الغارة وقعت قرب الحدود اللبنانية السورية - صورة تعبيرية.
معبر حدودي بين سوريا ولبنان (صورة تعبيرة)

مع توقيع دمشق وبيروت اتفاقا يقضي بترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، فإن الأمور تتجه، حسب مراقبين، إلى إغلاق ملف لا يزال شديد التعقيد على الصعيدين السياسي والأمني.

وكانت السعودية قد استضافت اجتماعا بين وفدين سوري ولبناني، في مدينة جدة، حيث تم الإعلان عن اتفاق بشأن الحدود.

وشارك في الاجتماع الذي عقد، الخميس، وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، ووزير الدفاع السوري اللواء المهندس، مرهف أبو قصرة، ووزير الدفاع اللبناني اللواء، ميشال منسى، والوفدين الأمنيين المرافقين لهما.

ويعتبر ملف الحدود بين سوريا ولبنان، التي تمتد على مسافة 375 كيلومترًا، واحدة من أكثر المناطق الحدودية تعقيدًا في العالم العربي. 

فتلك الحدود، التي لم تُرسم بشكل نهائي منذ استقلال البلدين عن الانتداب الفرنسي في أربعينيات القرن الماضي، تشهد توترات متكررة تتأرجح بين الاشتباكات المسلحة والخلافات الدبلوماسية.

 جدوز القضية

تعود جذور مشكلة ترسيم الحدود بين  البلدين إلى فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946)، فخلال تلك الفترة، قامت باريس بتقسيم المنطقة إلى كيانات إدارية، حيث أُنشئ “لبنان الكبير” عام 1920 بضم أراضٍ من سوريا التاريخية، مثل البقاع وطرابلس، إلى متصرفية جبل لبنان.

ولم تُرسم الحدود بشكل دقيق أو نهائي خلال الانتداب، بل كانت تُدار بناءً على قرارات إدارية مؤقتة، فبعد الاستقلال، حاول البلدان تشكيل لجان مشتركة لترسيم الحدود، لكن هذه الجهود باءت بالفشل بسبب الخلافات السياسية والتدخلات الخارجية. 

فعلى سبيل المثال، في عام 1950، شكّل البلدان لجنة مشتركة لترسيم الحدود، لكنها توقفت عن العمل بعد فترة قصيرة بسبب التوترات السياسية.

تداخل ديموغرافي

إحدى أبرز المشاكل في ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان هي التداخل الجغرافي والديموغرافي، فهناك قرى وبلدات تقع على الحدود، بعضها يتبع لبنان إداريًا لكن سكانها يحملون الجنسية السورية، والعكس صحيح. 

ومن أبرز تلك الأمثلة، منطقة القصر-الهرمل في البقاع اللبناني حيث يعيش سكان يحملون الجنسية السورية ويتنقلون يوميًا بين البلدين دون وجود نقاط تفتيش واضحة، وبالتالي فإن ذلك التداخل جعل ترسيم الحدود مسألة حساسة، لأن أي تغيير قد يؤثر على حياة السكان المحليين.

كما أن هناك مناطق زراعية متنازع عليها، مثل مزارع شبعا، التي تُعتبر نقطة حساسة بسبب موقعها الاستراتيجي على الحدود مع هضبة الجولان. 

ومن العقبات التي منعت ترسيم الحدود تواجد الجيش السوري في عهد حافظ الأسد وابنه بشار  داخل الأراضي اللبنانية الفترة بين عامي 1976 و2005.

وخلال تلك الفترة كان نظام الأسدين يتحكم بالكثير من مفاصل السياسات اللبنانية، بما في ذلك المواقف المتعلقة بالحدود، وبالتالي فإن ذلك النفوذ السوري جعل دمشق وقتها غير مهتمة بترسيم الحدود بشكل رسمي، حيث كانت تعتبر بلاد الأرز  جزءاً من مجالها الحيوي.

وفي مارس 2025، شهدت المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان، وتحديدًا في محيط القصر-الهرمل، مواجهات أدت إلى مقتل ثلاثة سوريين. 

