أفغنستان- تضييق- - إعلام
منظمات الدفاع عن حرية الصحافة تقول إن وضع الإعلام في كابل يقترب من نقطة الانهيار

لم يعد المشهد الإعلامي في أفغانستان نابضا بالحيوية والتنوع كما كان عليه في العقدين الماضيين، فحركة طالبان تعكف على تفكيك ركائز الإعلام الحر، وتواصل الإجهاز بشكل ممنهج على الصحافة المستقلة، منذ عودتها إلى السلطة في عام 2021.

وأغلقت طالبان مئات الصحف والإذاعات، وأرغمت العديد من الصحفيين على مغادرة البلاد، بينما يعاني من بقي منهم البطالة، في انتظار المجهول.

وتخطط طالبان، وفقا لتقارير مستقلة، لاستهداف الحريات على المستوى الرقمي أيضا، وتبحث اقتراح حظر منصات التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" وغيرها. 

الضربة الخطيرة القادمة، بحسب مصادر من داخل طالبان، قد تمتد إلى كل ما يرتبط بالإنترنت، لحرمان المواطنين من التواصل مع العالم الخارجي، بحجة تأثيرها "السلبي" على الشباب.

وتهدد قرارات طالبان أكثر من ثمانين في المئة من الأفغان، لديهم إمكانية الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر هواتفهم المحمولة.

المشهد في كابل

في العاصمة كابل، أصبحت ظروف عمل الصحفيين معقّدة للغاية. إذ تجبر السلطات وسائل الإعلام الخاصة على الالتزام بـ"قواعد" فرضتها وزارتا الإعلام والثقافة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

على الصحفيين إبلاغ المسؤولين بشأن الموضوعات التي يرغبون في تغطيتها. وبعد الحصول على إذن للبدء بالتغطية، يتوجب عليهم، وفقا لقوانين طالبان، عرض المحتوى على السلطات للحصول على إذن قبل نشره.

تقول منظمات الدفاع عن حرية الصحافة إن وضع الإعلام في كابل يقترب من نقطة الانهيار.

حسين (اسم مستعار)، وهو مدير برامج حوارية في قناة تلفزيونية خاصة، يقول لـ"الحرة" إنه مجبر على ممارسة الرقابة الذاتية على المحتوى جراء الضغوط والمخاوف التي يعيشها هو وزملاؤه في العمل.

مشهد طالبان على منصات التواصل

وإلى جانب مساعيها للتضيق على استخدام الإنترنت، تدير طالبان جيشا من أصحاب الحسابات الإلكترونية الوهمية، لقمع الأصوات المعارضة وخلق انطباع زائف بوجود تأييد لسياسات الحركة.

وتنفق طالبان ملايين الدولارات في مجال الدعاية، وتنشط بشكل كبير على منصة "أكس"، التي أثنى عليها  أنس حقاني، أحد أبرز قيادات الحركة "لأنها تتيح مساحة مفتوحة للجميع"، حسب قوله.

فتيات أفغانيات في مدرسة قرآنية بمدينة قندهار جنوب البلاد (فرانس برس)
لا مكان للصور بمناهج التعليم.. هل بدأت أفغانستان العودة لفترة التسعينيات؟
تغيرت أفغانستان كثيرا بعد عودة طالبان إلى مقاليد الحكم قبل أكثر من ثلاث سنوات، ولم تعد البلاد تعج بالحياة والألوان إذ أزيلت اللافتات من الأماكن العامة وأصبح مجرد التقاط صورة ونشرها أمرا محظورا في البلاد ولو كان ذلك لأغراض تربوية حيث أن قطاع التعليم في البلاد شهد في الآونة تغييرات جذرية أثارت جدلا واسعاً.

يقول ناشط أفغاني، فضل عدم نشر اسمه لأسباب أمنية، إن إدارة الاستخبارات التابعة لطالبان استدعته مرتين وأبلغوه بأنه قد يعتقل إذا واصل النشاط الإعلامي بأي شكل من الأشكال. 

"توقفت منذ أشهر عن الكتابة في وسائل الإعلام"، يقول لـ"الحرة".

المشهد في "عاصمة القرارات المتشددة"

في قندهار المعروفة بـ"عاصمة القرارات المتشددة"، تبدو الصورة أكثر قتامة. ففيها يقيم زعيم طالبان، هبة الله آخوند زاده، في شبه عزلة، إذ لا يشارك في الأحداث العمومية، ويتجنب الظهور أمام وسائل الإعلام.

ويعزو المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، عزلة الزعيم إلى معتقداته الدينية، والتي كما يبدو تترك ظلالا ثقيلة على النشاط الإعلامي في المحافظة حيث تحول التلفزيون إلى مذياع، "صوت من دون صورة"، وحيث يتجنب المسؤولون نشر صور الاجتماعات والفعاليات المحلية.

يقول صحفي أفغاني، اكتفى بتقديم نفسه باسم "ساحل"، إن محافظتي هلمند وقندهار تخلوان من الصحفيين. ويضيف في تصريح لموقع "الحرة" أن كل من كان يعمل إعلاميا في المنطقة غادرها.

وتفيد تقارير بأن أكثر من عشر محافظات على مستوى البلاد لا تسمح بالبث التلفزيوني حاليا. 

حسين، وهو صحفي أفغاني، يقول في تصريح لموقع "الحرة" إن تحويل التلفزيون إلى مذياع حدث فعلا في مناطق الجنوب وإن القرار قد يمتد إلى مناطق أخرى".

مشهد صوت المرأة

تأثرت النساء الأفغانيات العاملات في الإعلام بشكل خاص وغير مسبوق، إذ قد لا تجد في بعض مناطق البلاد صحفية واحدة، بينما في كابل العاصمة، مُنعت صحفيات من مزاولة عملهن. 

"القيود بدأت بغطاء الرأس ثم وضع القناع أثناء العمل ثم اعتبار صوت المرأة عورة، وفي النهاية عليك التخلي عن العمل تماما في الإعلام"، تقول الصحفية الممنوعة من العمل، نيازي.

وتدين منظمات حقوقية تضييق طالبان على حرية الصحافة، بينما تدّعي الحركة أن هذه التدابير تهدف إلى حماية الثقافة والدين في أفغانستان، إلا أن معارضين يرون أن البلاد تعود بخطوات أكيدة نحو العزلة والاستبداد.

تعليقا، قال المدير التنفيذي لجمعية الصحفيين المستقلين في أفغانستان، حجة الله مجددي في تصريح لموقع "الحرة"، إن إغلاق معظم وسائل الإعلام أبوابها وفقدان أكثر من 7 آلاف وظيفة "كارثة بالنسبة لحرية الصحافة".

وتابع "إذا لم تساعد المؤسسات الدولية الصحفيين ووسائل الإعلام في أفغانستان، وإذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة، فإن من تبقّى من الإعلاميين ومن الصحفيين سيعرفون نفس المصير.. قد نصل إلى نقطة النهاية حقا".

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.