البيت الأبيض يقول إن تصريحات نتانياهو بشأن الأسلحة الأميركية مخيبة للآمال
بايدن يريد الحفاظ على إرث مساهماته في السياسة الخارجية الأميركية . أرشيفية

يواصل الرئيس الأميركي، جو بايدن، أداء مهامه وصلاحياته حتى موعد تنصيب الرئيس المنتخب في 20 يناير 2025، فيما يُعرف بفترة "البطة العرجاء" في الولايات المتحدة – وهي الفترة الانتقالية التي تسبق تسلم الرئيس المنتخب للسلطة، وتهدف إلى ضمان انتقال سلس للقيادة.

ويرى محللون، تحدثوا إلى موقع "الحرة"، أن بايدن قد يسعى خلال هذه الفترة لتحقيق إنجازات حتى وإن كانت محدودة، في مسعى لتعزيز إرثه في السياسة الخارجية الأميركية، مع التركيز بشكل خاص على الأزمة في الشرق الأوسط.

وكان الرئيس المنتخب، دونالد ترامب، قد أكد أنه "سينهي الحرب في الشرق الأوسط سريعا" بعد تسلمه منصبه.

Former US President and Republican presidential candidate Donald Trump (R) arrives for  an election night event alongside…
بعد فوز ترامب وقبل مغادرة بايدن.. ما مرحلة "البطة العرجاء"؟
فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية التي جرت الثلاثاء، بعد نيله 270 صوتاً من أصوات المجمع الانتخابي اليوم الأربعاء، مقابل 224 صوتاً حصلت عليها غريمته الديمقراطية كاملا هاريس نائبة الرئيس الحالي جو بايدن.

المحلل السياسي والعسكري الأميركي في معهد هدسون، ريتشارد وايتز، يعتقد أن إدارة بايدن قد تستطيع إحداث اختراق في الأزمة في الشرق الأوسط قبل مغادرتها، من خلال "وقف إطلاق النار في لبنان".

ويوضح في حديث لموقع "الحرة" أن الصراع في غزة "قد يستمر لعدة أشهر أخرى على الأقل".

"الأهداف القابلة للتحقيق"

بلينكن أكد التزام الولايات المتحدة المستمر بإنهاء الصراعات في غزة ولبنان

المحلل الأمني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في واشنطن، محمد الباشا، يعتقد أن إدارة بايدن ستركز على الأهداف القابلة للتحقيق بدلا من السعي لتحقيق اختراقات كبرى، نظرا لتعقيد القضايا الإقليمية والإطار الزمني المحدود.

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" أن جهود الإدارة الديمقراطية الحالية المحتملة قد تركز على "تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة من الحروب، مثل غزة وجنوب لبنان، عبر الشراكات الدولية".

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، أن الوزير أنتوني بلينكن يعتزم مواصلة عمله لإنهاء الحرب في غزة ولبنان في الفترة المتبقية من ولايته.

وقال المتحدث باسم الخارجية، ماثيو ميلر، للصحفيين: "سنواصل العمل حتى إنهاء الحرب في غزة وإنهاء الحرب في لبنان، وايصال المساعدات الإنسانية إلى غزة. من واجبنا المضي في هذه السياسات حتى ظهر يوم 20 يناير حين يتولى الرئيس المنتخب مهماته".

كما أنه سيكثف وساطاته لخفض التصعيد لمحاولة تحقيق أي إنجاز مثل: وقف إطلاق النار في غزة، أو تطبيق خارطة الطريق الأممية في اليمن، أو تأمين إطلاق سراح الرهائن عبر الوساطة، أو إنشاء ممرات إنسانية لتوصيل المساعدات الطبية، أو تنظيم قمة إقليمية لبحث التحديات المشتركة، مثل أمن المياه ومكافحة الإرهاب بحسب الباشا.

ويتوقع الباشا أن يكون التعاون بين بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو "محدودا"، إذ قد يفضل الأخير انتظار عودة ترامب للبيت الأبيض بهدف الدفع بالاحتياجات الأمنية الإسرائيلية العاجلة، خاصة مع الانتقادات التي وجهت للإدارة الحالية بتأخير وصول ذخائر أرادتها إسرائيل بشدة.