ووفقًا لتقارير الجيش اللبناني، وقعت هذه المواجهات أثناء محاولة تسلل عبر الحدود، وهو ما يُعتقد أنه مرتبط بعمليات تهريب. 

وهذه الحادثة دفعت الجيش اللبناني إلى تعزيز وجوده في المنطقة، مع نشر دوريات إضافية وإقامة نقاط تفتيش جديدة.

ولم تكن تلك الحادثه الأولى من نوعها، فخلال العقد الماضي، ومع تفاقم الحرب في سوريا التي اندلعت شرارتها في العام2011، باتت الحدود ممرًا رئيسيًا لتهريب الأسلحة، المخدرات، والبشر. 

والجماعات المسلحة، بما في ذلك حزب الله، المدعوم من إيران، استغلت غياب السيطرة الحدودية لتعزيز نفوذها، مما أثار قلقا  إقليميا ودوليا، خاصة وأن تلك الميليشيات تصنف حسب تقارير إخبارية بأنها أكبر منظمة غير حكومية (ميليشيات) لديها سلاح على مستوى العالم

تحديات سياسية واقتصادية

الأوضاع السياسية والاقتصادية في كلا البلدين أعاقت سابقا أي تقدم في حل مشكلة الحدود، فلبنان شهد أزمة اقتصادية طاحنة بدأت في 2019، إلى جانب الفراغ السياسي الذي استمر أكثر من عامين جراء عدم وجود رئيس جمهورية جعلت قضية ترسيم الحدود أقل أولوية.

وفي سوريا، لم الوض أفضل حالًا، فالنظام السوري السابق، بقيادة بشار الأسد كان منشغلاً بملفات أخرى تتعلق بتجارة الكبتاغون، والسعي إلى تعويمه عربيا ودوليا بعدما أعتقد أن الأمور استتبت له.

وعلى مر السنين، كانت هناك محاولات متفرقة لحل مشكلة الحدود، ففي عام 2008، وخلال فترة تحسن العلاقات بين البلدين بعد زيارة الرئيس اللبناني ميشال سليمان إلى دمشق، تم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة لترسيم الحدود. هذه اللجنة حددت نحو 70 بالمئة من الحدود، لكن العمل توقف بسبب اندلاع الحرب في سوريا عام 2011.

وفي 2023،  أُثيرت القضية مجددًا خلال زيارة وفد لبناني إلى دمشق لبحث ملف اللاجئين، حيث  اقترح الجانب اللبناني استئناف عمل اللجنة المشتركة، لكن الاقتراح لم يُترجم إلى خطوات عملية بسبب الخلافات حول الأولويات، إذ كانت بيروت تسعى إلى ترسيم الحدود كجزء من خطة لضبط التهريب وتأمين المناطق الحدودية، وهو الأمر الذي كان يتنافى مع مصالح النظام السوري السابق.

الحدود البحرية

وأما بالنسبة للخلاف على الحدود البحرية، فيتعلق بترسيمها من الجهة الشمالية اللبنانية في العام2011، وذلك إبان الخلاف بين إسرائيل وبيروت على الحدود البحرية أيضا.

وكانت الحكومة اللبنانية قد أصدرت عهد رئيسها الأسبق فؤاد السنيورة المرسوم رقم 6433، والذي جرى بموجبه تحديد الحدود البحرية الجنوبية مع إسرائيل والشمالية مع سوريا والغربية مع قبرص، فاصطدم أيضا بالترسيم الذي حددته سلطات النظام السوري وقتها.

وذكرت تقارير إعلامية أن السفير السوري السابق لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، قد  أرسل رفضا للإحداثيات الموجودة بالمرسوم اللبناني، وعدّها غير ملزمة لدمشق.

وأوضح خبراء أن  لبنان قد التزم بمبدأ الخط الوسطي الذي تنص عليه معاهدة قانون البحار  الموقعة في العام 1982، أما سوريا وهي ليست عضوا بالاتفاقية فاعتمدت خطا مستقيما يجعل ما بين 750 كيلومترا مربعا وألف كيلومتر مربع متداخلة بحرا مع لبنان، فصارت منطقة بحرية متنازعا عليها. 

