قرار جديد لطالبان بمنع نشر تصوير الكائنات الحية في وسائل الإعلام
قرار جديد لطالبان بمنع نشر تصوير الكائنات الحية في وسائل الإعلام

خلال سنوات تمردها، استغلت حركة طالبان كل ما يمكن للوسائط البصرية أن تمنحه على صعيد الدعاية والتأثير والاستقطاب، فأخرجت مئات الإصدارات المرئية، ووثقت آلاف العمليات التي نفذها عناصرها، وأنتجت أفلاما تؤرخ لسير زعمائها ومؤسسيها، وبدا أن الحركة قد تجاوزت مواقفها المتشددة من "التصوير" والتي تبنتها إبان فترة حكمها الأولى بين عامي 1996 و2001.

لكن ما أن تولت السلطة مرة أخرى، عادت إلى مواقفها السابقة من التصوير، وعززتها بترسانة من القوانين التي صاغتها وزارة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، لتحيي بذلك جدلا قديما عن حكم تصوير الكائنات الحية، أو "تصوير ذوات الأرواح" كما كان رائجا في الخطاب الإسلاميوي المعاصر، وأججت مرة أخرى سجالا خامدا بين الإسلاميين ظن الجميع أن التاريخ قد تجاوزه.

خلاف قديم

لم تكن حركة طالبان أول من طرح أفكارا متشددة بشأن التصوير، بل سبقها إلى ذلك شيوخ وتيارات ومؤسسات إسلامية، رأت في التصوير بكل أشكاله وتقنياته "إثما كبيرا ومنازعة لله في خصائصه". فالخلق والتكوين والتصوير -بزعمهم- من خصائص الله وحده، ولا يجوز للعباد التجرؤ على محاكاة صنيع الله برسم لوحة أو التقاط صورة أو حتى تسجيل مقطع مرئي متحرك.

لكن مع تحول التصوير والتسجيل في عصر الفضائيات إلى صناعة تدر ملايين الدولارات، ودخول الشيوخ والمؤسسات الدينية غمار هذا الاستثمار المربح، - وبعضهم كان من المتشددين سابقا في حظر التصوير - خفتت الأصوات المحرمة للتصوير وتقنياته إلى أن اختفت تماما، وحل محل التحريم منافسة محمومة على حصد المشاهدات، واستقطاب الجماهير، وتجويد تقنيات العرض من خلال الاستوديوهات الفاخرة، والمؤثرات الصوتية والبصرية المتقنة. وأطاحت شعبية الشيوخ منذ 2005 إلى 2011 بشعبية مشاهير الفن والغناء والسينما في العالم العربي، وصار للشيخ وكيل أعمال يبرم له العقود، ويفاوض شركات الإنتاج، وينتقل من فضائية إلى أخرى، أو يحصر خدماته في واحدة فقط بموجب عقد احتكار.

وأصدرت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية عشرات الفتاوى تحرم فيها التصوير بكافة أشكاله وتقنياته، كالفتوى رقم 15952 التي اعتبرت أن التصوير بالآلات الحديثة "حرام وكبيرة من الكبائر". والفتوى رقم 16259 التي تحث عن إتلاف صور الإنسان والحيوان وكل ذوات الأرواح. والفتوى التي تحرم تسجيل مقاطع الفيديو وترى أن "تصوير الفيديو كالتصوير الفوتوغرافي في المنع والتحريم".

وحرمت فتاوى أخرى وقعتها اللجنة كل أنواع الصور، كصور التذكار والعائلة، وصور العلامات التجارية التي تكون على هيئة إنسان أو حيوان، والصور التعليمية التي توضع في الكتب المدرسية، ولم تستثن سوى صور الهويات الشخصية وجوازات السفر. 

كان يشرف على أعمال اللجنة حينها شيوخ يحظون بالتقدير في العالم الإسلامي مثل عبد العزيز بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية من سنة 1992 إلى 1999، وعبد العزيز آل الشيخ خلفه في المنصب إلى يومنا هذا، وصالح الفوزان، وبكر أبو زيد وغيرهم.