وبينما دعا ترامب إلى السلام، شدد على وضعه كأقوى حليف لإسرائيل، حتى أنه وعد رئيس نتانياهو بأنه "سيتم المهمة" ضد حماس في غزة.

ساعة زمنية مغايرة

ترامب ونتانياهو في لقاء سابق - أرشيفية

عامر السبايلة، وهو أستاذ جامعي ومحلل جيوسياسي أردني، يقول إنه بغض عن طموحات بايدن خلال الفترة الزمنية المقبلة، إلا أن إسرائيل تعمل بساعة زمنية مغايرة تماما عنه.

ويشرح في حديثه لموقع "الحرة" أن التغييرات التي أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي على مستوى وزارة الدفاع ترسل رسالة واضحة أن "إسرائيل قد تستغل فترة ما قبل التنصيب والتوسع في عمليات عسكرية، لإيجاد واقع جديد قبل استلام ترامب لمنصبه رسميا".

وأضاف أن المنطقة "لا تزال في مرحلة الجبهات المفتوحة، والتصعيد المتزايد، والتهديدات المتزايدة"، وبالتالي "مناخات إحلال السلام غير متوفرة أصلا، وما لم يستطع تحقيقه خلال أكثر من عام، لن يتمكن من إتمامه في نحو شهرين، وستكون الفرصة مواتية أكبر لبذل الجهود في إدارة باقية في البيت الأبيض".

وأعلن ترامب أنه سيطلق يد إسرائيل في حربها في غزة، منتقدا موقف الرئيس بايدن الذي تعرض بدوره لانتقادات من يسار حزبه الديمقراطي لعدم ممارسته ضغوطا كافية على إسرائيل.

بعد انتخابه عام 2016، اتخذ الرئيس ترامب عدة مبادرات تصب في مصلحة إسرائيل.

فمنذ ديسمبر 2017، اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وخرج عن الحياد التاريخي للمجتمع الدولي في هذه القضية، ونقل السفارة الأميركية إلى المدينة المقدسة لدى الديانات الثلاث، على الرغم من احتلال إسرائيل للجزء الشرقي منها منذ عام 1967 قبل أن تعلن ضمه.

واعترف ترامب أيضا بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية الاستراتيجية التي تحتلها إسرائيل أيضا منذ عام 1967 ويعتبرها المجتمع الدولي أراضي سورية.

وأكدت إدارته أيضا أنها لا تعتبر المستوطنات في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل غير قانونية، وهو موقف يتعارض مع القانون الدولي.

وخلال فترة ولايته، عمل الدبلوماسيون الأميركيون أيضا بشكل حثيث للتطبيع بين إسرائيل والعديد من الدول العربية عبر توقيع اتفاقات إبراهيم التي يرى العديد من الإسرائيليين أنها تضمن الأمن لهم.

محاولات لتحريك ملف التطبيع

إدارة بايدن انخرطت في جهود التطبيع بين السعودية وإسرائيل (أرشيفية)

وفي ملف التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية، يؤكد السبايلة أن التقدم فيها قد يكون "في مراحل زمنية لاحقة، ليس في عهد بايدن بالتأكيد".

وأضاف أن نتانياهو لن يوقف تعاونه مع بايدن، ولكن سنرى لهجة مغايرة بعد عودة ترامب.

ولكن هذا لن يحبط الرئيس بايدن إذ سيسعى إلى تحريك ملف "اتفاقيات التطبيع القائمة في إطار اتفاقات إبراهيم، وتكثيف تحركات مبعوثيه الدبلوماسيين للمنطقة" بحسب الباشا.

وقال "رغم أن تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل يبدو أنه سيمتد إلى الإدارة المقبلة، قد يتمكن بايدن من تمهيد الطريق عبر خطوات تحضيرية".

وقام وزير الخارجية الأميركي، بلينكن بـ 11 جولة في الشرق الأوسط منذ هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023، وهو يدفع منذ أشهر للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة يشمل الافراج عن الرهائن.

وتحدث عن محاولات أخيرة خلال الشهرين المقبلين بتوسيع "التبادلات الاقتصادية أو الثقافية بين إسرائيل ودول مثل الإمارات والمغرب، وتشجيع تدابير بناء الثقة بين السعودية وإسرائيل، مثل التعاون التجاري أو الأمني السري ولو حتى كان من دون الوصول إلى تطبيع رسمي".

