امرأة بحرينية تحمل لافتة عليها صور نشطاء سياسيين مسجونين- صورة أرشيفية.
امرأة بحرينية تحمل لافتة عليها صور نشطاء سياسيين مسجونين- صورة أرشيفية.

يعيش السجناء السياسيون أوضاعا مأساوية داخل سجن في البحرين، ويتعرضون لـ"الانتهاك والتعذيب ومنع الأدوية، والحبس دون التعرض للشمس، ووضع قيود على ممارسة الشعائر الدينية"، ما دفعهم للإضراب عن الطعام، وفق أقارب للسجناء ونشطاء تحدث معهم موقع "الحرة".

والاثنين، تعهدت السلطات البحرينية منح السجناء بعض الحقوق الإضافية أبرزها زيادة ساعات الزيارات، في خضم إضراب عن الطعام ينفذه مئات النزلاء ويقول ناشطون إنه الأكبر على الإطلاق في تاريخ السجون في البلاد.

وأعلنت وزارة الداخلية البحرينية أنها ستقوم بـ"مراجعة نظام الزيارات للنزلاء وتطويره ليشمل زيادة التوقيت وتعديل قائمة الزوار".

وحسب ما ذكرته الداخلية البحرينية فهي تعتزم النظر في إمكانية "زيادة وقت الاستراحة اليومية (التشمس)".

لكن هذا البيان لم يهدئ غضب السجناء في مركز الإصلاح والتأهيل المعروف باسم "سجن جو" والذين قرروا مواصلة الإضراب عن الطعام الذي بدأوه مطلع أغسطس.

ما الذي يحدث بسجن "جو"؟

يشارك نحو 800 سجين في الإضراب، وعدد كبير منهم معارضون معتقلون منذ 2011 خلال حملة قمع احتجاجات قادها الشيعة للمطالبة بإصلاحات سياسية، بحسب معهد البحرين للحقوق والديمقراطية ومقره بريطانيا.

لكن السلطات البحرينية تقول إن 121 سجينا فقط يشاركون في الإضراب، وفق ما ذكرته وكالة "فرانس برس".

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، يتحدث علي مهنا، والد السجين السياسي حسين، عن استمرار نجله في الإضراب عن الطعام لليوم الـ24 على التوالي، بعد انتزاع اعترافات منه تحت التعذيب ليحكم عليه بالسجن 38 عاما وشهرا واحدا.

وسجن نجله في عام 2017، بتهمة "الاعتداء على شرطي"، بينما كان عمره لا يتجاوز 20 عاما، واعترف بتلك التهمة "الملفقة" تحت التعذيب، وحكم عليه بالسجن 5 سنوات، حسب توضيح والد السجين.

وبعد حبس حسين بأسبوعين، تم استدعاؤه للتحقيقات الجنائية في مبنى 15 بسجن جو وتعرض لـ"تعذيب وحشي بقيت آثاره لسنوات"، وتحت هذا التعذيب اعترف بالانتماء لحزب الله البحريني وحكم عليه بالسجن المؤبد، وأضيف على المدة عام آخر بتهمة "الإيواء"، وفق شهادة مهنا.

علي مهمنا يحمل صورة نجله السجين السياسي حسين

وفي 10 أغسطس 2022، تم نقل حسين لسجن العزل بمبنى 3 وتم اتهامه بمحاولة الهروب، وحكم عليه في يناير الماضي بالسجن 7 سنوات أخرى.

وفي شهر يونيو من العام الحالي، اتهم بـ"إهانة شرطي"، وحكم عليه بالسجن شهر، وبذلك أصبح مجموع أحكامه 38 سنة وشهر، حسب مهنا.

ويكشف أن نجله يقبع في سجن العزل منذ "سنة و3 أسابيع كاملة"، بعدما تم وضعه هناك منذ 10 أغسطس 2022 حتى يومنا هذا.

ومن جانبها تتحدث زاهية، وهي شقيقة السجينين بسجن "جو"، محسن وعباس، عن "أوضاع غير إنسانية داخل السجن".

وتم القبض على عباس ومحسن في ديسمبر 2014، بتهم "ملفقة وكيدية"، على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها البحرين، حسب حديثها لموقع "الحرة".

