القوات الإسرائيلية سيطرت على كامل جبل الشيخ . أرشيفية
القوات الإسرائيلية سيطرت على كامل جبل الشيخ . أرشيفية

أكملت القوات الإسرائيلية سيطرتها على جبل الشيخ الواقع ضمن الحدود السورية عندما دخلت المنطقة منزوعة السلاح بين سوريا وهضبة الجولان بعد سقوط نظام بشار الأسد يوم 8 ديسمبر الجاري. 

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو قال الثلاثاء إن إسرائيل باقية في موقع جبل الشيخ الاستراتيجي على الحدود السورية لحين التوصل لترتيب مختلف.

الدبلوماسي الإسرائيلي السابق، مئير كوهين قال لقناة "الحرة" إن إسرائيل أعلنت أن وجودها في أراض سورية هو "وجود مؤقت" إلى حين اتضاح الصورة، لافتا إلى وجود "مخاوف كبرى ليس لدى إسرائيل فقط، بل أيضا لدى دول المنطقة وفي الأردن ومصر".

ويؤكد أن التواجد التركي في سوريا، يشكل تهديدا أيضا للمنطقة وليس لإسرائيل فقط، إذ أن أنقرة تحتل قرابة 10 في المئة من مساحة سوريا.

وتحدث نتانياهو من منطقة جبل الشيخ قائلا إن "الأحداث في سوريا تجري بوتيرة مذهلة، وتأثيراتها يمكن أن تحدد المصير".

وذكر كوهين أن التحليلات تشير إلى أن المجموعات المسلحة التي "ارتكبت المجازر (في سوريا) لا يمكن أن تغير من طبيعتها، حتى لو حاولت الظهور على أنها حمل وديع".

رسائل

بشار الحاج علي، الباحث السياسي السوري المقيم في فيينا وصف التحركات الإسرائيلية واحتلالها لأراض في سوريا بأنها "حماقة ورسائل خاطئة في وقت ليس بالمناسب لاستعراض العضلات لحكومة الحرب الإسرائيلية".

وقال لقناة "الحرة" إن الفصائل المسلحة أثبتت طوال فترة الحرب في سوريا، قدرتها على احترام الاتفاقات الدولية، وفي الوقت الذي كانت تحارب فيه الميليشيات الإيرانية بدأت إسرائيل بضرب المقدرات العسكرية السورية.

وبرر كوهين التحركات الإسرائيلية في الأراضي السورية وإيجاد منطقة عازلة رغم المخاوف الدولية أن إسرائيل دخلت إلى أراض سورية لـ"منع أي تهديدات قد تنشأ عن الفصائل المسلحة" التي حاولت الدخول لمناطق تتواجد فيها قوات دولية تابعة للأمم المتحدة.

وأكد المتحدث أن "إسرائيل بعد السابع من أكتوبر من 2023، لن تسمح بأي حال من الأحوال بوجود مثل هذه التهديدات على حدودها"، معيدا التذكير بالاستعدادات التي كان يقوم بها حزب الله على الحدود الإسرائيلية اللبنانية.

وقال كوهين إن ما فعلته "حماس" خرقت فيه كل الأعراف الإنسانية، معتبرا أن النظام الذي ينشأ في دمشق هم من "الإخوان المسلمين" والدليل أن العديد من اللاجئين السوريين لا يريدون العودة إلى وطنهم.

ورد كوهين على اتهامات الأمم المتحدة لإسرائيل بأنها لا تلتزم بالاتفاقات والأعراف الدولية إلا إذا كانت تخدم مصالحها، بأن هذه "المنظمة ورئيسها مسيسة ويسيطر عليها العالم العربي".

ويرى أن الفصائل المسلحة في سوريا "عليها أن تثبت نفسها للعالم أنها ستضمن انتقالا سلسا للسلطة ولن ترتكب المجازر في سوريا".

وأمر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قوات الجيش الأسبوع الماضي بالاستعداد للبقاء في جبل الشيخ خلال فصل الشتاء.

وجاء في بيان نشره كاتس "سنبقى هنا طالما كان ذلك ضروريا، إن وجودنا هنا في قمة الشيخ يعزز الأمن ويعطي بعدا إضافيا للمراقبة والردع لمعاقل حزب الله في سهل البقاع اللبناني، فضلا عن الردع ضد المعارضين في دمشق، الذين يدعون أنهم يمثلون وجها معتدلا ويظهرون وجها معتدلا".

من جانبه أكد الباحث، الحاج علي أن الحكومة الانتقالية السورية والفصائل المسلحة تتعامل بـ "حكمة مع الانتهاكات الإسرائيلية، أكثر من تعامل حكومة الحرب الإسرائيلية مع الملف"، مشيرا إلى أن مصلحة إسرائيل بناء علاقات جوار جيدة مع الشعب السوري الذي "يريد العيش بسلام".

ويعتقد أن التحركات الإسرائيلية في الداخل السوري تبعث رسائل لواشنطن ودمشق، خاصة وأن إدارة الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب طلبت إنهاء الحرب في المنطقة، وهو ما قد تفسره إسرائيل بطريقة خاطئة.

ويرى الباحث السوري أن ما يحدث من توترات مع إسرائيل يدفع دمشق إلى انتقال سلس للسلطة من دون توترات جديدة أو إرسال رسائل خاطئة للعامة، رافضا وجود اتهامات إسرائيلية لتركيا باحتلال أجزاء من سوريا، وقال الحاج علي إن هناك "تحالفا جديدا ينشأ في المنطقة".

جبل الشيخ

ويمتد جبل الشيخ بين سوريا ولبنان ويمتد على مرتفعات الجولان  التي احتلت إسرائيل معظمها في العام 1967 قبل ضم المنطقة الخاضعة لسيطرتها في العام 1981 في خطوة لم تعترف بها سوى الولايات المتحدة.

ووافقت الحكومة الإسرائيلية الأحد على خطة لمضاعفة عدد سكان الجولان بعد سقوط نظام بشار الأسد، وفق ما أعلن مكتب رئيس الوزراء.

وقال مكتب نتانياهو إن الحكومة "وافقت بالإجماع" على خطة بقيمة 40 مليون شيكل (11 مليون دولار) "للتنمية الديموغرافية للجولان... في ضوء الحرب والجبهة الجديدة في سوريا والرغبة في مضاعفة عدد السكان".

يقطن الجولان نحو 23 ألف عربي درزي ويحتفظ معظمهم بالجنسية السورية، إضافة إلى نحو 30 ألف يهودي إسرائيلي.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.