مقاتلات من طراز إف-16 (أرشيفية)
مقاتلات من طراز إف-16 (أرشيفية)

شنت إسرائيل هجوما جويا واسع النطاق على أهداف إيرانية، السبت، فيما أعلن العراق عن إغلاق المجال الجوي أمام حركة الطائرات خلال الهجوم، وهو ما يطرح تساؤلات عن المسارات التي سلكتها المقاتلات والصواريخ الإسرائيلية.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن مشاركة طائرات حربية وطائرات تزود بالوقود في الهجوم على إيران الذي شمل مواقع عسكرية.

وقالت إيران إن منظومة الدفاع الجوي نجحت في صد الهجمات الإسرائيلية على أهداف عسكرية في طهران وخوزستان وعيلام، مضيفة أن هناك "أضرارا محدودة" في بعض المواقع.

الطائرات وصلت إلى إيران

ويرى الطيار السابق والخبير العسكري، إسماعيل أبو أيوب، أن المقاتلات الحربية الإسرائيلية دخلت بالفعل المجال الجوي الإيراني عبر العراق.

ويقول في حديثه لموقع "الحرة" إن "الطائرات الإسرائيلية وصلت إلى الحدود الغربية لإيران عبر المجال الجوي العراقي (...) وإن الطائرات التي ضربت بالقرب من طهران مرت فوق سوريا والعراق".

وأكد أبو أيوب أن "المقاتلات المستخدمة في الهجوم كانت مزودة بخزانات إضافية، وقد تم استخدام طائرات تزود بالوقود لأن مسافة المسار المستخدم بين تل أبيب وطهران تساوي نحو ألفي كيلومتر".

وشدد على أن الطائرات الإسرائيلية "دخلت المجال الجوي الإيراني، وإسرائيل تقول إنها استخدمت نحو 100 مقاتلة في الهجوم".

وأشار إلى أن "مساحة إيران كبيرة، وهناك حاجة للوصول إلى عمق معين لتنفيذ الهجمات، لأن صواريخ مثل رامبيج يصل مداها إلى 250 كيلومتر فقط، وذلك لا يكفي للوصول إلى الهدف".

ولفت إلى أن "إسرائيل لديها صواريخ باليستية، لكنها صرحت أنها استخدمت مقاتلات وطائرات تزود بالوقود".

وقال مسؤول سعودي لرويترز، السبت، إن المجال الجوي للمملكة لم يُستخدم خلال الضربات الجوية الإسرائيلية على إيران.

وفي سياق متصل، قال مصدر عسكري للتلفزيون الأردني إنه "لم يتم السماح لأي طائرة عسكرية بعبور الأجواء الأردنية".

"مسرحية جديدة"

واعتبر أبو أيوب أن ما حصل هو "مسرحية جديدة بين إيران وإسرائيل (...) والأخيرة تعتبر أن الضربة حققت أهدافها وأنها استعادت الردع، وإيران قالت إن الضربة إذا لم تستهدف أهداف حيوية فلن يكون هناك رد عليها".

وشهدت المنطقة مؤخرا حالة من التوتر تحسبا للرد الإسرائيلي على هجوم شنته إيران في الأول من أكتوبر أطلقت خلاله نحو 200 صاروخ باليستي.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إنه "يهاجم في هذه الأثناء بشكل موجه بدقة أهدافا عسكرية في إيران، وذلك ردا على الهجمات المتواصلة للنظام الإيراني ضد دولة إسرائيل على مدار الأشهر الأخيرة".

وأضاف أنه استكمل هجماته "الموجهة" في إيران وقصف منشآت تصنيع صواريخ وصواريخ أرض جو، وأن طائراته عادت بأمان.

وتابع "إذا اقترف النظام الإيراني خطأ بدء جولة جديدة من التصعيد، فسوف نكون ملزمين بالرد".

وذكر مسؤول أميركي أن الأهداف لم تشمل بنية تحتية للطاقة أو منشآت نووية إيرانية.

وحذر الرئيس الأميركي، جو بايدن، من أن واشنطن، لن تدعم أي هجوم على مواقع نووية إيرانية، وقال إنه يتعين على إسرائيل أن تدرس أهدافا بديلة للهجوم على حقول النفط الإيرانية.

وحذرت السلطات الإيرانية إسرائيل مرارا من شن أي هجوم على البلاد.

وذكرت وكالة تسنيم شبه الرسمية نقلا عن مصادر، السبت، "تحتفظ إيران بحق الرد على أي عدوان، ومما لا شك فيه أن إسرائيل ستواجه ردا متناسبا على أي فعل تقترفه".

وأظهرت فيديوهات على مواقع التواصل الدفاعات الجوية وهي تتصدى لصواريخ إسرائيلية قرب طهران.

وقالت وكالة تسنيم للأنباء إن قواعد الحرس الثوري الإيراني التي جرى استهدافها لم تتعرض لأضرار.

