاتفاقية، تعتقد هاملتون أن من غير المحتمل أن يتم البت في هذه القضية، إذ إن "محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها".

"عند توقيعها على اتفاقية الإبادة الجماعية،" تتابع هاميلتون، "أكدت الإمارات أنها لم تمنح محكمة العدل الدولية السلطة للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بينها وبين دول أخرى بشأن هذه الاتفاقية".

ويلفت ناصر أمين، وهو محام مختص بالقضايا الدولية، إلى أن النزاع القائم في السودان يُعتبر وفقا لأحكام القانون الدولي الإنساني نزاعا مسلحا داخليا، إلى أن تثبت الخرطوم بأن هناك تدخلا من إحدى الدول لصالح أحد أطراف النزاع داخليا".

"وهذا يحكمه بروتوكول ملحق باتفاقيات جنيف أو بالقانون الدولي الإنساني المذكور في المادة 3 من البروتوكول الثاني لاتفاقيات جنيف المنعقدة عام 1929،" يضيف.

تنص المادة الثالثة على أن أحكام هذه الاتفاقية لا تسمح لأي دولة أن تتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة أخرى أو أن تمارس أي أعمال داعمة لأي فصيل متنازع أو متصارع. 

"على السودان أن يثبت أمام محكمة العدل الدولية أن هناك خرقا حدث للمادة 3 من البروتوكول"، يوضح.

لم يرد المركز الإعلامي، لسفارة الإمارات في واشنطن، على طلب للتعليق بعثه موقع "الحرة" عبر البريد الإلكتروني.

نقاط القوة والضعف

وتقول ربيكا هاملتون "من المؤسف" أنه من غير المحتمل أن تُرفع هذه القضية، حيث إن محكمة العدل الدولية تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر فيها.

ويشير الباحث القانوني، عبدالخالق الشايب، إلى أن قضية السودان ضد الإمارات "يبقى التعامل معها متعلقا بوكالات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن تحديدا".

لكن هاملتون تقول إن هناك مجموعة من القوانين الدولية التي تحظر حروب الوكالة، لكن "التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إنفاذ هذه القوانين".

"سابقة".. حتى لو تعثرت؟

أن تتعثر قضية السودان ضد الإمارات ـ بسبب الاختصاص القضائي ـ أمر وارد، لكنها تبقى، وفق خبراء في القانون، "ذات دلالة رمزية كبيرة".

"بغض النظر عن نتيجتها،" تقول أستاذة القانون الدولي ربيكا هاملتون، لموقع "الحرة"،  "تمثل القضية محاولة جريئة من دولة ممزقة بالصراعات لتوسيع مفهوم المساءلة عن ممارسات الحرب الحديثة".

وحتى إن رفضت محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى، فإن القضية تضيّق الحيز الرمادي الفاصل بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية غير المباشرة عن جرائم الحرب.

في تصريحات لموقع "JUST SECURITY"، يشير خبراء قانون إلى أن صدور حكم لصالح السودان ـ حتى وإن كان ذلك غير مرجح ـ قد يؤدي إلى إعادة تقييم شاملة للمعايير القانونية الدولية المتعلقة بتواطؤ الدول وتدخلها. 

قبول الدعوى قد يدفع القانون الدولي إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لحروب الوكالة الحديثة — سواء خيضت بجنود على الأرض، أو من خلال دعم مالي وعسكري عن بُعد.