وتقول "آخر مرة شاهدت فيها عباس ومحسن منذ عامين، ويعانيان من تردي الأوضاع وعدم الحصول على رعاية طبية مناسبة وتم منعهما من استكمال التعليم".

وتكشف ملابسات عن سوء الرعاية الصحية، وتقول "يتم إعطاؤهما علاجات لا تناسب حالتهما المرضية، ولا يتم تشخصيهما بشكل مناسب، ولا توجد كفاءة لدى الطاقم الطبي الموجود بالسجن".

وبسبب ذلك تعرضا لـ"انتكاسة صحية"، وتم نقلهما للمستشفى دون إبلاغنا، وعلمنا بالأمر "صدفة"، بعد انقطاع الاتصالات الهاتفية معهما، وفق شهادتها.

وداخل السجن الأوضاع "غير آدمية" فلا يوجد "مستلزمات للنظافة الشخصية" ولا توفر السلطات "أدوات لتناول الطعام"، حسبما تؤكد زاهية.

وتوضح أن أهالي المساجين يقومون بدفع "تعريفة الاتصال الهاتفي، وشراشف الأسرة، والبطانيات، والوسادات".

وبسبب منع التشمس وقلة النظافة، انتشرت الأمراض الجلدية بين السجناء وعلى رأسها "الجرب"، وأصيب البعض بمرض السرطان، وتتجاهل إدارة السجن علاجهم ولا تسمح للأهالي بعلاج ذويهم، وفق زاهية.

وتشير إلى "إجراء عمليات جراحية لبعض المساجين" دون علم الأهالي.

ضرب وتعذيب وانتهاك جسدي

يقول علي مهنا، والدموع تغالبه "رأيت بنفسي آثار التعذيب على جسد نجلي الوحيد، ويؤلمني ما يجري له، وحزني عليه بلا حدود".

وتحت وطأة التعذيب تم إجبار نجلي على الاعتراف بتهم لم يرتكبها، وحتى الآن لم يحاسب من قام بتعذيبه، وفقا لحديث والد السجين السياسي.

ومن جانبها، تشير زاهية إلى تعرض شقيقها محسن للضرب بالعصا والهراوات، وتقول إنه أجبر  على "التعري"، وتم تعذيبه بـ"الفلقة"، وتعليقه رأسا على عقب لمدة ١٠ ساعات متواصلة.

وتعرض شقيقها عباس أيضا للتعذيب، ما تسبب في إصابته بكسر بالأنف ونزيف داخلي من شدة الضرب.

وتؤكد أن بعض السجناء تعرضوا لانتهاكات أوسع على رأسها "إطفاء السجائر بالجسد، وخلع الأظافر والأسنان".

انتهاكات "خارج أسوار السجن"!

بصوت يملؤه الحزن والألم، يتحدث عبد الهادي علي أحمد، وهو شقيق السجين محمد حسن علي أحمد، ووالد السجين جواد عبد الهادي، لموقع "الحرة" عن "انتهاكات وضرب وتعذيب للسجناء داخل وخارج أسوار السجن".

ومنذ 8 سنوات، تم اعتقال شقيقه بتهم تتعلق بـ"الإرهاب" وحكم عليه بالسجن 25 عاما، وخلال الفترة الماضية تعرض لـ"التعذيب العنيف"، وتم حرمانه من الحق في العلاج وتلقي الرعاية الصحية.

وبسبب التعذيب داخل السجن والإهمال الطبي، تعرض لـ"كسر في فقرات الظهر وعظام الورك"، وأصيب بـ"ضعف البصر والنظر"، ومشكلات بـ"المسالك البولية".

ومنذ 5 أيام، كان لدى شقيقه موعد لـ"إجراء عملية الفتاق"، وتم نقله إلى المستشفى العسكري للعرض على الطبيب الذي أخبره بعدم إمكانية إجراء العملية لأنه "لم يتلق الأدوية التي تسبق الجراحة، بسبب وجود مشكلات لديه بالمسالك البولية".

وعندما أخبر شقيقه الطبيب بأن "الأدوية لم تصل إليه"، تدخل رجال الشرطة واعتدوا عليه بالضرب المبرح داخل غرفة المعالج.