كما أفادت الوكالة بأن إيران قررت استئناف الرحلات الجوية بشكل طبيعي اعتبارا من التاسعة صباحا بالتوقيت المحلي، وذلك بعد تعليق قصير في أعقاب الضربات الإسرائيلية.

وأعلن العراق المجاور إعادة فتح الأجواء أمام حركة الطائرات، وذلك بعد تعليق الرحلات في جميع المطارات لوقت قصير خلال الضربة.

"جر دول الخليج"

من جانبه حذر اللواء والخبير العسكري، السيد الجابري، من أن ما يحصل بين إيران وإسرائيل هو "مجرد ضربات هيكلية الغرض منها جر دول الخليج العربي إلى معارك وهمية هي بغنى عنها، بالإضافة إلى الدول المحصورة بين إسرائيل وإيران، مثل العراق وسوريا".

وأعربت السعودية والإمارات وقطر والكويت وعمان والأردن والعراق عن إدانة الضربات الإسرائيلية على إيران، وتمت الدعوة في بيانات منفصلة إلى التهدئة وعدم توسيع رقعة الصراع وخفض التصعيد.

إيران توعدت بالرد على أي هجوم إسرائيلي - صورة أرشيفية.
"حياد" دول الخليج.. رسالة مزدوجة والعقدة في "القواعد"
تقف المنطقة على حافة الوقوع في حرب إقليمية بين إسرائيل وإيران، بعد أن قامت الأخيرة بإطلاق نحو 200 صاروخ على عدوتها ردا على مقتل الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، بغارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت، الأسبوع الماضي، ومقتل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في طهران، أواخر يوليو الماضي، بضربة نسبت إلى إسرائيل.

وقال الجابري إن "إيران استخدمت أنظمة أس 300 للدفاع الجوي لصد الصواريخ الإسرائيلية (...) وتقول إيران إنها أسقطت صواريخ وطائرات، لكنها معدودة على الأصابع، وهذه حروب هيكلية وليست حقيقية".

وأوضح أن "الحرب بين إيران وإسرائيل كانت حربا كلامية فقط، ونتائج الضربات تكاد لا تذكر، وهو ما قد يدل على وجود نوع من الاتفاق بين الطرفين (...) وأناشد أصحاب الحكمة بأن لا ينجرفوا إلى هذه المؤامرات الدنيئة".

الهند وباكستان

في قلب جنوب آسيا، تتجلى واحدة من أكثر المعادلات الجيوسياسية تعقيدا وحساسية، وهي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان. لم تعد هذه العلاقة تُفهم فقط من خلال النزاعات الحدودية أو الطائفية، بل أصبحت تحلل في إطار أوسع، حيث تتداخل مصالح وأولويات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة والصين.

لقد تحول الصراع بين هاتين الدولتين النوويتين إلى عنصر مؤثر في لعبة النفوذ العالمي، حيث تُعتبر الهند حليفًا استراتيجيًا متزايد الأهمية للغرب، بينما تظل باكستان شريكا رئيسيا للصين في مشروعها الجيو اقتصادي. ومع كل جولة جديدة من التوتر، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى:

هل نحن أمام صدام إقليمي تقليدي، أم جزء من إعادة رسم خرائط القوة العالمية؟

 الأسباب والسياقات الدولية

شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في حالات التصعيد العسكري بين الهند وباكستان، سواء على الحدود في كشمير أو من خلال العمليات الإرهابية المنسوبة إلى جماعات مسلحة مرتبطة بباكستان داخل الأراضي الهندية. 

"ليست هذه المرة الأولى التي تقترب فيها الهند وباكستان من شفا حرب. فقد خاض البلدان أربع حروب، ثلاث منها كانت بسبب كشمير. ومنذ عام 1989، تتعرض الهند لهجمات إرهابية كل بضع سنوات، حيث تتهم الهند باكستان والجماعات الإرهابية التي تتخذ من أراضيها مقراً لها،" تقول لموقع "الحرة" الباحثة في معهد هدسون الدكتورة أبارنا باندي. 

وتضيف "على الرغم من أن باكستان تصف النزاع بأنه ديني، إلا أنه في الواقع ليس كذلك، كما أنه ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل هو صراع تاريخي وجيوسياسي يعكس العلاقات المعقدة بين البلدين".

لا يمكن فهم هذه التوترات بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الهند وباكستان أكثر ارتباطًا بمحاور نفوذ أكبر تتداخل فيها مصالح واشنطن وبكين، في ظل عالم يتجه نحو تصاعد الاستقطاب الاستراتيجي.

الدور الأميركي

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، عملت الولايات المتحدة على توثيق علاقاتها مع الهند، استنادًا إلى تعزيز الديمقراطيات الآسيوية، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والدفاع. وقد تجلّى ذلك في:

  • توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي واستخباري عالية المستوى، مثل اتفاق BECA لتبادل البيانات الجغرافية العسكرية.
  • دعم الهند في تحالف "الرباعية" (QUAD) لمواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ.
  • تقديم الهند كشريك موثوق في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة.

