غارات إسرائيلية عنيفة ومكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت - رويترز
غارات إسرائيلية عنيفة ومكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت - رويترز

تكثفت عمليات القصف المتبادل بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، الأحد، في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية في إطار مفاوضات تتعلق بصفقة لوقف إطلاق النار.

وشهد الأحد إطلاق أكثر من 240 صاروخا من لبنان مما أسفر عن إصابة تسعة إسرائيليين، أحدهم بجروح خطيرة، كما شنت القوات الجوية الإسرائيلية غارات مكثفة على أهداف لحزب الله في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وأهداف أخرى في البقاع اللبناني.

واستهدفت الغارات مراكز قيادية وعسكرية، بما في ذلك مكاتب استخباراتية ووحدات صاروخية تابعة للحزب.

ووفقا لبيان صادر عن الجيش الإسرائيلي "شنت طائرات حربية لسلاح الجو بتوجيه من هيئة الاستخبارات العسكرية سلسلة غارات استهدفت 12 مقر قيادة عسكرية لحزب الله في منطقة الضاحية الجنوبية في بيروت".

وشملت الغارات استهداف مقرات لركن الاستخبارات في حزب الله ووحدة الصواريخ البحرية فيه والوحدة 4400 المسؤولة عن نقل الوسائل القتالية من إيران مرورا بالعراق وسوريا إلى حزب الله في لبنان، وفقا للمصدر ذاته.

وقال الجيش "لقد استخدم حزب الله مقرات القيادة لتخطيط وتنفيذ مخططات إرهاببة ضد المواطنين الإسرائيليين وقوات جيش الدفاع العاملة في منطقة جنوب لبنان. تعتبر هذه الغارات حلقة مهمة في عمليات جيش الدفاع لضرب قدرات حزب الله لتنفيذ مخططات إرهابية مختلفة ضد دولة إسرائيل".

وأفاد الجيش الإسرائيلي أن "الغارات نُفذت بعد تحديد دقيق للأهداف ووسط ظروف جوية صعبة". في الوقت نفسه، وسّعت القوات البرية عملياتها في جنوب لبنان، متوغلة نحو الخط الثالث للقرى، بهدف تحقيق سيطرة استراتيجية استعدادا لأي سيناريو مستقبلي، وفقا لمراسل "الحرة" في تل أبيب.

قصف مكثف على لبنان

وأفادت مراسلة "الحرة" في بيروت بتعرض بلدات يحمر الشقيف والجبل الأحمر بين حاروف وشوكين وزبدين قضاء النبطية، صباح الاثنين، لغارات إسرائيلية، وسجلت أيضا غارات على أرنون وكفرتبنيت وحرج علي الطاهر ومحيط قلعة الشقيف، وغارات على مجرى نهر الليطاني بين زوطر ودير سريان وبين شوكين وميفدون وأطراف كفرصير، و3 غارات على عين قانا في إقليم التفاح.

وكانت سجلت غارات، ليل الأحد، على حي البياض في مدينة النبطية وعلى أنصار والخيام ودمّرت منزلا في يحمر وسقط قتيل بغارة على دير الزهراني، كما شن الطيران الحربي غارات على أنصارية ومجرى نهر الليطاني وعين قانا، ونفذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات ضخمة في بلدة الخيام للمنازل السكنية، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام.

ودمرت الغارات الحربية الإسرائيلية 15 منزلا في بلدة يحمر الشقيف في غارات كثيفة.

وأشارت تقارير أمنية للاشتباكات التي شهدتها بلدة الخيام في القطاع الشرقي ومحاولات تقدم نفذها الجيش الاسرائيلي للسيطرة على الخيام، وتستمر التحركات الإسرائيلية في دير ميماس، وسجل انتشار لجنود إسرائيليين بالدبابات بين كروم الزيتون في تلك المنطقة.

ولفت مواطنون من دير ميماس إلى أن قوات إسرائيلية قامت بعمليات تفجير في البلدة بالقرب من دير ميما وصولا حتى مجرى الليطاني.

وتدور اشتباكات بين عناصر من حزب الله وقوات إسرائيلية وبشكل شرس في محيط بلدية الخيام بعدما تقدمت قوات إسرائيلية مدعومة بدبابات الميركافا من جهة الشاليهات ومعتقل الخيام في الأطراف الجنوبية تحت غطاء من الغارات والقصف المدفعي والفوسفوري على وسط الخيام وعلى أطرافها لناحية إبل السقي وجديدة مرجعيون.

وفي القطاع الغربي ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام نقلا عن مصدر أمني أن دورية مؤللة إسرائيلية تقدمت، عند الساعة الخامسة من صباح الاثنين، من شمع باتجاه البياضة غربا، وبعد اجتيازها مئات الأمتار استهدفها عناصر من حزب الله وأصابوا دبابتي ميركافا، مع استهداف تجمعات للجيش الإسرائيلي في البياضة، وأفادت مراسلة "الحرة" بأنه مع استمرار الاشتباكات سجل انسحاب دبابات إسرائيلية من المنطقة.

وفي القطاع الأوسط اندلعت اشتباكات بين عناصر من حزب الله وقوات إسرائيلية عند مثلث مارون الراس - عيناتا - بنت جبيل.

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت شن الطيران الحربي، مساء الأحد، ما يقارب العشر غارات بعد التحذيرات التي أطلقها الجيش الإسرائيلي، وقد ارتفعت سحب من الدخان غطت سماء الضاحية وبيروت، مع انبعاث روائح كريهة، وأدت الغارات إلى تدمير مجمعات سكنية.

وفي حصيلة غير نهائية للغارة التي شنها الطيران الحربي على منطقة البسطة التحتا في العاصمة بيروت أعلنت وزارة الصحة عن ارتفاع الحصيلة إلى 30 قتيلا و67 جريحا.

حزب الله من جهته أصدر وللمرة الأولى منذ بداية الحرب 51 بيانا عسكريا حول العمليات التي نفذها، الأحد، وتوقف مراقبون عند الأعداد ونوعية الصواريخ التي أطلقها باتجاه الداخل الإسرائيلي لا سيما تل أبيب تنفيذا لمعادلة تل أبيب مقابل بيروت.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.