وبعد ذلك تم إخراجه من الغرفة، واعتدى عليه 4 رجال أمن على الملأ داخل المستشفى، ما تسبب في تعرضه لـ"كدمات بالكتف والرجل، وانتفاخ بالصدر، وتهتك بعصب أحد الأصابع".

ولا يتم السماح بدخول الأدوية والعلاجات التي يحتاجها شقيقه، ولم يتم حتى الآن محاسبة من اعتدوا عليه، وفق قوله.

ويتحدث عن نجله في حسرة، ويقول "ابني كان متفوق ومن الأوائل، وكان على وشك التخرج، لكنهم حطموا مستقبله.. حطموا حياته".

ويشير إلى سجن نجله على خلفية قضية "تخابر مع النظام الإيراني"، لكنه ينفي ذلك تمام، قائلا "نجلي لم يذهب إلى إيران في حياته".

ويؤكد أن شقيقه ونجله "مستمران في الإضراب عن الطعام، حتى يتم معاملتهما بشكل إنساني، وتحقيق كافة المطالب المشروعة".

والسجناء مستمرون في الإضراب عن الطعام حتى لو ماتوا جوعا، وهم على استعداد للموت كراما، على العيش تحت وطأة تلك الظروف غير الإنسانية"، حسبما يشدد عبد الهادي.

غيض من فيض!

تتفق الناشطة الحقوقية البحرينية، ابتسام الصايغ، مع جميع ما ذكره أهالي السجناء، لكنها تقول إن ذلك "غيض من فيض".

وتسرد لموقع "الحرة" المزيد من التفاصيل عن معاناة طويلة وانتهاكات متواصلة يتعرض لها السجناء منذ 12 عاما، بينما الأوضاع "من سيئ لأسوأ".

وتؤكد الناشطة تعرض السجناء لـ"التمييز الطائفي لكونهم من الشيعة"، ويتم حرمانهم من الحق بالصلاة وأداء شعائرهم، ولا يسمح لهم بدخول الكتب العلمية أو الدينية".

وهناك انتقاء وتمييز فيما يتعلق بمنح الأسر الحق في زيارة السجناء، وعندما يتم الموافقة "تجرى الزيارة في أجواء غير آدمية"، وفق شهادتها.

وأماكن الاحتجاز غير نظيفة ولا يوجد بها مصادر تهوئة، وهي "ضيقة ومكدسة بالسجناء"، ويمنع النزلاء من الخروج منها طوال 23 ساعة يوميا، ولا يتم السماح لهم بالتشمس سوى لساعة واحدة كل يوم.

وبسبب ذلك "انتشر وباء كورونا بين السجناء سابقا"، ولم يتم علاجهم ولم تصارح إدارة السجن ذويهم بذلك.

وفي الوقت الحالي ينتشر بين السجناء الجرب والأمراض الجلدية والسرطانية، وهناك عدد كبير منهم مصاب بأمراض وراثية مثل "فقر الدم المجهري" ولا يتم متابعة حالتهم الصحية، ولا يتلقون العلاج ولا يتم نقلهم للمستشفيات.

وإذا تم نقل السجين للمستشفى يتم ذلك متأخرا وبعد تدهور حالته الصحية، ونتيجة هذه الظروف توفي بعض السجناء بالفعل، لكن لا يتم توثيق أسباب الوفاة الحقيقية، حسبما ذكرت الناشطة الحقوقية.

وتشير إلى أنه عند نقل السجين إلى المستشفى يكون "مكبل الأيدي والأرجل"، ويتسبب ذلك في "تعثر كبار السن منهم".

وتفتقر بعض أماكن الاحتجاز لوجود "أسرة"، ويجب على السجناء النوم على الأرض، حسبما توضح الصايغ.

وتكشف الصايغ عن وجود "عناصر شرطة أجانب" يديرون السجن ويهددون السجناء، وبعد إضرابهم عن الطعام يقولون لهم "نريدكم أن تنتحروا وتقتلوا أنفسكم من الجوع".

وفي حال إبلاغ السجين عن تعرضه لـ"انتهاكات"، يتعرض للانتقام من الشخص الذي انتهكه، وقال بعض هؤلاء لسجناء "أنتم تحت قبضتنا، ولن يحاسبنا أحد".