إلى جانب آراء التحريم، ظهرت أيضا أصوات تجيز التصوير، وترى أن الأحاديث والنصوص الواردة في حرمته لا يمكن إسقاطها على تقنيات التصوير الحديثة، وأن المعني بها هم النحاة وصناع التماثيل التي يتخذها الناس للعبادة، وكان من هؤلاء كثير من شيوخ الأزهر، ومفتى مصر الأسبق أحمد هريدي الذي أجاز "اتخاذ الصور التي لا ظل لها، أو الصور ذات الأغراض التعليمية والبحثية". وسلفه في الإفتاء للديار المصرية، محمد بخيت، الذي أصدر كتيبا بعنوان " الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي"، والشيخ محمد متولى الشعراوي، ومحمد الغزالي، إلى جانب كل شيوخ الحركات الإسلامية وكان من أبرزهم الداعية المصري الراحل يوسف القرضاوي.

دخل القرضاوي في سجالات طويلة مع شيوخ الدعوة السلفية الذين يحرمون التصوير، وخصص حيزا في كتبه القديمة لشرح وجهة نظره في الموضوع، والدفاع عنها، وكان يحاول اقناع مخالفيه بأن التصوير الحديث هو انعكاس وليس خلقا أو تكوينا، وأن "الصور الفوتوغرافية شيء مستحدث لم يكن في عصر الرسول فكيف ينطبق عليه ما ورد من أحاديث في التصوير" وسرد في كتابه الأشهر "الحلال والحرام في الإسلام" ما اعتبرها أدلة على إباحة التصوير.

مراجعات

كانت الآراء المتشددة في تحريم التصوير رائجة في السبعينيات والثمانينيات، لكن ابتداءً من أواسط التسعينيات، أخذت حدة هذه الآراء تتراجع وتختفي رويدا رويدا.

وقد حصل مع التصوير ما حصل مع كثير من منتجات الحضارة الحديثة التي قوبلت في أول ظهورها في البلدان الإسلامية بالنكير والتحفظ لكن تم التطبيع معها أخيرا لتصير جزءا من الحياة اليومية. فقد مُنع تدريس اللغات الأجنبية، والفلسفة، كما لم تنفذ بعض النظريات العلمية إلى داخل أسوار مدارس العالم الإسلامي إلا في العهد القريب، لاسيما النظريات التي تفسر أصل الكون أو تشير إلى كروية الأرض وغيرها، بل عانى الشاي كثيرا من فتاوى الحظر قبل أن يجد لنفسه مكانا على موائدنا.

واعتبارا من أواسط التسعينيات، بدأت ثورة الصورة والفيديو تعصف بفتاوى التحريم، فالتصوير لم يكن تقنية عابرة كما تخيلها بعض الشيوخ، بل عنوانا لعصر جديد سيحل على البشرية، إنه العصر الرقمي، بابتكاراته وتجلياته المدهشة. وبدت فتاوى التحريم كتجديف يائس عكس حركة التاريخ.

تراجع الشيوخ الذين حرموا التصوير عن بعض مواقفهم المتشددة، بمن فيهم عبد العزيز بن باز نفسه، الذين كان قد حرم تسجيل أفلام الفيديو حتى وإن كانت لأغراض تعليمية أو دعوية، تراجع أخيرا عن آرائه وظهر بنفسه في مقاطع مصورة. وأصدر محمد بن صالح العثيمين الفقيه السعودي الأشهر وعضو هيئة كبار العلماء فتوى أباح فيها تصوير الفيديو لأن "صور الفيديو ليس لها مظهر وإنما هي مجرد موجات كهرومغناطيسية". محمد ناصر الدين الألباني الداعية السلفي الأردني من أصول ألبانية تراجع أيضا عن فتواه بتحريم التصوير، وتوقف عن إصدار الأحكام بشأنه.

ولم يكد يدخل القرن الواحد والعشرين حتى اختفت معظم الفتاوى التي تحرم التصوير، أو تحولت إلى مواقف ناشزة لا تلقى أي اهتمام أو تأثير في العالم الإسلامي، بل أضحت عنوانا على التخلف، والعجز عن استيعاب التطورات الحضارية حتى في مظاهرها الإيجابية.

