غاري كاسباروف في أول مباراة بينه وكمبيوتر "ديب بلو" عام 1996- أسوشيتد برس
غاري كاسباروف في أول مباراة بينه وكمبيوتر "ديب بلو" عام 1996- أسوشيتد برس

"كنتُ أقاتل من أجل حياتي أمام جهاز كمبيوتر"، هكذا يتذكر أسطورة الشطرنج الروسي غاري كاسباروف اللحظات الفارقة ليس في حياته فحسب، بل في تاريخ البشرية.

أرّخ يوم 10 فبراير 1996 اللحظة الأولى، حين خاض كاسباروف المنافسة مع كمبيوتر "ديب بلو" صنيع شركة "IBM" الأميركية، وانتصر عليه في النهاية.

طورت الشركة الجهاز نفسه، لينافس كاسباروف مجددا مايو 1997، وهنا خسر بطل العالم لأول مرة في حياته.

ورغم ظهوره المرح مرات عدة عبر مقابلات إعلامية ومحاضرات متحدثاً عن هذه التجربة، إلا أنه لم يتصالح مع لحظة الهزيمة هذه سوى بعد سنوات عدة، تحديدا في عام 2016.

آنذاك بدأ بتأليف كتاب "التفكير العميق Deep Thinking"، الذي صدر بعدها بعام. 

توصل كاسباروف إلى نتيجة، أن هذه الخسارة الكبيرة لإنسان مثلت في الوقت نفسه انتصاراً للبشر. ذلك لأنها تعني تقدماً ملموساً وفارقاً في صناعة التكنولوجيا.

شخصيّة كاسباروف تبدو ملهمة، ليس فقط للاعبي الشطرنج حول العالم، بل للمناضلين كذلك ضد السياسات الاستبدادية في بلادهم.

كرّس جلّ حياته في الدفاع عن حقوق الإنسان في روسيا، ولا يزال معارضاً شرساً لفلاديمير بوتين، وبات مطلوباً لنظامه بتهمة أنه "إرهابي أسس منظمة إرهابية".

ماذا نعرف عنه، وعن اللعبة التي رأى فيها كاسباروف لأول مرة في تاريخ البشرية الذكاء الاصطناعي، وفق تعبيره؟

اللعبة

كان لدى فريق "ديب بلو" هدف طموح، هو تطوير حاسوب قوي بما يكفي لهزيمة أفضل لاعب شطرنج في العالم. بحسب ما قالت "آي بي أم" في توثيقها للعبة التاريخية. 

حان الاختبار الأول الكبير في فبراير 1996، عندما واجه كاسباروف في مباراة من 6 جولات أقيمت في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا الأميركية.

 فاز "ديب بلو" رالجولة الأولى، ليصبح بذلك أول كمبيوتر يهزم بطل العالم الحالي في مباراة تحت الضوابط الزمنية القياسية. لكن كاسباروف سرعان ما استعاد زمام المبادرة وفاز بجولات تالية قبل أن يحسم المواجهة برمتها لصالحه في النهاية.

لاحقاً تحولت هذه المباراة إلى مواجهة الذهاب، بينما أقيمت مباراة الإياب في مايو 1997.

كمبيوتر ديب بلو 1996- شركة آي بي أم

تقول الشركة إنها طورت بعد هزيمة الكمبيوتر قواعد بيانات المواجهة، وإنشاء وظيفة تقييم أكثر قوة لأوضاع الشطرنج.

كما استعانت بأساتذة كبار إضافيين لتقديم المشورة للفريق، بالإضافة إلى تطوير أساليب لإخفاء إستراتيجية الكمبيوتر. 

لم تسهم هذه التحسينات فقط في تعزيز قدرات "ديب بلو"، بل ساعدت أيضاً على تطوير أدوات تدريب أفضل للاعبي الشطرنج. 

وعلى سبيل المثال، تقول الشركة "استخدم فيسيلين توبالوف، الذي نافس على لقب بطل العالم في الشطرنج 2010، حاسوبا عملاقا من إنتاجها يُدعى بلو جين- بي أثناء تحضيراته للمباراة".

وفي محاضرته بعنوان "لا تخشوا الآلات الذكية بل اعملوا معها" لصالح منصة "تيدكس"، كشف كاسباروف الفرق في المنافسة مع آلة وإنسان.

قال إنه، وبعد خوض مئات المباريات ضد أشخاص، صارت لديه خبرة في قراءتهم من خلال لغة الجسد خصوصا الاتصال المباشر بالعين ومعرفة مشاعرهم، ما يعني قدرته على توقع الحركة التالية في اللعبة لهم، وأيضاً ما يتوقع من نفسه.