وحول ما إذا كانت هذه الجهود قد تنجح أم لا؟، يلفت الخبير الباشا إلى أن "السعودية قالت بشكل علني إن التطبيع مع إسرائيل مرهون بتحقيق تقدم ملموس نحو حل الدولتين، ما يعكس موقفها الداعي إلى معالجة تطلعات الدولة الفلسطينية".

ورغم عدم القدرة على الوصول إلى حل الدولتين في هذا الوقت الضيق، إلا أن إدارة بايدن قد تحاول تنفيذ "مبادرات تدريجية لدعم التنمية الاقتصادية للفلسطينيين أو تعزيز الحكم الذاتي الفلسطيني كخطوة أولية نحو مفاوضات مستقبلية، وفي الوقت ذاته ستغري إسرائيل بمعالجة المخاوف الأمنية المباشرة لها، وتعزيز أنظمة الدفاع مثل القبة الحديدية، أو دفع مشاريع التحديث العسكري من خلال التدريبات المشتركة، أو توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالتهديدات الإيرانية".

أوكرانيا قد تصبح الأولوية

بايدن وزيلنسكي في كييف

ويعتقد الباشا أن أولويات بايدن قد تذهب إلى إعطاء أولوية لما يحدث في أوكرانيا خلال الـ 70 يوما المقبلة، خاصة بعد دوره المحوري في منع سقوطها بيد روسيا، مما يعكس سعيه لترسيخ إرثه الرئاسي.

وفي هذا السياق، أصدر الرئيس بايدن توجيهات للبنتاغون الجمعة برفع الحظر المفروض على المتعاقدين لإصلاح الأسلحة التي توفرها الولايات المتحدة لأوكرانيا، في خطوة تعزز دعم واشنطن المستمر لجهود كييف في مواجهة التحديات الراهنة، على ما يرى الخبير الباشا.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية ميلر إن الوزير بلينكن سيسعى أيضا إلى إحراز "تقدم ملموس" في أولويات أخرى بينها العمل "لتحقيق كسب في المنافسة مع الصين، مع إدارة العلاقة بين بلدينا بشكل مسؤول" و"ضمان أن تكون أوكرانيا في أفضل وضع للنجاح".

الصحفية مراسلة البيت الأبيض في "ذا هيل"، أليكس غانجيتانو تعتقد أن أولوية بايدن خلال الشهرين المقبلين "على المستوى الشخصي سيعيد الحسابات بشأن فترة رئاسته، وما تبقى منها وسيسعى للحفاظ على إرثه وعمله في مجال السياسة الخارجية، وهو جزء كبير من مسيرته في مجلس الشيوخ قبل أن يصبح نائب رئيس ومن ثم رئيسا".

وأضافت في حديثها لبرنامج "داخل واشنطن" الذي يقدمه، روبرت ساتلوف ويبث على شاشة "الحرة" أنه خلال الفترة المقبلة، قد نرى بايدن "يحاول إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، كما سنشهد دعمه المتواصل لأوكرانيا بقدر ما يستطيع قبل أن يمسك الكونغرس ذو الأغلبية الجمهورية بزمام الأمور حيث ستكون المساعدات في خطر".

وادعى ترامب مرارا أنه قادر على إنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة، منتقدا المساعدات الأميركية لكييف في حربها ضد روسيا.

وواشنطن من أبرز الداعمين العسكريين لكييف. ويشعر كثيرون في أوكرانيا بقلق من عدم مواصلة ترامب تقديم المستوى نفسه من الدعم، أو من إمكان دعمه تسوية سلمية لمصلحة روسيا.

الأيغور في الصين

لا تعمل مضخة وقود في شينجيانغ، ما لم يقف الأويغوري، الذي يريد تعبئة سيارته، أمام كاميرات التعرف على الوجه في المحطة.

وإذا أراد الدخول إلى سوق، فليس أمامه إلا النفاذ عبر أجهزة الكشف عن المعادن، وأدوات التحقق من الهويات، وكاميرات التعرف على الوجه، كذلك.

"أن تكون إويغوريا يعني أن تعيش في كابوس دائم،" يقول مايكل سوبوليك، الباحث المتخصص في الشأن الصيني، لموقع "الحرة".