ومع انتشار الفضائيات وشيوع ثقافة التلفزيون، انتقل الخطاب الديني من المسجد والمنبر إلى الشاشة، وتناسلت في وقت قصير مئات الفضائيات التي تبث برامجها الدينية على مدار الساعة، وظهرت طبقة من نجوم الشاشة الشيوخ، الذين نجحوا في استقطاب شرائح واسعة من المشاهدين. المفارقة هنا أن بعضهم كان ممن يفتي سابقا بحرمة التصوير. فتحول التصوير من " إثم عظيم ومعصية كبيرة" إلى سوق للتنافس بين الشيوخ، وقد انسحب أحدهم ذات يوم من قناة تلفزيونية لأنها تعاقدت مع شيخ آخر!

يرصد المفكر السعودي عبد الله الغذامي في كتابه "الفقيه الفضائي" ظاهرة التحول من تحريم التلفزيون والأطباق اللاقطة إلى التنافس عليها، فيقول: "لما جاءت الفضائيات قامت قائمة المنابر ضدها حتى صار كثير من الناس يداري ويحتال لكيفية وضع الأطباق على سطح بيته تجنبا لما يُخاف منه من ملامة وتشهير. كان هذا في مطلع التسعينيات وما هي إلا سنتان أو ثلاث حتى تغير الوضع كله وأخذت الناس تنسى فكرة التحريم والمحاذرة، ليجدوا أنفسهم تحت طائلة الحث والندب لمشاهدة البرامج الدينية، وما هو أكثر من ذلك إذ غزت الفضاء محطات إسلامية متنوعة وبلا حصر وصار سباق تنافسي حي ومباشر على احتلال موقع في هذا الفضاء".

التحريم مجددا

رغم التباين الذي يصل أحيانا إلى درجة العداء بين التيار السلفي الوهابي وبين حركة طالبان بعقيدتها الديوبندية، فهما يتقاطعان في كثير من المواقف، ومنها الموقف من "تصوير ذوات الأرواح"، غير أن التيار السلفي تجاوز فتاوى المنع والتحريم ولم يعد يتداولها في مؤلفاته بينما ظلت طالبان متمسكة بمواقفها القديمة، والتي كرستها مؤخرا بقانون صادر عن وزارة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، بعدما أقره زعيم الحركة هيبة الله آخنذ زاده.

وتنص المادة الـ17 من هذا القانون المكون من 35 مادة على أن "على الموظفين العاملين في وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تطبيق هذا القانون من خلال منع نشر تصوير الكائنات الحية في وسائل الإعلام".

وقال المتحدث باسم وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سيف الإسلام خيبر، إن وسائل الإعلام الحكومية في ولايات تخار وميدان ووردك وقندهار قد طُلب منها عدم بث أو عرض صور أي شيء له روح - أي البشر والحيوانات، وأضاف أن "القانون يسري على جميع أنحاء أفغانستان، وسيتم تطبيقه تدريجياً".

الأسبوع الماضي أفادت وسائل إعلام أن مدير عام الإذاعة والتلفزيون الوطني في أفغانستان، قاري يوسف أحمدي، اجتمع برؤساء فروع التلفزيون والإذاعة، وأخبرهم بأن زعيم طالبان الملا هبة الله آخوندزاده، ضغط عليهم من أجل وقف بث القنوات التلفزيونية لتصويرها الكائنات الحية، وتحويل جميع القنوات إلى محطات إذاعية فقط.

الإشكالية أن هناك شخصيات من طالبان لم يرق لها القانون الجديد، لا سيما أولئك الذين دأبوا على الظهور في وسائل الإعلام وفي مقدمتهم رموز شبكة حقاني، الذين يملكون حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتفاعلون مع وسائل الإعلام الأجنبية، وقد بث هؤلاء مقطع فيديو لمؤسس الشبكة جلال الدين حقاني وهو يتحدث عن موقفه من التصوير، ويؤكد على جوازه، وضرورة توظيفه لصالح "الجهاد".

رغم أن قانون الحظر دخل حيز التنفيذ، لا يزال آل حقاني ينشرون صورهم والمقاطع المرئية الخاصة بهم على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. فهل يكون حظر التصوير بداية الانقسام في صفوف الحركة؟

الأيغور في الصين

لا تعمل مضخة وقود في شينجيانغ، ما لم يقف الأويغوري، الذي يريد تعبئة سيارته، أمام كاميرات التعرف على الوجه في المحطة.