وكان لبنان قد حدد في 2017 حدد مجاله البحري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بـ10 "بلوكات" وأن "البلوكين" الشماليين 1 و2 يقعان مع الحدود السورية البحرية وجزء منهما يتداخل مع البلوك رقم 1 السوري ويصيب المنطقة التي تتجاوز 750 كيلومترا مربعا.

الفن والتطرف

في العام 1989، قبل سنتين من وفاته عن عمر ناهز التسعين عاماً، تفاجأ الموسيقار المصري الشهير، محمد عبد الوهاب، بقيام محام مصري شاب يدعى عبد الحكيم شدّاد باستصدار فتوى من رجلي الدين المصريين صلاح أبو إسماعيل وعبد الحميد كشك، تجيز تكفير عبد الوهاب.

هكذا، وبسبب أغنية لحّنها عبد الوهاب في العام 1977، وكان يفترض أن يغنيها عبد الحليم حافظ، تعرض "موسيقار الأجيال" للملاحقة بتهمة الإلحاد، بعد إصداره الأغنية بصوته.

الأغنية التي استفزت المحامي بدعم من رجال الدين، كان عنوانها "من غير ليه"، وهي من كلمات الشاعر مرسي عزيز جميل.

وقد اعتبر المحامي أن كلمات الأغنية فيها كفر وإلحاد وخروج عن الملّة"، خصوصاً مطلعها: "جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين ولا عايزين إيه".

لكن القضاء المصري آنذاك حكم ببراءة عبد الوهاب من التهمة بعد أن شهدت المحاكمة شهادة من رئيس لجنة الفتوى في الأزهر لصالح عبد الوهاب.

هذه الحادثة يرويها الباحث المصري أيمن الحكيم في كتابه "الفن الحرام: تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين"، الصادر في العام 2012، وفيه يوثق لمجموعة من المواجهات بين التطرّف  والإبداع في العالم العربي. ويخصص صفحات منه للحديث عن بعض قضايا وحوادث تكفير الفن والغناء والموسيقى.

من بين هذه القضايا، ما تعرّض له الفنان اللبناني مارسيل خليفة عندما أصدر أغنية "أنا يوسف يا أبي" في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش.

وقد اتهم القضاء اللبناني خليفة بـ"تحقير الشعائر الدينية"، لأنه أقدم على تلحين "نص قرآني محرّف"، على ما جاء في التهم الموجّهة إليه، على اعتبار أن القصيدة تتخذ من سورة "يوسف" القرآنية إسقاطاً على "القضية الفلسطينية".

صدرت على إثر ذلك، بيانات من مراجع لبنانية دينية، منها دار الإفتاء التي اعتبرت أن "المغني خليفة الذي أدخل آيات من القرآن الكريم في أغنية ليس قارئًا بحسب قواعد التجويد، بل مغنيا أدخلها في أغنية غناها بالمعازف كسائر الأغاني الشائعة على وجه يعتبره فقهاء الإسلام استخفافًا وتحقيرًا وتهاونًا غير لائق بكلام الله تعالى، وهو ليس من الاقتباس الجائز".

ورأى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بأن "حكم الشريعة الإسلامية يمنع بالمطلق تحويل النص القرآني إلى مادة مغناة وملحّنة".

القضية أثارت جدلاً كبيراً في لبنان والعالم العربي وتدخّل رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري لدى القضاء لحفظ الدعوى، وكفّ الملاحقات بحق خليفة. بيد أن القضية عادت وتحركت بعد سنوات ليستكمل الجدل قبل أن يحسمه القضاء اللبناني بتبرئة خليفة من تهمة "تحقير الشعائر الدينية".

وإذا كان الشاعر الصوفي الحسين بن منصور الحلاّج قد تعرض للتنكيل والصلب في بغداد بعد اتهامه بالزندقة في العام 922 ميلادية، فإن فناناً تونسياً يدعى ظافر يوسف سيتعرض في العام 2010، بسبب بيت استوحاه من قصيدة للحلاج، وغنّى كلماته التي تقول "كفرت بدين الله، والكفر عند المسلمين حرام"، إلى موجة من الانتقادات والمقاطعة وقيام عدد كبير من جمهوره في قرطاج بمغادرة حفله، لأنهم اعتبروا أن هذا الكلام يعتبر "كفراً".