قمع مستمر للمعارضين

في 14 فبراير 2011، خرج متظاهرون يطالبون بإصلاحات سياسية في البحرين، تتمثل بملكية دستورية وبرئيس وزراء منتخب.

لكن تم سحق الاحتجاجات سريعا في منتصف مارس من العام نفسه، بعد دخول قوات من الخليج وخصوصا من السعودية لدعم السلطات.

ومنذ ذلك الحين، تم حل حركات المعارضة الرئيسية، وسجن العشرات من المعارضين، وقد صدرت بحقهم عقوبات قاسية بينها الإعدام والسجن المؤبد كما تم تجريد بعضهم من الجنسية.

وفي ذلك السياق، يتحدث رئيس معهد الخليج للديمقراطية وحقوق الإنسان، يحيي الحديد، عن تعرض السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي لـ"انتهاكات واسعة"، منذ سنوات في البحرين.

ويكشف لموقع "الحرة" عن وجود قرابة ألف سجين سياسي بالبحرين على خلفية الاحتجاجات التي خرجت للمطالبة بإصلاحات سياسية.

وتم سجن هؤلاء في سجن "جو" حيث "لا توجد بيئة صحية سليمة"، ويتعرضون للتعذيب الممنهج وبينهم حالات صحية تعاني من أمراض مزمنة وخطيرة، لكن الحكومة البحرينية ترفض الإفراج عنهم، حسبما يؤكد الحديد.

ولا يسمح لسجناء الرأي بالاطلاع على الصحف والكتب، ولا يسمح للطلاب وصغار السن منهم بمواصلة الدراسة، بسبب كونهم من الطائفة الشيعية، وفق حديث رئيس معهد الخليج للديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويشير إلى أن كافة مطالب السجناء السياسيين "مشروعة"، لكن بيان وزارة الداخلية البحرينية جاء ليلتف عليها، ولا يوجد "تنفيذ حقيقي للمطالب".

وأثار الإضراب مؤخرا احتجاجات في الشوارع نظمها أقرباء سجناء، وهناك وقفات نظمها نشطاء في بعض الدول مثل بريطانيا، حسبما يوضح الحديد.

ويؤكد رئيس معهد الخليج للديمقراطية وحقوق الإنسان، أن السجناء السياسيين هم "معتقلي رأي"، ولم يخضعوا لمحاكمات عادلة في ظل وجود "قضاء مسيس" بالبحرين.

ويشدد على أن "وجودهم بالسجن غير قانوني أو مبرر"، وهناك خطر حقيقي يهدد "حياتهم"، ولذلك يجب الإفراج فورا عنهم.

وتواصل موقع "الحرة" مع مركز الاتصال الوطني في البحرين، للرد على ما جاء على لسان أهالي السجناء والنشطاء، حيث أكد أن "الحكومة تتعامل بشكل جدّي مع أي مزاعم لسوء المعاملة".

وأضاف أنه "في حال وجود أي شكاوى، يتم التعامل معها في إطار قانوني من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات الرقابية".

وبين أن "الحكومة تلتزم بحماية حقوق الإنسان وضمان الامتثال للمعايير الدولية في جميع التعاملات مع النزلاء"، لافتا إلى أن "مركز الإصلاح والتأهيل يتعامل بحرفية ومهنية مع الإضراب عن الطعام" المستمر منذ نحو أسبوعين.

وأشار  إلى أن "مركز الإصلاح والتأهيل يعمل على ضمان جميع حقوق النزلاء، بما في ذلك استمرار المكالمات الهاتفية والاتصال المرئي، والزيارات العائلية وفترة الهواء الطلق اليومية والفحص الطبي الروتيني اليومي".

وأثناء الاحتجاجات، قالت البحرين إن إيران دربت المتظاهرين ودعمتهم من أجل الإطاحة بحكومة المنامة، وهو اتهام تنفيه طهران.

وترفض البحرين التقارير المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان وتنفي التمييز ضد مواطنيها الشيعة.

ملك البحرين زار طهران في عام 2002 للمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية (أرشيف)
ملك البحرين زار طهران في عام 2002 للمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية (أرشيف)

بعد الاتفاق السعودي بوساطة الصين، وبعده عودة التمثيل الدبلوماسي الكامل مع الإمارات، العام الماضي، ظلت البحرين الدولة الخليجية الوحيدة التي ليس لها علاقات رسمية مع إيران.