وإذا أراد الدخول إلى سوق، فليس أمامه إلا النفاذ عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وأدوات التحقق من الهويات، وكاميرات التعرف على الوجه، كذلك.

"أن تكون إويغوريا يعني أن تعيش في كابوس دائم،" يقول مايكل سوبوليك، الباحث المتخصص في الشأن الصيني، لموقع "الحرة".

في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور المسلمة غربي الصين، تنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، بينما تتربص نقاط التفتيش الأمنية بالمارة عند كل منعطف: أين هاتفك الشخصي؟

وتقول منظمات حقوقية دولية إن بكين رسخت، على مدى عقد من الزمن أحد أكثر أنظمة المراقبة الرقمية شمولية في العالم، وحولت 13 مليون أويغوري إلى مختبر حي لإدوات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

والأخطر أن نموذج القمع الرقمي الصيني هذا، يمكن أن يُحتذى في أي مكان في العالم، بل أن دعوى قضائية، تجري فصولها في باريس حاليا، تشير إلى تطبيقات للنظام في دول عدة.

محكمة في باريس

في قاعة محكمة في باريس، يغلي على نار هادئة، منذ أسابيع، صراع قانوني قد يكون غير مسبوق، لمحاسبة شركات تكنولوجيا صينية على جرائم ضد الإنسانية.

يقود القضية، باسم "المؤتمر العالمي للإيغور"،  المحامي الفرنسي، الشهير في مجال حقوق الإنسان، ويليام بوردون. والمتهمون فيها فروع فرنسية لثلاث من عمالقة التكنولوجيا الصينية: هواوي، وهايكفيجن، وداهوا.

 التهمة: التواطؤ في إبادة جماعية.

تؤكد الدعوى على أن الشركات العملاقة تلك ساعدت في بناء دولة رقابة شاملة في إقليم شينجيانغ، حيث أن أنظمة التعرف على الوجوه وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تراقب فقط، إنها مدربة لاستهداف الأويغور على أساس عرقي.

ووفقا لـ"المؤتمر العالمي للإيغور"، لم تكن هذه الأنظمة مجرد أدوات مراقبة، بل وسائل للاعتقال والتعذيب والسيطرة، تغذي واحدة من أوسع شبكات القمع الرقمي في العالم.

ولا تقتصر الدعوى على استخدام القمع الرقمي داخل حدود الصين، بل تتضمن الإشارة إلى استخدام هذه الأنظمة في مناطق صراع أخرى مثل أوكرانيا، وفي مشاريع مراقبة في الإكوادور وصربيا.

ويقول ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، في حديث مع موقع "الحرة" إن أنظمة المراقبة هذه أصبحت متاحة على نطاق واسع لحكومات أجنبية ترغب في تقليد النموذج الصيني.

"يبدو أن هناك عددا من الدول في إفريقيا وآسيا، وربما بعض الدول الأوروبية، لكنها تتركز بشكل أساسي في إفريقيا وآسيا، وربما أميركا اللاتينية أيضا، تشتري هذه الأنظمة من الصين".

"لكن المشكلة،" يتابع ويتز، "أن الصينيين، على ما يبدو، يقومون بجمع هذه البيانات لأنفسهم أيضا".

خوارزمية الشرطة التنبؤية

منذ نحو عشرة أعوام يتعرض الشعب الأويغوري لرقابة مشددة، مصحوبة باعتقالات جماعية تعسفية، ومعسكرات تلقين أيدولوجي قسرية، وقيود على التنقل والعمل والطقوس الدينية.

فبعد إعلان بكين "حرب الشعب على الإرهاب" في 2014، وسعت السلطات الصينية بشكل كبير نطاق استخدام الشرطة للتكنولوجية المتقدمة في مناطق الأويغور.

وفي عهد سكرتير الحزب الشيوعي في تشينجيانغ، تشن كوانغو الذي يوصف بـ"المتشدد"، شهدت مناطق الأويغور فورة في إنشاء مراكز الشرطة، وبات لا يفصل بين مركز وآخر أكثر من 500 متر.