هذه الحوادث الثلاث وغيرها الكثير بقيت في سياق "سلمي" لم يتعرض فيها أحد من المتهمين بـ"الكفر" أو "تحقير الشعائر الدينية" أو "الزندقة" أو "الإلحاد"، لأذى جسدي، أو للتصفية الجسدية كما حدث مع مغني الراي الجزائري الشاب حسني، الذي قتل برصاص مجموعة مسلحة قرب منزله في العام 1994.

جرى الحديث حينها عن أن جماعة إسلامية متشددة تبنّت إعدام الشاب الذي كان في طريقه إلى تحقيق شهرة كبيرة في عالم فن الراي.

ومن بين الأسباب التي جرى تداولها لعملية القتل أن "حسني قبّل فتاة في آخر حفل له"، وهو ما أثار غضب الجماعة، التي هددته بالقتل، عبر إرسالة باقة زهور تحتوي على حاجيات غسل الميت.

لكن، يبقى اغتيال حسني لغزاً إذ لم يتم التوصل إلى القتلة الفعليين وتقديمهم للعدالة، وترك مقتله تكهنات كثيرة حول الجهة التي نفذت الاغتيال والأسباب الحقيقية وراء ذلك.

وبعدها بما يقارب عشر سنوات، أدت أغنية "البرتقالة" للفنان العراقي علاء سعد، والتي لاقت شهرة شعبية كبيرة، إلى تحويل كل من شارك فيها إلى هدف محتمل للتصفية الجسدية، بعد نشر صورهم في ميناء أم القصر في البصرة وهددت جماعة متطرفة بقتل جميع من شارك في هذه الأغنية، بحسب خبر نشرته جريدة "اليوم" السعودية في 23 أكتوبر 2004.

وقد جرى تنفيذ التهديد بالفعل، عبر قتل إحدى الفنانات الاستعراضيات اللواتي شاركن في الفيديو كليب الخاص بالأغنية وتدعى هنادي.

و"قد قام خاطفوها بإطلاق أربع رصاصات على جمجمتها لترديها قتيلة على الفور"، والدافع بحسب ادعاء الجماعة، على ما نقل خبر الصحيفة السعودية، هو "رقصها الفاضح في فيديو كليب الأغنية".

ولم تتبن هذه الجماعة المتطرفة رسمياً قتل الراقصة، وقيل أيضاً في وسائل الإعلام انها قتلت على يد أبناء عيشرتها للسبب نفسه. في الحالين التطرف، المستند إما إلى تشدّد ديني أو عصبية اجتماعية، هو ما سلب هذه الشابة البريئة حياتها.  

الشب حسني والراقصة هنادي دفعا حياتيهما بسبب التعصّب وحسم الخلافات بوجهات النظر بالتصفية الجسدية، فيما تتكرر عبر العصور الحملات المتشددة ضد الغناء والرقص وسائر الفنون، لأسباب دينية أو اجتماعية. فطاولت فتوى بتكفير المغني الكويتي عبدالله الرويشد والدعوة إلى إقامة الحد عليه وقتله، في العام 2001 لأنه "غنى سورة الفاتحة" في جلسة خاصة.

وقبلها بعقود أثيرت ضجة حول أغنية لعبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي اتهمت بأن فيها كفر وإلحاد، حيث يقول مطلعها "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت/ وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت/ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري".

ثم بعدها بعقود جاء إهدار دم المطربة التونسية الراحلة ذكرى (التي قتلت لاحقاً برصاصات زوجها لسبب آخر) لأنها أجابت في مؤتمر صحافي في قطر في العام 2002 عن سؤال حول أسباب هجرة فناني المغرب العربي بفنونهم إلى الخارج، بأنهم "يهاجرون كما هاجر النبي"، وهو ما دفع بالقاضي السعودي إبراهيم الخضيري إلى إصدار فتوى بإهدار دمها لتشبّهها بالرسول والإساءة إليه.