بريكس
تتخذ الحكومات قرارات برفع التسعيرات الجمركية خدمة لبعض القطاعات المحلية

جاء تهديد الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، بفرض رسوم جمركية، بنسبة 100 بالمئة على دول منظمة بريكس بمثابة التهديد بـ"إعلان حرب تجارية عالمية"، وفقا لخبراء ومراقبين يرى بعضهم أن الخاسر الأكبر في حرب كهذه سيكون الاقتصاد الأميركي.

وتتعلق تهديدات ترامب خصوصا بالدول الأعضاء في مجموعة بريكس التي تسعى، وفق تقارير متضاربة، إلى إيجاد بديل للدولار في تعاملاتها التجارية. 

وقال ترامب في منشور على منصته تروث سوشيال "لا يمكن لمجموعة بريكس أن تجد بديلا للدولار في التجارة الدولية، وأي دولة تحاول ذلك سيكون عليها توديع السوق الأميركية".

رفع الرسوم الجمركية "يؤذي الاقتصاد الأميركي قبل أي اقتصاد آخر" يقول المحلل الاقتصادي ، ديفيد باين لموقع "الحرة".

  

سعي ترامب لرفع الرسوم الجمركية لن يطال دول بريكس فقط إذا التزم بوعيده، حيث سبق وأن هدد المكسيك وكندا والصين، إذا لم تتخذ إجراءات من جانبها لكبح موجة الهجرة غير الشرعية والمخدرات التي تمر عبر حدودها البرية إلى أميركا، وفق قوله.

"الحرب التجارية"

عادة ما تتخذ الحكومات قرارات برفع الرسوم الجمركية خدمة لبعض القطاعات المحلية، وهي من هذا المنظور "قرارات صحية"، إلا أن التلويح بهذه القرارات على كل صعيد "ربما يعود بالسلب" على متخذ القرار، وفق باين.

وفي دراسة بعنوان "لا تحميني: آثار التعرفات الجمركية على شبكات الإمداد الأميركية"، يدعو سينا غولارا، الأستاذ المساعد في إدارة سلسلة التوريد والعمليات في جامعة ولاية جورجيا، ومؤلفون مشاركون من جامعات ولاية كولورادو، وولاية أريزونا، وجامعة الكويت، السياسيين إلى توخي الحذر عند التعامل مع الرسوم الجمركية.

ففي عام 2002، وفقا لغولارا، زاد الرئيس جورج دبليو بوش الرسومات الجمركية على بعض منتجات الصلب على أمل إنقاذ صناعة الصلب الأميركية. لكن هذه الخطوة أتت بنتائج عكسية. فقد أثار ذلك استياء الشركاء التجاريين الذين هددوا بالرد على البضائع الأميركية. ونتج عن ذلك فقدان وظائف أكثر من تلك التي تم توفيرها.

وبعد سبع سنوات من فرض رسوم الصلب، فرض الرئيس باراك أوباما رسوما بنسبة 35 في المئة على الإطارات الصينية.

ولاحقا تفاخر أوباما بأن هذه الرسوم أنقذت 1200 وظيفة في قطاع الإطارات في الولايات المتحدة وساهمت في زيادة إنتاج الإطارات بعد فترة طويلة من التراجع. ومع ذلك، وجدت مراجعة أجراها معهد بيترسون للاقتصاد الدولي عام 2012 أن الأميركيين انتهى بهم الأمر إلى دفع أسعار أعلى للإطارات نتيجة لهذه الرسوم.

حرب؟

واستبعد الخبير الاقتصادي، صادق الركابي، أن يفذ ترامب تهديداته التي ترقى إلى مستوى "إعلان حرب تجارية"، بحسب رأيه. وقال لموقع "الحرة" إن "ترامب كان يريد تنبيه الدول الأعضاء في بريكس فقط".

وخلال حديثه، أشار إلى أن "قرارا بهذا الثقل ليس من السهل اتخاذه"، خصوصا وأن منظمة بريكس تضم حلفاء لواشنطن مثل الهند "التي تقدم تكنلوجيا متقدمة جدا في مجال البرمجيات للوليات المتحدة".

المتحدث لفت أيضا إلى أن دول بريكس نفسها "غير متسقة بخصوص فكرة الاستغناء عن الدولار الموحدة كما يتصور البعض".

الركابي ذكّر كذلك بأن دول بريكس لم تتخذ أي قرار بهذا الخصوص في قمتها الأخيرة.

حقيقة "عملة" بريكس

في أغسطس الماضي، دعا رئيس البرازيل، لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، في قمة جوهانسبورغ، دول مجموعة بريكس إلى إنشاء عملة مشتركة للتجارة والاستثمار في ما بينها كوسيلة لتقليل تعرضها لتقلبات سعر صرف الدولار.

لكن اقتصاديين أشاروا إلى صعوبات ترتبط بمثل هذا المشروع، نظرا للتفاوتات الاقتصادية والسياسية والجغرافية بين البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا.

وتلت هذه الدعوة تكهنات بأن تصدر المجموعة فعلا عملة خاصة بها، بينما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لعملة نقدية فيها أعلام الدول الأعضاء في بريكس والمرشحة للانضمام.

لكن تحقيقات وكالات أنباء كشفت أن تلك الصور كانت لعملة رمزية من تصميم شركتين روسيتين وليست رسمية، وفق رويترز.

وشوهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقطع فيديو،  نشره حساب ريا كرملين بول، وهو الحساب الرسمي لتغطية أنشطة الرئيس الروسي، على منصة أكس في 23 أكتوبر، مرفقا بعبارة "قُدِم لبوتين ورقة نقدية رمزية لبريكس في قمة قازان".

بيد أن وزير الخارجية الهندي، سوبراهمانيام جايشانكار، سبق وأن قال قبل أشهر إنه "لا توجد فكرة لعملة للبريكس".

من جهته، قال بوتين، إن القمة تناقش التحول في التجارة بين الدول الأعضاء بعيدًا عن الدولار لصالح العملات الوطنية.

أما الصين، فلم تصدر أي تعليق بشأن الفكرة، بينما تحدث الرئيس شي جين بينغ عن تعزيز "إصلاح النظام المالي والنقدي الدولي".

هذا المشهد يدل على أنه من الصعوبة إقرار عملة موحدة لدول بريكس، بينما تتفاوت تلك الدول بقدر كبير لناحية الموقع الجغرافي واعتبارات أخرى، وفق الركابي.

"الدولار باقٍ"

المحلل الاقتصادي المقيم في الولايات المتحدة، خالد صفوري، يجزم من جانبه، أن الدول الأعضاء في بريكس أو المرشحة للانضمام لاسيما الإمارات والسعودية "لن تستبدل الدولار بأي عملة أخرى". واستبعد نشوب أي نوع من الخلاف مع واشنطن في هذا الشأن، وقال "الدولار باقٍ".

وأضاف صفوري في اتصال مع موقع "الحرة" أن بريكس تضم دولا حليفة لأميركا وعليه "أستبعد أن تتفق على استبدال الدولار بأي عملة أخرى".

يذكر أنه في أكتوبر الماضي، أعلن قادة مجموعة بريكس فتح باب العضوية أمام ست دول جديدة اعتبارًا من العام المقبل.

واتفقت دول بريكس وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا في قمة جوهانسبورغ على منح الأرجنتين وإثيوبيا وإيران والسعودية ومصر والإمارات، العضوية الكاملة اعتبارا من الأول من يناير.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.