ارتفع الإنفاق الأمني، وزادت عمليات التوظيف في مجال الأمن العام بشكل هائل. ووجدت تقارير أن شينجيانغ توظف 40 ضعفا من رجال الشرطة لكل فرد مقارنة بمقاطعة غوانغدونغ الجنوبية المكتظة بالسكان.

في الوقت ذاته، أطلقت بكين منصات شرطة تعمل بالخوارزميات التنبؤية. ويقوم تطبيق يُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP)" بتجميع البيانات الشخصية من مصادر متعددة: كاميرات المراقبة، وأجهزة تتبع شبكات الواي فاي والهواتف الشخصية، والسجلات المصرفية، وحتى سجلات الصحة والسفر، لتحديد الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات تهديدا محتملا.

ووفقا لهيومن رايتس ووتش، أوعز برنامج "الشرطة التنبؤية" هذا باعتقالات عشوائية للأويغور من دون أن يكون هناك أي مؤشر على وجود تصرف مخالف للقانون.

من شأن الحجاب وحده أن يُفعّل الخوارزمية لتصنيف شخص ما كـ"خطر أمني". وغالبا ما تعتقل السلطات الأشخاص الذين الذين يستهدفهم نظام البيانات هذا، وترسلهم إلى معسكرات التلقين من دون تهمة أو محاكمة.

"إذا كنت مواطنا صينيا وتعيش في الصين، فإن حياتك تُدار من خلال تطبيقات تسيطر عليها في النهاية الحكومة الصينية، وتحديدا الحزب الشيوعي الصيني،" يقول سوبوليك، وهو زميل أقدم في معهد هدسون.

"خذ مثلا تطبيق "وي تشات" (WeChat) الذي يُسمى بـ"تطبيق كل شيء"، سواء كان لطلب الطعام، أو لمراسلة العائلة، أو لاستخدام محرك بحث، أو للنشر على شبكات التواصل الاجتماعي. إنه تطبيق يتغلغل في كل شيء".

وهو أيضا تطبيق يستخدمه الحزب الشيوعي الصيني لتتبع ومراقبة اتصالات المواطنين، يضيف.

ويقول سكان أويغور إن السلطات الصينية تعاملهم دائما بريبة. "إذا بدا عليك أنك من أقلية عرقية، فسيخضونك للتفتيش. أشعر  بالإهانة"، تنقل هيومان رايتس ووتش حديث أحد مستخدمي الإنترنت الأويغور عن عمليات التفتيش الأمنية التي لا تنتهي.

ويعتقد ويتز أن حقوق الأويغور "تُنتهك بطرق عديدة" ونظام المراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي "واحدة منها".

شينجيانغ - رمضان الماضي 

بينما ينشغل العالم عن إقليم شينجيانغ بقضايا دولية أخرى، تواصل الصين حملتها لدمج الأويغور قسريا. 

في شهر رمضان، أجبرت السلطات الصينية الأويغور على تصوير أنفسهم وهم يتناولون الغداء وإرسال اللقطات إلى كوادر الحزب الحاكم، في مسعى لمنع ما تصفه السلطات بـ"التطرف الديني". 

و أُجبر كثيرون على العمل خلال ساعات النهار، واحتُجز الذين رفضوا العمل من 7 إلى 10 أيام، أو أرسلوا إلى "المعسكرات"، بحسب ما أفاد به شرطي محلي راديو "آسيا الحرة"، مارس الماضي.

أزمة أخلاقية

لا تزال قضية العمل القسري في السجون بمثابة أزمة أخلاقية كبيرة على المستوى الدولي، في حين تواصل واشنطن مساعيها للتخفيف من معاناة الأويغور بقوانين وإجراءات تستهدف شركات صينية متورطة في جرائم ضد الإنسانية.

ويصف ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، الجهود الأميركية ودول أخرى، في هذا الشأن، بأنها "أكثر نجاحا" مقارنة بالدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات الصينية لحقوق الإويغور. 

ويشير ويتز إلى إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة جو بايدن قبله شجعتا الحكومات الأوروبية وغيرها على عدم شراء التكنولوجيا الصينية، خاصة تلك التي يمكن أن تُستخدم لجمع بيانات عن الشركات المحلية أو السكان".

وفي أوائل مايو الحالي، أقر مجلس النواب الأميركي قانون "لا دولارات للعمل القسري للأويغور". 

