لقطة لمطار رفيق الحريري في بيروت (رويترز)
لقطة لمطار رفيق الحريري في بيروت (رويترز)

لا تزال قضية الطائرة الإيرانية التي منعت السلطات هبوطها تتفاعل في لبنان، حيث أقفل محتجون طريق المطار حتى ساعة متأخرة من ليل الخميس الجمعة، تزامنا مع إعلان المديرية العامة للطيران المدني اللبناني التوجه لإرسال طائرة لإجلاء اللبنانيين العالقين في طهران.

وذكرت مراسلة "الحرة" في بيروت، الجمعة، أن السفارة اللبنانية في طهران تلقت طلبا من شركة الشرق الأوسط للطيران للسماح لطائرتين بالهبوط في مطار طهران.

ونقلت عن السفارة قولها إن سفير لبنان في طهران بصدد تحضير كتاب لإرساله إلى الخارجية الإيرانية التي عليها منح الإذن وإرساله لسلطات الطيران الإيرانية لتسمح بدورها بهبوط الطائرتين.

إلا أن الطلب اللبناني بهبوط طائرتين للشرق الأوسط لقي رفضا إيرانيا، وفق ما أكد مصدر في الطيران المدني اللبناني لوسائل إعلام لبنانية، الجمعة.

وقطع عشرات الشبان الموالين لحزب الله مساء الخميس مدخل مطار بيروت والطريق الدولية المؤدية إليه بالإطارات المشتعلة، احتجاجا على إبلاغ السلطات خطوط ماهان الإيرانية بتعذر استقبال رحلتين مجدولتين من طهران، وفق ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام ومسؤول في المطار.

وتجمع شبان رافعين رايات حزب الله الصفر على الطريق المؤدية إلى المطار، وأضرموا النيران في إطارات مطاط، ما أدى إلى قطع الطريق.

وأشعلت مجموعة أخرى الإطارات أمام مدخل المطار، وفق ما أوردت الوكالة الرسمية. ورفع بعضهم صورا للأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله الذي يُشيّعه الحزب نهاية الأسبوع المقبل، بعد مقتله بغارة إسرائيلية في سبتمبر. وردد المحتجون هتافات مناوئة لإسرائيل والولايات المتحدة.

وعمل الجيش اللبناني على منع المحتجين من قطع الطريق وتسهيل حركة المرور، وفق الوكالة الوطنية. وأظهرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تدافعا بين محتجين غاضبين وعناصر من الجيش اللبناني.

وجاءت التحركات بعد تداول مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي من مطار طهران، يدعو فيه مسافر لبناني إلى قطع طريق المطار. ويقول "ننتظر منذ الصباح هنا. نحن لبنانيون.. ولا أحد يتحكم بنا" بعد إلغاء رحلتهم إلى بيروت. وناشد رئيس البرلمان نبيه بري التدخل لإعادة المسافرين اللبنانيين إلى بيروت.

وقال مسؤول في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت لفرانس برس إن "المطار تلقى طلبا من وزارة الأشغال العامة والنقل بإبلاغ خطوط ماهان الإيرانية بعدم استقبال رحلتين تابعتين لها إلى بيروت، واحدة كانت مقررة مساء الخميس وأخرى الجمعة".

وأضاف "أُرجئت الرحلتان إلى الأسبوع المقبل"، من دون تحديد السبب.

وفي طهران، نقلت وكالة مهر عن، سعيد شالاندري، رئيس مجلس إدارة مطار الإمام الخميني قوله "رحلة اليوم إلى بيروت كانت مجدولة.. لكن الوجهة لم تمنح الأذونات اللازمة".

وندد النائب في حزب الله، إبراهيم الموسوي، بالتهديدات الإسرائيلية لمطار بيروت.

وقال في بيان إن "على الدولة اللبنانية بأجهزتها كافة أن تتحمل مسؤولياتها لإنهاء هذا الأمر والعمل على إعادة مواطنيها إلى بلدهم فورا وعدم الامتثال للتهديدات الإسرائيلية تحت أي مسمى أو ظرف".

من جهتها قالت المديرية العامة للطيران المدني في بيان إنه "حرصا... على تأمين سلامة وأمن مطار رفيق الحريري الدولي، تم اتخاذ بعض الإجراءات الأمنية الإضافية التي تتوافق مع المقاييس والمعايير الدولية (...)".

وأضافت أن الأمر "اقتضى إعادة جدولة توقيت بعض الرحلات الآتية إلى لبنان مؤقتا، ومنها الرحلات الآتية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية لغاية تاريخ 18 فبراير 2025". وتابعت "يجري العمل الآن مع شركة طيران الشرق الأوسط لتسيير رحلة الليلة لنقل المسافرين اللبنانيين العالقين في مطار طهران".

وجاء ذلك غداة تحذير المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، من أن فيلق القدس وحزب الله "يستغلان.. على مدار الأسابيع الأخيرة مطار بيروت الدولي من خلال رحلات مدنية، في محاولة لتهريب أموال مخصصة لتسليح حزب الله".

وقال في منشور على منصة أكس إن الجيش الإسرائيلي "على تواصل مع آلية المراقبة لتطبيق وقف إطلاق النار وينقل معلومات معينة بشكل متواصل لإحباط أعمال النقل هذه"، مشيرا إلى تقديرات بـ"نجاح بعض المحاولات".

ونفى حزب الله ومسؤولون لبنانيون مرارا اتهامات باستخدام الحزب المطار من أجل نقل وتخزين سلاح من طهران. وعززت الأجهزة الأمنية بإشراف الجيش اللبناني خلال الحرب الأخيرة بين الحزب وإسرائيل إجراءات الرقابة والتفتيش في المطار لضمان عدم استهدافه.

وأخضعت سلطات المطار مطلع العام الحالي طائرة إيرانية أقلت وفدا دبلوماسيا لتفتيش دقيق، ما أثار انتقادات واسعة من مناصري حزب الله وإشادة من خصومه.

ويسري منذ 27 نوفمبر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله تم التوصل إليه بوساطة أميركية ورعاية فرنسية. وكان يفترض تطبيق بنوده ضمن مهلة 60 يوما، قبل أن يتم تمديدها حتى الثلاثاء المقبل.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.