وقبل ذلك بعام، أعادت الكويت سفيرها إلى طهران بعد سحبه عام 2016 في أعقاب قرار السعودية قطع علاقاتها مع إيران خلال تلك الفترة.

والجمعة، قال محمد جمشيدي، الذي يشغل منصب نائب رئيس الشؤون السياسية لمدير مكتب الرئيس الإيراني في عهد الراحل، إبراهيم رئيسي، إن "البحرين طلبت عبر روسيا تطبيع العلاقة مع إيران".

وأضاف في تصريحات للتلفزيون الرسمي، أوردتها وكالة الأنباء الرسمية (إرنا)، أن "رئيسي قرر بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، إقامة العلاقات مع البحرين ورفع تقاريره بهذا الصدد إلى قائد الثورة".

وتعد البحرين، الأرخبيل الصغير في الخليج، حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة وتستضيف الأسطول الخامس للبحرية الأميركية.

"قناة تواصل مباشرة"

والشهر الماضي، نقلت وكالة أنباء البحرين الرسمية (بنا) عن العاهل البحريني، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، قوله خلال اجتماع مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الكرملين إنه لا يوجد سبب لتأجيل عودة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وإيران.

وأضاف الملك حمد أن المنامة تتطلع إلى تحسين علاقاتها مع طهران، التي لطالما اتهمتها البحرين بتأليب الأغلبية الشيعية من سكانها على النظام الملكي السني.

ويرى زميل أبحاث سياسة الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، حسن الحسن، أن البحرين ترغب "بمواكبة دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى التي تملك علاقات أو أعادت علاقاتها مع إيران".

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، قال الحسن إن السبب الآخر الذي تسعى من خلاله المنامة لإعادة علاقاتها مع طهران، يتمثل في إنشاء "قناة تواصل مباشرة" يمكن من خلالها "حل أي خلافات والحد من احتمال حدوث تصعيد غير مقصود".

وأضاف أن "القناة قد يكون لها فائدة في إدارة العلاقات وتجنب التصعيد في سياق احتدام التوتر الإقليمي المتزايد، والمواجهة بين إيران إسرائيل والتقدم في البرنامج النووي الإيراني".

وبعد نجاح الوساطة الصينية في كسر الجمود بين إيران والسعودية، تعد روسيا بعلاقاتها القوية مرشحة لتلعب الدور الصيني لإعادة العلاقات مع البحرين، حسبما قال المحلل السياسي الإيراني، سعيد شاوردي، في حديثه لموقع "الحرة".

ويرى شاوردي أن "البحرين لم تكن بحاجة إلى قطع العلاقات مع إيران عام 2016"، لافتا لعدم وجود مبرر لتلك الخطوة سوى التضامن مع السعودية.

في المقابل، يعتقد المستشار السياسي البحريني، أحمد الخزاعي، أن ملك البحرين "ما زال يسعى للصلح في مبادرة ذات نظرة استراتيجية من الممكن أن تجنب المنطقة والعالم حربا جديدة لا يحمد عقباها".

وقال إن هذه المبادرة تأتي رغم "محاولات إيران لقلب نظام الحكم بجانب تصريحات المسؤولين الإيرانيين المستمرة التي تهدد بضرب البحرين أو حتى استرجاعها".

تاريخ من العلاقات المتقلبة

لطالما كانت إيران تصر على أن البحرين جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأنها المحافظة الـ 14 لديها، حتى قبل الثورة الإسلامية التي جلبت رجال الدين الشيعة للحكم عام 1979.

وجرت مفاوضات قادها رئيس الوزراء البحريني السابق، الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، مع شاه إيران محمد رضا بهلوي في نهاية الستينيات أفضت إلى تنظيم استفتاء يحدد مستقبل الجزيرة الخليجية، وفقا لوكالة فرانس برس.

ونتج عن الاستفتاء الذي جرى عام 1970 بإشراف الأمم المتحدة، تصويت ساحق بأكثر من 96 بالمئة لصالح استقلال البحرين في ظل حكم سلالة آل خليفة السنية، بحسب فرانس برس. ونالت البحرين استقلالها عن بريطانيا عام 1971.