يحظر القانون على وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) تمويل أي برامج تشمل بضائع مُنتجة في إقليم شينجيانغ الصيني أو من طرف كيانات مرتبطة بالعمل القسري المفروض على الأويغور. 

ويُلزم المشروع الجهات المتعاقدة بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام مثل تلك المنتجات. ويفرض أيضا تقديم تقارير سنوية حول الانتهاكات والتحديات في تنفيذ القانون. ويسمح باستثناءات مشروطة بإشعار الكونغرس بشكل مسبق.

ويعزز القانون الجهود الأميركية في التصدي لقمع الصين للإيغور عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي يناير الماضي، وسعت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بشكل كبير "قائمة الكيانات" المشمولة بقانون منع العمل القسري للإيغور. واستهدفت الوزارة شركات صينية متورطة في العمل القسري في شينجيانغ.

وبين عامي 2024 و2025، قامت شركات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا بإدراج شركات صينية عديدة على القوائم السوداء، في قطاعات تشمل الزراعة، وألواح الطاقة الشمسية، والمنسوجات.

إضافة إلى ذلك، "ركزت واشنطن أحيانا على تطوير تكنولوجيا مضادة تتيح للإيغور وغيرهم التحايل على أنظمة المراقبة،" وفقا لويتز.

ويلفت سوبوليك إلى أن إنشاء دولة المراقبة داخل الصين يعود إلى ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، و"بمساعدة دول غربية".

لكنهم تمكنوا من تطوير هذه "التكنولوجيا الديستوبية (المرعبة) ، واستخدامها على شعبهم وعلى الأويغور بشكل خاص، يضيف.

براءات الاختراع

وراء الكواليس، تتعاون بكين مع شركات خاصة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد هوية الأشخاص استنادا إلى العرق. وتقول رويترز إن براءات الاختراع والوثائق التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية، تُظهر أن شركات التكنولوجيا الصينية ابتكرت خوارزميات لتحديد وجوه الأويغور بين الحشود.

وتنقل الوكالة عن أحد الباحثين تحذيره من هناك خروقات جسيمة ترتكب ضد حقوق الإنسان. "تتيح هذه التقنيات للشرطة الاطلاع على قاعدة بيانات ضخمة من الوجوه، وتحديد الوجوه التي صنّفها الذكاء الاصطناعي على أنها أويغورية،" يقول.

أنشأت بكين قاعدة بيانات ضخمة من البيانات البيومترية الخاصة بسكان شينجيانغ. وتحت ستار الفحوصات الطبية المجانية، أُجبر السكان، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، وخاصة الأقليات المسلمة، على تزويد الشرطة بعينات من الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وتسجيلات صوتية.

بهذا الكم الهائل من المعلومات البيومترية الشخصية، إلى جانب شبكات كاميرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات مراقبة الهواتف الذكية، أنشأت الصين نظام مراقبة، أورويلي الطابع. بل أن جورج أورويل نفسه ليصاب بالرعب إزاء دستوبيا حقيقية يعيش في أتونها بشر حقيقيون، وليس مجرد شخصيات خيالية.

يوصف نظام المراقبة في شينغيانع عموما بأنه "دولة بوليسية رقمية"، ويعد بمثابة برنامج تجريبي، تختبره بكين على الأويغور قبل توسيع نطاقه في أماكن أخرى حول العالم.

مثل شخصيات أورويل في روايته "1984"، يعيش حوالي 13 مليون  أويغوري وغيرهم من المسلمين الأتراك في شينجيانغ، حالة خوف مستمرة تحت شبكة أمنية عالية التقنية. 

يعلم الناس أن كل حركة تقريبا تخضع للمراقبة. ذهابك إلى المسجد، الأشخاص الذي تتواصل معهم، ما تقرأه، وحتى طريقة لباسك، يتم باستمرار تقييمها بواسطة الخوارزميات. 

يتجنب كثيرون في تشينجيانغ تبادل العبارات الدينية  أو ذات الصبغة الثقافية الخاصة. فتواصلك مع الأقارب في الخارج، أو امتلاكك سجادة صلاة، أو مشاركتك آية قرآنية على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تنتهي بك إلى السجن. 