في شينجيانغ، موطن أقلية الأويغور المسلمة غربي الصين، تنتشر كاميرات المراقبة في كل مكان، بينما تتربص نقاط التفتيش الأمنية بالمارة عند كل منعطف: أين هاتفك الشخصي؟

وتقول منظمات حقوقية دولية إن بكين رسخت، على مدى عقد من الزمن أحد أكثر أنظمة المراقبة الرقمية شمولية في العالم، وحولت 13 مليون أويغوري إلى مختبر حي لإدوات المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي. 

والأخطر أن نموذج القمع الرقمي الصيني هذا، يمكن أن يُحتذى في أي مكان في العالم، بل أن دعوى قضائية، تجري فصولها في باريس حاليا، تشير إلى تطبيقات للنظام في دول عدة.

محكمة في باريس

في قاعة محكمة في باريس، يغلي على نار هادئة، منذ أسابيع، صراع قانوني قد يكون غير مسبوق، لمحاسبة شركات تكنولوجيا صينية على جرائم ضد الإنسانية.

يقود القضية، باسم "المؤتمر العالمي للإيغور"،  المحامي الفرنسي، الشهير في مجال حقوق الإنسان، ويليام بوردون. والمتهمون فيها فروع فرنسية لثلاث من عمالقة التكنولوجيا الصينية: هواوي، وهايكفيجن، وداهوا.

 التهمة: التواطؤ في إبادة جماعية.

تؤكد الدعوى على أن الشركات العملاقة تلك ساعدت في بناء دولة رقابة شاملة في إقليم شينجيانغ، حيث أن أنظمة التعرف على الوجوه وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تراقب فقط، إنها مدربة لاستهداف الأويغور على أساس عرقي.

ووفقا لـ"المؤتمر العالمي للإيغور"، لم تكن هذه الأنظمة مجرد أدوات مراقبة، بل وسائل للاعتقال والتعذيب والسيطرة، تغذي واحدة من أوسع شبكات القمع الرقمي في العالم.

ولا تقتصر الدعوى على استخدام القمع الرقمي داخل حدود الصين، بل تتضمن الإشارة إلى استخدام هذه الأنظمة في مناطق صراع أخرى مثل أوكرانيا، وفي مشاريع مراقبة في الإكوادور وصربيا.

ويقول ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، في حديث مع موقع "الحرة" إن أنظمة المراقبة هذه أصبحت متاحة على نطاق واسع لحكومات أجنبية ترغب في تقليد النموذج الصيني.

"يبدو أن هناك عددا من الدول في إفريقيا وآسيا، وربما بعض الدول الأوروبية، لكنها تتركز بشكل أساسي في إفريقيا وآسيا، وربما أميركا اللاتينية أيضا، تشتري هذه الأنظمة من الصين".

"لكن المشكلة،" يتابع ويتز، "أن الصينيين، على ما يبدو، يقومون بجمع هذه البيانات لأنفسهم أيضا".

خوارزمية الشرطة التنبؤية

منذ نحو عشرة أعوام يتعرض الشعب الأويغوري لرقابة مشددة، مصحوبة باعتقالات جماعية تعسفية، ومعسكرات تلقين أيدولوجي قسرية، وقيود على التنقل والعمل والطقوس الدينية.

فبعد إعلان بكين "حرب الشعب على الإرهاب" في 2014، وسعت السلطات الصينية بشكل كبير نطاق استخدام الشرطة للتكنولوجية المتقدمة في مناطق الأويغور.

وفي عهد سكرتير الحزب الشيوعي في تشينجيانغ، تشن كوانغو الذي يوصف بـ"المتشدد"، شهدت مناطق الأويغور فورة في إنشاء مراكز الشرطة، وبات لا يفصل بين مركز وآخر أكثر من 500 متر.

ارتفع الإنفاق الأمني، وزادت عمليات التوظيف في مجال الأمن العام بشكل هائل. ووجدت تقارير أن شينجيانغ توظف 40 ضعفا من رجال الشرطة لكل فرد مقارنة بمقاطعة غوانغدونغ الجنوبية المكتظة بالسكان.