وعقب وصول مؤسس الثورة الإسلامية، روح الله الخميني، إلى السلطة في طهران، أعلنت البحرين في نهاية عام 1981 إحباط محاولة انقلاب مدعومة من إيران.

وبعد سنوات من الهدوء في المنامة، وعودة العلاقات الدبلوماسية مع طهران إلى مستوى السفراء عام 1991، عادت للبحرين اضطرابات قادها شيعة عام 1994 طالبوا بإعادة البرلمان المنتخب الذي حل عام 1975، وإلغاء قانون أمن الدولة الذي يعطي السلطات صلاحيات واسعة في الاعتقالات دون محاكمات.

وآنذاك، اتهمت البحرين إيران بشكل علني بدعم المظاهرات التي دعت إليها تيارات شيعية، وتدريب مسلحين لقلب نظام الحكم، مما أدى لتوتر شديد في العلاقات الدبلوماسية.

وفي عام 1996، قالت البحرين إنها أحبطت مؤامرة أخرى للإطاحة بالحكومة وتنصيب زعماء إسلاميين، وأنها استدعت سفيرها لدى طهران، وخفضت تمثيلها الدبلوماسي بالعاصمة الإيرانية إلى قائم بالأعمال.

لكن العلاقات تحسنت بعد تولي الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم عام 1999 وإجرائه إصلاحات سياسية واسعة حولت البحرين من إمارة إلى مملكة، بما في ذلك إعادة البرلمان المنتخب وإلغاء قانون أمن الدولة.

قبل ذلك، وصل إلى سدة الحكم في طهران رجل الدين الإصلاحي، محمد خاتمي، الذي كانت سياساته ترتكز على الانفتاح على دول الخليج.

وشهدت تلك الحقبة تبادلا للزيارات بين قادة البلدين بعدما زار ملك البحرين طهران للمرة الأولى منذ ثورة 1979، فيما زار الرئيس الإيراني الأسبق، خاتمي، البحرين عام 2003 بعد سنة من رحلة الملك حمد التي التقى خلالها المرشد الأعلى، علي خامنئي، صاحب القول الفصل في إيران.

ورغم الاختلافات بين البلدين، فإن العلاقات الدبلوماسية ظلت مستمرة على مستوى السفراء حتى عام 2011 عندما تصدت البحرين بالقوة لاحتجاجات اندلعت على هامش الربيع العربي طالب خلالها متظاهرون، كثير منهم ينتمي إلى الأغلبية الشيعية، بالتغيير السياسي الذي وصل أحيانا إلى إسقاط النظام الملكي، بحسب رويترز.

وألقت البحرين باللوم على إيران في تأجيج الاضطرابات، وهو اتهام نفته طهران، طبقا للوكالة ذاتها.

وفي 15 مارس 2011، استدعت البحرين سفيرها لدى طهران احتجاجا على الانتقادات الإيرانية بعد نشر قوات درع الجزيرة في المملكة. واتخذت إيران في اليوم التالي تدبيرا مماثلا من خلال استدعاء سفيرها لدى المنامة.

وبعد عام ونصف، استأنف السفير البحريني لدى إيران مهامه، لكن الخارجية الإيرانية أعلنت أن طهران لن تعيد سفيرها إلى البحرين في ظل ما وصفته بـ "استمرار قمع الاحتجاجات السلمية" للشعب البحريني.

واستمر التوتر بين البلدين في السنوات اللاحقة. ففي عام 2015، أعلنت البحرين أنها صادرت أسلحة قادمة من إيران "عن طريق البحر".

وآنذاك، قالت وزارة الداخلية البحرينية في بيان: "تم إحباط عملية تهريب عن طريق البحر لكمية من المواد المتفجرة شديدة الخطورة، بجانب عدد من الأسلحة الأوتوماتيكية والذخائر".

وإثر ذلك، أعلنت البحرين أنها قررت استدعاء سفيرها المعتمد في طهران للتشاور، احتجاجا على تصريحات "عدائية" صدرت عن عدد من المسؤولين الإيرانيين بحقها.

وبقيت العلاقات مقطوعة منذ يناير عام 2016 عندما أعلنت المنامة قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران والطلب من دبلوماسييها مغادرة البحرين خلال 48 ساعة وذلك بعد أقل من 24 ساعة على اتخاذ السعودية إجراء مماثلا.