لكن ما حصل بينه وبين كمبيوتر "ديب بلو" كان مختلفاً تماماً: لم يكن قادرا على القياس، كما اعتراه القلق. 

"مشاعر الشك والقلق والخوف هذه كانت عندي، وكنت واثقاً أن ديب بلو لا يعتمره ذلك" أضاف كاسباروف.

"قاتلت وفزت على الآلة" لكن دائما ما أتذكر "هزيمتي" على يدها عام 1997 في مدينة نيويورك.

 

ففي هذا العام، صار "ديب بلو" أول نظام حاسوبي يهزم بطل العالم في الشطرنج في مباراة تحت ضوابط البطولة القياسية.

شكل انتصار "ديب بلو" في المواجهة المكونة من 6 مباريات ضد كاسباروف نقطة تحول في عالم الحوسبة، معلناً عن مستقبل يمكن فيه للحواسيب الفائقة والذكاء الاصطناعي محاكاة التفكير البشري، قالت "آي بي أم".

كان بإمكانه تقييم 200 مليون وضعية شطرنج في الثانية، مما مكنه من تحقيق سرعة معالجة تصل إلى 11.38 مليار عملية حسابية عائمة في الثانية (FLOPS).

وللمقارنة، توضح الشركة "كان أول حاسوب عملاق من آي بي أم يُدعى ستريتش Stretch تم تقديمه عام 1961، يمتلك سرعة معالجة تقل عن 500 FLOPS".

من مباراة غاري كاسباروف مع كمبيوتر "ديب بلو" عام 1997- آي بي أم

ولم يكن الجهاز الفائز مجرد إنجاز في عالم الشطرنج، بل كانت التقنية الأساسية التي يعتمد عليها قفزة نوعية في قدرة الحواسيب العملاقة على معالجة الحسابات المعقدة.

الأمر الذي مهد الطريق لاكتشاف أدوية جديدة، وتقييم المخاطر المالية، وكشف الأنماط في قواعد البيانات الضخمة، وفهم آليات عمل الجينات البشرية.

قال كاسباروف بعد خسارته "عليَّ أن أعترف، الكمبيوتر كان أقوى مما توقعه أي شخص".

وفي عام 2003 تم إنتاج فيلم وثائقي عن هذا النزال التاريخي "انتهت اللعبة: كاسباروف والآلة".

صورة لبوستر الفيلم "انتهت اللعبة"

كاسباروف.. بين اللعب والسياسة

تعود جذور غاري كاسباروف، الذي يعيش حاليا في مدينة نيويورك الأميركية، إلى أذربيجان في روسيا السوفييتية، حيث أصبح بطل الشطرنج في الاتحاد وهو في سن 12 عاماً.

في سن 22 عاماً حقق شهرة عالمية عندما أصبح أصغر بطل عالمي للشطرنج في التاريخ عام 1985.

دافع عن لقبه خمس مرات، بما في ذلك سلسلة أسطورية من المباريات ضد منافسه التقليدي أناتولي كاربوف.

وكان كاسباروف من أوائل الشخصيات السوفيتية البارزة التي دعت إلى الإصلاحات الديمقراطية واقتصاد السوق، ومن المؤيدين لدعوة بوريس يلتسين لتفكيك الاتحاد السوفيتي، وفق ما جاء في الموقع الإلكتروني الخاص به.

في عام 1990، هرب مع عائلته من العنف العرقي في مسقط رأسه باكو مع انهيار الاتحاد السوفيتي.

وفي عام 2005، وبعد 20 عاما من تصدر تصنيفات الشطرنج العالمية، اعتزل كاسباروف الشطرنج الاحترافي لينضم إلى طليعة الحركة الديمقراطية الروسية.

وبسبب تهديدات الاعتقال خلال حملة قمع بوتين، هاجر كاسباروف من روسيا إلى الولايات المتحدة عام 2013.

عبر منصّة إكس، يعرّف كاسباروف نفسه عبر مناصب قيادية في 3 مؤسسات "كونغرس الحرية الدولية" و"مبادرة إحياء الديمقراطية" و"مؤسسة حقوق الإنسان"، إضافة لكونه متحدثاً وكاتباً.

ألف العديد من الكتب، نذكر منها: "محاكاة الحياة للشطرنج"، "أسلافي العظماء"، "الشتاء قادم: لماذا يجب إيقاف فلاديمير بوتين وأعداء العالم الحر".

ويعد من مناهضي الغزو الروسي لأوكرانيا، وطالب في أكثر من مناسبة بتقديم الدعم لكييف من أجل التصدي لنظام بوتين.