من ناحية أخرى، تتبنى واشنطن سياسة أكثر حذرًا تجاه باكستان، التي كانت حليفًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، لكنها فقدت الكثير من الثقة بعد أزمة أفغانستان. ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أهمية عدم فقدان إسلام آباد لصالح بكين، لذا تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة معها في مجالات مثل الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

الدور الصيني

الصين التي تخوض منافسة مفتوحة مع الولايات المتحدة على قيادة النظام العالمي، ترى في باكستان ركيزة أساسية في استراتيجيتها الإقليمية. 

ويتجسد التحالف بين بكين وإسلام آباد في:

  • الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (CPEC)، والذي يربط الصين بالمياه الدافئة عبر باكستان، ويمر عبر مناطق متنازع عليها مع الهند.
  • دعم سياسي ودبلوماسي مستمر في المحافل الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بقضية كشمير أو تصنيف الجماعات المسلحة.
  • تعزيز التعاون الدفاعي والتقني، بما في ذلك تزويد باكستان بأنظمة صاروخية، ومقاتلات حديثة، وتقنيات مراقبة متقدمة.

تسعى بكين عبر هذا الدعم إلى تحجيم الدور الهندي وخلق توازن ضغط على حدودها الغربية، خاصة في ظل احتدام الخلافات الحدودية بين الهند والصين في لاداخ وجبال الهيمالايا. 

يقول المحلل الجيوسياسي، أكشوبه غيريدهاراداس، في حديث مع "الحرة" أن "الصين بينما تتولى قيادة مشروعها، فإن مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي (IMEC) قد اكتسب أهمية أكبر". 

ويابع: "من الضروري أن نفهم بوضوح أن هذا الممر يضم الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وإيطاليا والولايات المتحدة، مما يمثل إشارة إلى الصين مفادها: 'لديكم مبادرة الحزام والطريق (BRI)، ونحن أيضاً لدينا مشروع (IMEC)'. 

ويرى غيريدهاراداس أن المشروع الهندي هو محاولة لبناء نظام اقتصادي جديد قائم على الثقة، حيث أن مبادرة الحزام والطريق الصينية ماهي إلا 'دبلوماسية فخ الديون الصينية'. فهذه المبادرة ليست مساعدات حقيقية، بل قروض منخفضة التكلفة مع أسعار فائدة مرتفعة للغاية بالنسبة للعديد من الدول".

مخاطر التوترات

تتجاوز تداعيات التوتر الهندي-الباكستاني حدود الإقليم، لتصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوى عالميًا. ومن أبرز أوجه هذه الأهمية هو الخطر النووي، فالهند وباكستان دولتان نوويتان، وأي خطأ في التقدير العسكري قد يقود إلى تصعيد كارثي، يهدد ليس فقط الاستقرار الإقليمي، بل الأمن الدولي بأسره.

كما أن توتر الأوضاع في كشمير يُسهم في إعادة تنشيط الخطاب الجهادي، ويدفع الجماعات المسلحة لاستغلال البيئة المحتقنة سياسيًا وطائفيًا مما يهدد الأمن الإقليمي. 

لهذا أضحت ساحة المنافسة الجيو-اقتصادية بين الصين والهند تتوسع من كشمير إلى المحيط الهندي، ومرورًا بسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنى التحتية، مما يجعل جنوب آسيا نقطة ارتكاز في مستقبل الاقتصاد العالمي.

أصبحت العلاقات الهندية الباكستانية عاملًا يُؤثر على إعادة تموضع القوى الدولية في ما يتعلق بسياسات كل من واشنطن وبكين في آسيا. وكل تصعيد يُعيد اختبار مدى قدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.

وتتجاوز هذه التوترات كونها مجرد صراع حدودي تقليدي، إذ أصبحت جزءًا أساسيًا من شبكة أوسع من النزاعات الاستراتيجية بين القوى العظمى. ومع غياب مسار حقيقي لحل سياسي شامل، ستظل هذه التوترات بمثابة "لغم جيوسياسي دائم" يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة معادلتين معقدتين: دعمها الاستراتيجي للهند، التي تعتبرها ركيزة أساسية في مواجهة التمدد الصيني، والحاجة إلى الحفاظ على حد أدنى من العلاقة الأمنية مع باكستان، خاصة في ما يتعلق بقضايا الإرهاب وأفغانستان. 

وتوضح باندي أن "ن الولايات المتحدة لا تمتلك مصلحة مباشرة في كشمير، بل تركز على استقرار جنوب آسيا. وتسعى لتفادي نشوب حرب نووية أو حتى صراع تقليدي بين الهند وباكستان. بالإضافة إلى ذلك، تهتم الولايات المتحدة باستقرار الهند، التي يُتوقع أن تشهد نموًا اقتصاديًا وعسكريًا، لتكون حليفًا وشريكًا لأميركا في مواجهة الصين". 

إن استمرار التوتر يُعقد استراتيجية الولايات المتحدة لبناء تكتلات قوية في آسيا، ويهدد الاستقرار الضروري لتثبيت موازين القوى الفعالة في مواجهة بكين.