في الوقت ذاته، أطلقت بكين منصات شرطة تعمل بالخوارزميات التنبؤية. ويقوم تطبيق يُسمى "منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP)" بتجميع البيانات الشخصية من مصادر متعددة: كاميرات المراقبة، وأجهزة تتبع شبكات الواي فاي والهواتف الشخصية، والسجلات المصرفية، وحتى سجلات الصحة والسفر، لتحديد الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات تهديدا محتملا.

ووفقا لهيومن رايتس ووتش، أوعز برنامج "الشرطة التنبؤية" هذا باعتقالات عشوائية للأويغور من دون أن يكون هناك أي مؤشر على وجود تصرف مخالف للقانون.

من شأن الحجاب وحده أن يُفعّل الخوارزمية لتصنيف شخص ما كـ"خطر أمني". وغالبا ما تعتقل السلطات الأشخاص الذين الذين يستهدفهم نظام البيانات هذا، وترسلهم إلى معسكرات التلقين من دون تهمة أو محاكمة.

"إذا كنت مواطنا صينيا وتعيش في الصين، فإن حياتك تُدار من خلال تطبيقات تسيطر عليها في النهاية الحكومة الصينية، وتحديدا الحزب الشيوعي الصيني،" يقول سوبوليك، وهو زميل أقدم في معهد هدسون.

"خذ مثلا تطبيق "وي تشات" (WeChat) الذي يُسمى بـ"تطبيق كل شيء"، سواء كان لطلب الطعام، أو لمراسلة العائلة، أو لاستخدام محرك بحث، أو للنشر على شبكات التواصل الاجتماعي. إنه تطبيق يتغلغل في كل شيء".

وهو أيضا تطبيق يستخدمه الحزب الشيوعي الصيني لتتبع ومراقبة اتصالات المواطنين، يضيف.

ويقول سكان أويغور إن السلطات الصينية تعاملهم دائما بريبة. "إذا بدا عليك أنك من أقلية عرقية، فسيخضونك للتفتيش. أشعر  بالإهانة"، تنقل هيومان رايتس ووتش حديث أحد مستخدمي الإنترنت الأويغور عن عمليات التفتيش الأمنية التي لا تنتهي.

ويعتقد ويتز أن حقوق الأويغور "تُنتهك بطرق عديدة" ونظام المراقبة باستخدام الذكاء الاصطناعي "واحدة منها".

شينجيانغ - رمضان الماضي 

بينما ينشغل العالم عن إقليم شينجيانغ بقضايا دولية أخرى، تواصل الصين حملتها لدمج الأويغور قسريا. 

في شهر رمضان، أجبرت السلطات الصينية الأويغور على تصوير أنفسهم وهم يتناولون الغداء وإرسال اللقطات إلى كوادر الحزب الحاكم، في مسعى لمنع ما تصفه السلطات بـ"التطرف الديني". 

و أُجبر كثيرون على العمل خلال ساعات النهار، واحتُجز الذين رفضوا العمل من 7 إلى 10 أيام، أو أرسلوا إلى "المعسكرات"، بحسب ما أفاد به شرطي محلي راديو "آسيا الحرة"، مارس الماضي.

أزمة أخلاقية

لا تزال قضية العمل القسري في السجون بمثابة أزمة أخلاقية كبيرة على المستوى الدولي، في حين تواصل واشنطن مساعيها للتخفيف من معاناة الأويغور بقوانين وإجراءات تستهدف شركات صينية متورطة في جرائم ضد الإنسانية.

ويصف ريتشارد ويتز، مدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، الجهود الأميركية ودول أخرى، في هذا الشأن، بأنها "أكثر نجاحا" مقارنة بالدور الأوروبي في مواجهة الانتهاكات الصينية لحقوق الإويغور. 

ويشير ويتز إلى إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإدارة جو بايدن قبله شجعتا الحكومات الأوروبية وغيرها على عدم شراء التكنولوجيا الصينية، خاصة تلك التي يمكن أن تُستخدم لجمع بيانات عن الشركات المحلية أو السكان".

وفي أوائل مايو الحالي، أقر مجلس النواب الأميركي قانون "لا دولارات للعمل القسري للأويغور". 

يحظر القانون على وزارة الخارجية ووكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) تمويل أي برامج تشمل بضائع مُنتجة في إقليم شينجيانغ الصيني أو من طرف كيانات مرتبطة بالعمل القسري المفروض على الأويغور. 