وفي أحدث مقابلة إعلامية معه، تحدث خلالها لصحيفة أوكرانية، وصف كاسباروف بوتين بأنه "شرير لا يمكن التفاوض معه، فهدفه الأساسي تدمير أوكرانيا".

يدير أيضاً مؤسسة باسمه تُعنى بترويج تعليم الشطرنج في النظم التعليمية حول العالم. وتنتشر برامجها بالفعل في المدارس الأميركية، بالإضافة إلى مراكز في بروكسل، وجوهانسبرغ، وسنغافورة، ومكسيكو سيتي.

وينشط مع مؤسسات أكاديمية حول موضوعات تكنولوجية تتعلق بالأمن السيبراني والتعاون بين البشر والآلات ومستقبل التكنولوجيا الرقمية.

من أبرز أقوال كاسباروف بخصوص الذكاء الاصطناعي أنه "سيغير كل ما نقوم به"، ويجب أن "نمضي قدمًا في المجال الوحيد الذي لا تستطيع الآلات منافسة البشر فيه: وهو أن نحلم، والآلات ستساعدنا على تحقيق أحلامنا الكبيرة".

"وبدلا من القلق بشأن ما يمكن أن تفعله الآلات، يجب أن نقلق أكثر بشأن ما لا تستطيع فعله بعد"، يرى كاسباروف.

القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)
القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي (رويترز)

سلط تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على التغير المفاجئ في موقف المرشد الإيراني علي خامنئي من إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، والتي من المقرر أن تنطلق السبت في سلطنة عمان.

ووفقا لمسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فقد ضغط كبار المسؤولين الإيرانيين على خامنئي من أجل السماح بالتفاوض مع واشنطن بحجة أن خطر اندلاع الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد قد يؤديان إلى إسقاط النظام.

وقال هؤلاء المسؤولون إن القرار اتخذ في اجتماع سري وعاجل عقد الشهر الماضي للرد على دعوة الرئيس الأميركي لخامنئي للتفاوض بشأن البرنامج اللنووي الإيراني.

وحضر الاجتماع كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وفقا لما ذكره مسؤولان إيرانيان كبيران مطلعان على تفاصيل الاجتماع.

وبحسب الصحيفة فقد تضمنت الرسالة الواضحة والصريحة التي أبلغوها لخامنئي السماح لطهران بالتفاوض مع واشنطن، حتى ولو بشكل مباشر إن لزم الأمر، لأن البديل هو احتمال إسقاط حكم الجمهورية الإسلامية.

وحذر المسؤولون الإيرانيون من أن خطر اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل جدي للغاية، وأبلغوا خامنئي بأنه إذا رفضت إيران الدخول في محادثات أو فشلت المفاوضات، فإن الضربات العسكرية على اثنين من أهم المواقع النووية في إيران، وهما نطنز وفوردو، ستكون حتمية.

وقال المسؤولون لخامنئي إن إيران ستكون مضطرة عندها للرد، مما سيعرضها لخطر اندلاع حرب أوسع نطاقًا، وهو سيناريو من شأنه أن يُفاقم تدهور الاقتصاد ويؤجج الاضطرابات الداخلية، مشددين أن القتال على جبهتين، داخلية وخارجية، يُشكل تهديدا وجوديا للنظام.

وفي نهاية الاجتماع الذي استمر لساعات، تراجع خامنئي عن موقفه، ومنح الإذن بإجراء محادثات، تبدأ بشكل غير مباشر عبر وسيط، ثم مباشرة إذا سارت الأمور بشكل جيد، بحسب ما ذكره المسؤولان.

وكان ترامب أصدر إعلانا مفاجئا، الاثنين، قال فيه إن واشنطن وطهران تعتزمان بدء محادثات في سلطنة عمان، التي توسطت بين الغرب وطهران من قبل.

وخلال ولايته الأولى، قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين قوى عالمية وطهران. وأدى رجوعه إلى البيت الأبيض إلى إعادة اتباع نهج أكثر صرامة مع إيران التي ترى إسرائيل حليفة واشنطن أن برنامجها النووي يشكل تهديدا لوجودها.

وفي الوقت نفسه، أدت الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل في شتى أنحاء المنطقة، بما في ذلك داخل إيران، إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية وحلفائها.

وجاءت الهجمات الإسرائيلية بعد اندلاع حرب غزة عقب هجوم شنته حركة حماس، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، على إسرائيل في أكتوبر 2023.

ومنذ انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الاتفاق النووي المبرم في 2015، والتي دعمها سلفه باراك أوباما ووافقت إيران بموجبها على الحد من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، عملت طهران على تخصيب مخزون من اليورانيوم يكفي لإنتاج رؤوس نووية بسرعة نسبيا.