الرئيس الفرنسي ماكرون يلقي خطابا مساء الخميس - رويترز
الرئيس الفرنسي ماكرون يلقي خطابا مساء الخميس - رويترز

قدم رئيس الحكومة الفرنسية ميشال بارنييه، استقالته، الخميس، إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، بعد قرار البرلمان حجب الثقة عن الحكومة، التي تشكلت قبل نحو 3 أشهر فقط، لتكون الأولى منذ عام 1962 التي يتم حجب الثقة عنها.

ودعم 331 نائبا سحب الثقة من الحكومة، في وقت كان دعم 289 نائبا يكفي لتمرير القرار بإسقاط الحكومة، وجاء ذلك بعد نقاشات استمرت حوالي 3 ساعات ونصف الساعة.

ولا يوجد سقف زمني أمام ماكرون لتسمية رئيس وزراء جديد، لكنه سيواجه ضغوطا قوية للتحرك سريعا، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى ميزانية لكبح العجز وطمأنة المستثمرين.

وأشار تقرير لوكالة بلومبيرغ، أن الأسابيع أو الأشهر المقبلة ستمثل تحديا لماكرون، حيث يتعين عليه اختيار خليفة لبارنييه، سيواجه أيضًا نفس المشكلة والإلحاح المتمثل في تبني ميزانية.

ووفق بلومبيرغ، فإن زعيمة اليمين، مارين لوبان، أصبحت "أقرب من أي وقت مضى" إلى الرئاسة.

واستغلت لوبان "أخطاء" ماكرون، وبنت مكانتها وداعميها من الناخبين الذين اعتبروا "النخبة" منفصلة عن الواقع، وباتت تسيطر على أكبر حزب في مجلس النواب، بعد الانتخابات المبكرة التي أجريت في يونيو الماضي، وفق بلومبيرغ.

واعتبر التقرير أن المستجدات الحالية ربما تدفع ماكرون إلى "التنحي".

لكن لوبان اعتمدت موقفا معتدلا مقارنة باليسار الراديكالي، في أول رد فعل لها على حجب الثقة، مؤكدة وفق فرانس برس، أنها "ستفسح المجال أمام رئيس الحكومة المقبل، من أجل العمل على بناء ميزانية مقبولة للجميع بشكل مشترك".

وقالت: "لا أطالب باستقالة إيمانويل ماكرون".

"انتخابات مبكرة"

من جانبه، طالب حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي، ماكرون بالاستقالة، على لسان رئيسة مجموعة حزب فرنسا الأبية في الجمعية الوطنية (البرلمان)، ماتيلد بانو، التي دعت أيضا إلى "انتخابات رئاسية مبكرة"، وفق فرانس برس.

لكن مصير ماكرون الذي تستمر ولايته حتى 2027، غير مرتبط دستوريا بحجب الثقة عن حكومة رئيس الوزراء.

وجاء حجب الثقة إثر أزمة مستمرة منذ أشهر، أثارها حل رئيس البلاد بشكل مفاجئ للجمعية الوطنية، بعد خسارة معسكره في انتخابات البرلمان الأوروبي في مواجهة اليمين المتطرف.

وأفضت الانتخابات المبكرة التي تلت هذا القرار إلى جمعية وطنية مشرذمة ومؤلفة من 3 كتل، هي تحالف اليسار ومعسكر ماكرون واليمين المتطرف، لا يملك أي منها الغالبية المطلقة. 

وبعد مداولات استمرت 50 يوما، شُكّلت حكومة مؤلفة من اليمين والوسط في مطلع سبتمبر.

وعرضت مذكرتان لحجب الثقة قدمهما اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، في ظل الخلاف مع بارنييه بشأن الميزانية، بعدما مرّر رئيس الوزراء مشروع قانون تمويل الضمان الاجتماعي من خلال المادة 49.3 من الدستور، التي تسمح بتبنّي النص من دون تصويت برلماني.

ويتوقع أن يبلغ العجز العام 6,1 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في 2024، أي أكثر بكثير من 4,4 بالمئة كانت متوقعة في خريف عام 2023، فيما سيؤثر عدم اليقين السياسي على كلفة الدين وعلى النمو.

ويبدو الانقسام واضحا بين اليسار والوسط واليمين، للاتفاق على حكومة ائتلافية جديدة.

اختيار سريع أم تصريف أعمال؟

ترشحت لوبان 3 مرات في الانتخابات الرئاسية، اثنان منهما في مواجهة ماكرون، وحاليا تصب اهتمامها على الاقتراع الرئاسي المقبل المقرر في 2027، وفق فرانس برس.

لكن مستقبلها السياسي مرهون بقرار قضائي ينتظر صدوره في 31 مارس، حيث تواجه احتمال الحكم عليها بعدم أهليتها للترشح مع مفعول فوري لمدة 5 سنوات، إذا أدينت بتهمة اختلاس أموال برلمانية أوروبية لحساب حزبها السياسي.

ونقلت وكالة رويترز عن 3 مصادر، أن ماكرون يعتزم تعيين رئيس جديد للوزراء "بسرعة". وقال أحدهم إنه "يريد اختيار شخص جديد لتولي المنصب قبل احتفال بإعادة افتتاح كاتدرائية نوتردام، السبت، الذي سيحضره الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب".

وسيواجه أي رئيس جديد للوزراء نفس التحديات التي قابلت بارنييه، لإقرار تشريعات وموازنة في برلمان منقسم.

الخيار الآخر المتاح لماكرون هو أن يطلب من بارنييه وحكومته البقاء بصلاحيات تصريف الأعمال، ليتيح لنفسه وقتا لاختيار رئيس وزراء قادر على كسب دعم كاف من أغلب الأحزاب لإقرار التشريعات.

وقال قصر الإليزيه الرئاسي، إن ماكرون سيلقي كلمة عبر التلفزيون إلى الشعب الفرنسي مساء الخميس.

إغلاق حكومي؟

كشف تقرير لصحيفة "لو موند" الفرنسية، أن إطاحة الحكومة جعل فرص اعتماد البرلمان لميزانية 2025 ضئيلة للغاية، ومع ضيق الوقت ربما لا يمكن لمجلس النواب دراسة مسودة جديدة تعدها الحكومة المقبلة قبل 31 ديسمبر.

ومع احتمالية عجز الحكومة عن الإنفاق أو تحصيل الإيرادات في الأول من يناير، فإن القانون الفرنسي ينص على ضمانات لمنع حدوث موقف مماثل للإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة، والذي فيه تتوقف الأنشطة الحكومية حال عدم التوصل لاتفاق بشأن الميزانية.

وأوضح التقرير أنه في تاريخ الجمهورية الفرنسية "لم يحدث سيناريو إغلاق حكومي".

وحول إمكانية اللجوء إلى انتخابات برلمانية جديدة في محاولة لحل الوضع السياسي المتوتر، ذكرت الصحيفة أن الأمر ليس خيارا حاليا، حيث تحظر المادة 12 من الدستور حل البرلمان خلال عام من آخر انتخابات.

وبذلك، من المتوقع أن يواصل النواب المنتخبون العمل حتى يوليو 2025 على الأقل.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.