ويُلزم المشروع الجهات المتعاقدة بتقديم ضمانات خطية بعدم استخدام مثل تلك المنتجات. ويفرض أيضا تقديم تقارير سنوية حول الانتهاكات والتحديات في تنفيذ القانون. ويسمح باستثناءات مشروطة بإشعار الكونغرس بشكل مسبق.

ويعزز القانون الجهود الأميركية في التصدي لقمع الصين للإيغور عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي يناير الماضي، وسعت وزارة الأمن الداخلي الأميركية بشكل كبير "قائمة الكيانات" المشمولة بقانون منع العمل القسري للإيغور. واستهدفت الوزارة شركات صينية متورطة في العمل القسري في شينجيانغ.

وبين عامي 2024 و2025، قامت شركات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا بإدراج شركات صينية عديدة على القوائم السوداء، في قطاعات تشمل الزراعة، وألواح الطاقة الشمسية، والمنسوجات.

إضافة إلى ذلك، "ركزت واشنطن أحيانا على تطوير تكنولوجيا مضادة تتيح للإيغور وغيرهم التحايل على أنظمة المراقبة،" وفقا لويتز.

ويلفت سوبوليك إلى أن إنشاء دولة المراقبة داخل الصين يعود إلى ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، و"بمساعدة دول غربية".

لكنهم تمكنوا من تطوير هذه "التكنولوجيا الديستوبية (المرعبة) ، واستخدامها على شعبهم وعلى الأويغور بشكل خاص، يضيف.

براءات الاختراع

وراء الكواليس، تتعاون بكين مع شركات خاصة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد هوية الأشخاص استنادا إلى العرق. وتقول رويترز إن براءات الاختراع والوثائق التي كُشف عنها خلال السنوات الماضية، تُظهر أن شركات التكنولوجيا الصينية ابتكرت خوارزميات لتحديد وجوه الأويغور بين الحشود.

وتنقل الوكالة عن أحد الباحثين تحذيره من هناك خروقات جسيمة ترتكب ضد حقوق الإنسان. "تتيح هذه التقنيات للشرطة الاطلاع على قاعدة بيانات ضخمة من الوجوه، وتحديد الوجوه التي صنّفها الذكاء الاصطناعي على أنها أويغورية،" يقول.

أنشأت بكين قاعدة بيانات ضخمة من البيانات البيومترية الخاصة بسكان شينجيانغ. وتحت ستار الفحوصات الطبية المجانية، أُجبر السكان، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية، وخاصة الأقليات المسلمة، على تزويد الشرطة بعينات من الحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وتسجيلات صوتية.

بهذا الكم الهائل من المعلومات البيومترية الشخصية، إلى جانب شبكات كاميرات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات مراقبة الهواتف الذكية، أنشأت الصين نظام مراقبة، أورويلي الطابع. بل أن جورج أورويل نفسه ليصاب بالرعب إزاء دستوبيا حقيقية يعيش في أتونها بشر حقيقيون، وليس مجرد شخصيات خيالية.

يوصف نظام المراقبة في شينغيانع عموما بأنه "دولة بوليسية رقمية"، ويعد بمثابة برنامج تجريبي، تختبره بكين على الأويغور قبل توسيع نطاقه في أماكن أخرى حول العالم.

مثل شخصيات أورويل في روايته "1984"، يعيش حوالي 13 مليون  أويغوري وغيرهم من المسلمين الأتراك في شينجيانغ، حالة خوف مستمرة تحت شبكة أمنية عالية التقنية. 

يعلم الناس أن كل حركة تقريبا تخضع للمراقبة. ذهابك إلى المسجد، الأشخاص الذي تتواصل معهم، ما تقرأه، وحتى طريقة لباسك، يتم باستمرار تقييمها بواسطة الخوارزميات. 

يتجنب كثيرون في تشينجيانغ تبادل العبارات الدينية  أو ذات الصبغة الثقافية الخاصة. فتواصلك مع الأقارب في الخارج، أو امتلاكك سجادة صلاة، أو مشاركتك آية قرآنية على وسائل التواصل الاجتماعي، قد تنتهي بك إلى السجن. 