يقول أويغور أنهم "يخافون من الصلاة أو حتى ارتداء الملابس التقليدية" في منازلهم، لأنهم يعلمون أن عيون الدولة وآذانها في كل مكان، والعواقب وخيمة.

منذ عام 2017، نفذت السلطات الصينية حملات اعتقال جماعي في شينجيانغ. واحتجزت  أكثر من مليون من الأويغور والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون، وفقا لتقديرات نقلتها الأمم المتحدة، وفقا لرويترز. 

أُرسل كثيرون إلى المعسكرات ليس لارتكابهم أي جريمة، بل لأن أنظمة الرقابة الآلية وضعتهم على قائمة "غير موالين محتملين" بسبب بصمتهم الرقمية.

داخل معسكرات التلقين، التي تسميها بكين "مراكز التدريب المهني،" نقل معتقلون سابقون عن تعرضهم للتعذيب والتلقين السياسي والإجبار على التخلي عن دينهم. 

تمزقت أوصال عائلات: يختفي البالغون في معسكرات سرية بينما يُوضع الأطفال في مؤسسات حكومية، في سعي السلطات لمحو هوية الأويغور. حتى غير المعتقلين يعيشون تحت نوع من الإقامة الجبرية المؤقتة. 

يسرد تقرير للغاردينان قصة رجل أويغوري عاد إلى شينجيانغ من الدراسة في الخارج، فوصف على الفور بأنه "خطر" لمغادرته البلاد؛ اعتقلته الشرطة في المطار، وأجبرته على الخضوع لـ"فحص صحي" بيومتري، واقتادته إلى مركز احتجاز.

أُلقي القبض على آخرين لمجرد أن أحد أقاربهم في الخارج، أو لأن هواتفهم تحمل محتوى إسلاميا.

تقول منظمات حقوقية دولية إن المراقبة الشاملة تُغذي منظومة انتهاكات أوسع نطاقا. في تقرير صدر في أغسطس 2022، خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن ممارسات الصين الرقابية في شينجيانغ "قد تُشكل جرائم دولية، لا سيما جرائم ضد الإنسانية".

وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أدلة على الاعتقال الجماعي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والعمل القسري في المنطقة، والتي تُسهّلها البنية التحتية المتطورة للمراقبة، مما يجعل من شبه المستحيل على الأويغور التهرب من سيطرة الدولة.

باختصار، أصبحت شينجيانغ سجنًا مفتوحًا حيث تُحاصر مجموعة عرقية بأكملها بالوسائل الرقمية. الخسائر البشرية فادحة: تدمير الخصوصية، وتجريم المعتقد والثقافة، وتعطيل أو تدمير حياة ملايين الأشخاص. 

"لقد بنت الصين في شينجيانغ ديستوبيا مدفوعة بالمراقبة، وهي نموذج للقمع يجب على العالم مواجهته على وجه السرعة"، قالت صوفي ريتشاردسون من هيومن رايتس ووتش: (هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٣). 

شركات القمع التكنولوجي

تؤكد تقارير أن اعتماد بكين على نخبة من الشركات الصينية العملاقة في مجال تكنولوجيا الأمن في توفير الأجهزة والبرمجيات التي تشغل دولة شينجيانغ البوليسية.

هيكفيجن وداهوا وهواوي وهي من أكبر شركات صناعة كاميرات المراقبة في العالم.

فازت هيكفيجن وداهوا بعقود ضخمة لتزويد شينجيانغ بكاميرات مراقبة وأنظمة تعرف على الوجه. 

وتُظهر أبحاث استندت إلى وثائق شرطة مسربة أن كاميرات هيكفيجن جزء أسياسي في برامج الشرطة في شينجيانغ لتتبع الأويغور واستهدافهم.

إذا كنت أويغوريا

إذا كنت أويغوريا تعيش في الصين، فمن المستحيل أن تعيش حياتك دون أن تكون خاضعا للرقابة المستمرة من الحزب الشيوعي الصيني، يقول سوبوليك.

"وما هو أكثر مأساوية،" يضيف، "أنه حتى لو كنت أويغوريا تعيش خارج الصين – في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى – فإن قمع الحزب لا يزال يلاحقك".