وجاء قرار المنامة "بعد الاعتداءات الآثمة الجبانة" على السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران، معتبرة أنها "انتهاك صارخ لكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتجسد نمطا شديد الخطورة للسياسات الطائفية التي لا يمكن الصمت عليها أو القبول بها"، بحسب السلطات البحرينية.

"فرصة حقيقية"

وكان متظاهرون إيرانيون اقتحموا السفارة السعودية لدى إيران وقنصلية المملكة الخليجية بمدينة مشهد المقدسة لدى المسلمين الشيعة احتجاجا على إعدام الرياض لرجل الدين الشيعي، نمر النمر، الذي كان معارضا للنظام الملكي السعودي.

وبعد عودة العلاقات الإيرانية السعودية، رحبت البحرين بذلك وأعربت عن أملها في أن "يشكل خطوة إيجابية على طريق حل الخلافات وإنهاء النزاعات الإقليمية كافة بالحوار والطرق الدبلوماسية، وإقامة العلاقات الدولية على أسس من التفاهم والاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى".

وقال شاوردي إن البحرين "لم تكن بحاجة للوصول لهذه القطيعة" مع إيران، مشيرا إلى أن المنامة اتبعت الرياض في سياسة القطيعة.

وأضاف في تصريحات لموقع "الحرة" أنه من "المعروف أن السعودية عندما تقرر سياسة معينة تجاه إيران؛ فهناك دول من ضمنها الكويت والبحرين والإمارات تتبعها في مواقفها السياسية".

وتابع: "لم يبقَ ذريعة للدول الأخرى التي قطعت علاقاتها (مع إيران) لتبقى على هذه القطيعة، بما أن السعودية الدولة الأهم أعادت العلاقات".

ومضى شاوردي قائلا إن السياسة الإيرانية شهدت تغييرا خلال عهد الرئيس الراحل رئيسي "ركزت على بناء وتطوير العلاقات الخارجية مع دول الجوار".

وأشار المحلل السياسي الإيراني إلى أن "هناك فرصة حقيقية" لإعادة العلاقات، لا سيما بعد "المواقف الطيبة" من قبل الدول الخليجية التي عبرت عن حزنها ومواساتها عقب مقتل رئيسي في حادثة تحطم مروحيته مؤخرا.

وكان وزير الخارجية البحريني، عبداللطيف الزياني، زار طهران مؤخرا لتقديم العزاء في وفاة رئيسي "بتكليف من ملك البحرين"، حسبما ذكرت وكالة أنباء البحرين، التي أشارت إلى أن الزياني أعرب "عن تعاطف مملكة البحرين في هذا المصاب المؤلم".

ويذهب الحسن في الاتجاه نفسه قائلا إن هناك عوامل تساهم في تعزيز مسألة إعادة العلاقات الثنائية "أولها عودة العلاقات السعودية مع إيران وصمودها رغم الأحداث الإقليمية وازدياد حدة التوتر في المنطقة". 

والعامل الثاني، وفقا للحسن، هو "انخفاض نسبة التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية البحرينية بالمقارنة مع ما قبل 10 سنوات، بما في ذلك دعمها لمليشيات تستهدف أمن البحرين".

بالإضافة إلى ذلك، فإن "توجه البحرين نحو الإفراج عن عدد كبير من السجناء بتهم أمنية مختلفة أيضا يساهم في تهيئة الجو الداخلي لعودة العلاقات مع إيران"، حسبما قال الحسن.

علاقات "معقدة"

لكن الباحث السعودي في التيارات الشيعية، حسن المصطفى، يعتقد أن مسألة عودة العلاقات بين المنامة وطهران تظل "معقدة".

وفي عمود رأي في صحيفة "عرب نيوز" السعودية الناطقة باللغة الإنكليزية، كتب المصطفى أن "مجرد استعادة العلاقات (البحرينية الإيرانية) دون معالجة الأسباب الجذرية سيؤدي إلى ظهور القضايا مرة أخرى في المستقبل".