يقول أويغور أنهم "يخافون من الصلاة أو حتى ارتداء الملابس التقليدية" في منازلهم، لأنهم يعلمون أن عيون الدولة وآذانها في كل مكان، والعواقب وخيمة.

منذ عام 2017، نفذت السلطات الصينية حملات اعتقال جماعي في شينجيانغ. واحتجزت  أكثر من مليون من الأويغور والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون، وفقا لتقديرات نقلتها الأمم المتحدة، وفقا لرويترز. 

أُرسل كثيرون إلى المعسكرات ليس لارتكابهم أي جريمة، بل لأن أنظمة الرقابة الآلية وضعتهم على قائمة "غير موالين محتملين" بسبب بصمتهم الرقمية.

داخل معسكرات التلقين، التي تسميها بكين "مراكز التدريب المهني،" نقل معتقلون سابقون عن تعرضهم للتعذيب والتلقين السياسي والإجبار على التخلي عن دينهم. 

تمزقت أوصال عائلات: يختفي البالغون في معسكرات سرية بينما يُوضع الأطفال في مؤسسات حكومية، في سعي السلطات لمحو هوية الأويغور. حتى غير المعتقلين يعيشون تحت نوع من الإقامة الجبرية المؤقتة. 

يسرد تقرير للغاردينان قصة رجل أويغوري عاد إلى شينجيانغ من الدراسة في الخارج، فوصف على الفور بأنه "خطر" لمغادرته البلاد؛ اعتقلته الشرطة في المطار، وأجبرته على الخضوع لـ"فحص صحي" بيومتري، واقتادته إلى مركز احتجاز.

أُلقي القبض على آخرين لمجرد أن أحد أقاربهم في الخارج، أو لأن هواتفهم تحمل محتوى إسلاميا.

تقول منظمات حقوقية دولية إن المراقبة الشاملة تُغذي منظومة انتهاكات أوسع نطاقا. في تقرير صدر في أغسطس 2022، خلصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن ممارسات الصين الرقابية في شينجيانغ "قد تُشكل جرائم دولية، لا سيما جرائم ضد الإنسانية".

وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أدلة على الاعتقال الجماعي والتعذيب والاضطهاد الثقافي والعمل القسري في المنطقة، والتي تُسهّلها البنية التحتية المتطورة للمراقبة، مما يجعل من شبه المستحيل على الأويغور التهرب من سيطرة الدولة.

باختصار، أصبحت شينجيانغ سجنًا مفتوحًا حيث تُحاصر مجموعة عرقية بأكملها بالوسائل الرقمية. الخسائر البشرية فادحة: تدمير الخصوصية، وتجريم المعتقد والثقافة، وتعطيل أو تدمير حياة ملايين الأشخاص. 

"لقد بنت الصين في شينجيانغ ديستوبيا مدفوعة بالمراقبة، وهي نموذج للقمع يجب على العالم مواجهته على وجه السرعة"، قالت صوفي ريتشاردسون من هيومن رايتس ووتش: (هيومن رايتس ووتش، ٢٠٢٣). 

شركات القمع التكنولوجي

تؤكد تقارير أن اعتماد بكين على نخبة من الشركات الصينية العملاقة في مجال تكنولوجيا الأمن في توفير الأجهزة والبرمجيات التي تشغل دولة شينجيانغ البوليسية.

هيكفيجن وداهوا وهواوي وهي من أكبر شركات صناعة كاميرات المراقبة في العالم.

فازت هيكفيجن وداهوا بعقود ضخمة لتزويد شينجيانغ بكاميرات مراقبة وأنظمة تعرف على الوجه. 

وتُظهر أبحاث استندت إلى وثائق شرطة مسربة أن كاميرات هيكفيجن جزء أسياسي في برامج الشرطة في شينجيانغ لتتبع الأويغور واستهدافهم.

إذا كنت أويغوريا

إذا كنت أويغوريا تعيش في الصين، فمن المستحيل أن تعيش حياتك دون أن تكون خاضعا للرقابة المستمرة من الحزب الشيوعي الصيني، يقول سوبوليك.

"وما هو أكثر مأساوية،" يضيف، "أنه حتى لو كنت أويغوريا تعيش خارج الصين – في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة غربية أخرى – فإن قمع الحزب لا يزال يلاحقك".