ويشير المصطفى إلى أن إيران تعد موطنا للعديد من شخصيات المعارضة البحرينية، تم إسقاط جنسيات بعضهم، مثل رجل الدين الشيعي البارز عيسى قاسم، الذي تم "الاعتراف به كأحد الشخصيات الرئيسية في ما يسمى بمحور المقاومة مؤخرا".

وتابع: "تستضيف إيران أيضا قيادات من جمعية الوفاق الإسلامية المنحلة، إلى جانب شخصيات تطالب بالتغيير العنيف في البحرين، مثل رجل الدين المتطرف مرتضى السندي، أحد رموز حزب الوفاء الإسلامي، الذي يروج علنا لاستخدام السلاح في خطاباته".

ومنذ عام 2017، تصنف واشنطن السندي على أنه من "الأفراد الإرهابين" العالميين بشكل خاص لارتباطه بتنظيم "سرايا الأشتر"، وهي منظمة نصنفها واشنطن "إرهابية" مدعومة من إيران تعمل على قلب الحكومة في البحرين.

وفي العمود المنشور، الأسبوع الماضي، نقل المصطفى عن "مصدر يراقب العلاقات البحرينية الإيرانية" قوله إن "إيران عنيدة في هذا الشأن"، مضيفا: "حاولت عُمان تسهيل حدوث انفراج في العلاقات بين المنامة وطهران، لكن طهران لم تغير مواقفها". 

وأضاف المصدر، بحسب ما كتب المصطفى، أن "إيران تريد من البحرين إطلاق سراح السجناء الشيعة والسماح للمعارضة بالعودة والعمل داخل البلاد، مقابل إعادة العلاقات بين البلدين".

ومضى في قوله: "بحسب المصدر، فإن إيران ترى أن (الحكومة البحرينية لن تقبل بهذا الموقف لأنها تعتبره تدخلا في شأن داخلي. ولا يمكن للبحرين أن تمنح إيران امتيازات غير مستحقة؛ لأن ذلك يشكل انتهاكا لسيادة البلاد)".

لكن محللين استبعدوا أن تقدم طهران على مثل هذه الخطوة على اعتبار أنها تمثل "تدخلا في الشؤون الداخلية" للبحرين.

وقال الخزاعي إن "الحديث عن الأمور الداخلية لبلد ما في اجتماعات من هذا النوع مستبعد، ويعطي البلد المقابل ذات الحق في السؤال والاستيضاح عن حالات حقوق الإنسان".

واستطرد قائلا إنه "أمر غير وارد ولا يعدو كونه تسريبات إعلامية لتحريك مشاعر الشارع، خصوصا أن ملك البحرين أصدر عفوا خاصا بإطلاق سراح عدد كبير مؤخرا من المحكومين بقضايا إرهابية، في رسالة واضحة بأن الشأن الداخلي البحريني، سيحل داخليا ولا يحتاج لأي كان التوسط فيه".

"إيران بحاجة إلى أصدقاء"

وكان ملك البحرين أصدر عفوا عن مئات السجناء خلال شهر أبريل الماضي في أكبر عملية عفو جماعي تشهدها المملكة الخليجية، بمن فيهم معارضون أوقفوا على خلفية أحداث عام 2011.

بدوره، استبعد شاوردي أن تطلب إيران من البحرين مثل هذه الطلبات، مشيرا إلى أن بلاده "لم تتدخل في نظام الحكم ولم تطالب بالتغيير السياسي في البحرين".

لكنه يرى أن تحرك البحرين "للسماح بعودة الشيخ عيسى قاسم المقيم في قم، والإفراج عن عدد أكبر من السجناء، بما في ذلك الشيخ علي سلمان، سيقوي العلاقات الإيرانية البحرينية رسميا وشعبيا".

وأوضح أن ذلك "يساعد أيضا على مزيد من الهدوء والأمن والاستقرار في البحرين والتخلص من الخلافات التي حصلت بين النظام الحاكم والشارع".

أما الخزاعي، فيعتقد أنه من المهم بشكل عام عودة العلاقات بين البلدين في ظل عدم استقرار المنطقة ومقتل الرئيس الإيراني وقرب الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وقال إنه في "حال عودة الرئيس ترامب للبيت الأبيض، ستحتاج إيران لأصدقاء أكثر لضمان استقرار أوضاعها الاقتصادية وبالتالي السياسية".