الإضراب الذي استمر لأكثر من شهر هو أحد أطول احتجاجات المعارضة منذ قمعت البحرين احتجاجات عام 2011
الإضراب الذي استمر لأكثر من شهر هو أحد أطول احتجاجات المعارضة منذ قمعت البحرين احتجاجات عام 2011

علق سجناء بالبحرين بشكل "مؤقت ومشروط" إضرابهم عن الطعام الذي بدأ قبل 35 يوما، بعد تعهد السلطات بتنفيذ مطالبهم ومنحهم المزيد من الحقوق، بينما يوضح أقارب بعض السجناء ونشطاء لموقع "الحرة" بنود ذلك الاتفاق والسر وراء صدوره في ذلك التوقيت.

وفي حديثها لموقع "الحرة"، كشفت ليلى وهي شقيقة السجين السياسي البحريني، جاسم عبد الله، عن "تعليق السجناء المضربين عن الطعام لإضرابهم المستمر من 35 يوما وذلك بشكل مؤقت"، بعد وعود من الجهات المختصة بتنفيذ كافة مطالبهم في مدة أقصاها أسبوعين.

تعليق "مؤقت"

وبعد التشاور وافق السجناء على "تعليق الإضراب مؤقتا" إلى تاريخ 30 سبتمبر حتى تحقيق هذه الوعود، وفق شقيقة السجين السياسي.

وتوضح أن الوعود تتعلق بـ"حق كل نزيل بزيارة خاصة كل 100 يوم، وتكون الزيارة حتى الدرجة الرابعة".

ووعدت السلطات المختصة السجناء بـ"إخراج من في سجون العزل، وكذلك "تعديل تعريفة الاتصال وزيادة عدد الدقائق والأرقام الخاصة بذلك"، وفق حديثها.

وتتحدث عن تعهد السلطات المختصة بـ"زيادة عدد ساعات التشمس، وتعديل الوضع الصحي والنظر في الحالات الطارئة".

وفي سياق متصل، يؤكد مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية بلندن، سيد أحمد الوادعي، تعليق "مئات السجناء إضرابهم عن الطعام" بشكل مؤقت ومشروط حتى 30 سبتمبر الجاري.

ووافق السجناء على "تعليق الإضراب لإتاحة الفرصة لتطبيق التغييرات الموعودة، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

وتتضمن التغييرات الموعودة الحد من الحبس الانفرادي والتوسع في حقوق الزوار ومد ساعات تريض السجناء نهارا "التشمس"، وتحسين الرعاية الصحية في السجن.

وجاء "التعليق المؤقت" للإضراب عن الطعام بينما يعاني بعض السجناء من مشكلات صحية، ولمعرفة ما إذا كانت "التغييرات" التي وعدت حكومة البحرين بتنفيذها في "سجن جو" ستتحقق أم لا، وفق توضيح الوادعي.

وكشف الوادعي عن استئناف عبدالهادي الخواجة وهو ناشط حقوقي بحريني-دنماركي يبلغ 62 عاما ومسجونا منذ 12 عاما، الأربعاء، لـ"الإضراب عن الطعام"، بعدما رفضت إدارة السجن أخذه لموعد طبي بالمستشفى.

أجواء ما قبل "تعليق الإضراب"

وبدأ 800 على الأقل من السجناء، لاسيما في مركز الإصلاح والتأهيل المعروف باسم "سجن جو"، إضرابا عن الطعام منذ 7 أغسطس احتجاجا على ظروف الاعتقال، قبل "تعليقه بشكل مؤقت".

وحصل موقع "الحرة" على تسجيل صوتي لسجين بسجن "جو" يتحدث خلاله عن ملابسات الإضراب وكيفية تعامل سلطات السجن مع السجناء المضربين.

وفي التسجيل الصوتي، يقول السجين، الذي نتحفظ عن ذكره اسمه، إن "إدارة السجن تتعامل مع السجناء بمنطق الانتقام"، مطالبا بإنقاذهم من "الموت البطيء، الذي تمارسه عليهم إدارة السجن".

ويقول "نحن نقضي عقوبة، وفي نفس الوقت تتم معاقبتنا داخل السجن".

ويكشف عن قضاء السجناء معظم وقتهم "مستلقين على الفراش"، وعدم ذهابهم للتشمس بالباحة الرياضة، ويتم إخراجهم من محبسهم فقط للاتصال ثم العودة إلى "الزنازين" مرة أخرى.

ويضيف "إدارة السجن ليست لديها مشكلة من موت أحد السجناء خلال الإضراب، وسوف تنتقم منا، بطريقة أسوء من الوضع الحالي".

وعن حالته الصحية نتيجة الإضراب المستمر عن الطعام، يقول " أشعر بضعف في النظر، ولا أستطيع الرؤية في بعض الأوقات، وأصبح وزني ٦٢ كيلو غراما، بعدما كان ٧٥ كيلو غراما قبل الإضراب".

ويتحدث عن "غياب الرعاية صحية التي تقدمها إدارة السجن للمضربين"، مشيرا إلى "ارتفاع نسبة السكر لدى أحد السجناء، وبعدما تم أخذه للعيادة، رفضوا عرضه على الطبيب، إلا إذا قام بشرب عصير أو أخذ المغذي الوريدي".

وفي التسجيل الصوتي يتحدث عن "تولي رجال الشرطة مسؤولية معاينة الحالات الطارئة، وتصنيف الحالات التي تحتاج للعرض على الطبيب".

ويقول "الشرطة أصبحوا أطباء الآن أو عليك أن تنتظر ٥ ساعات".

وعن مطالب السجناء لوقف "الإضراب"، يشير السجين إلى ضرورة "إيقاف سياسة العزل الجائرة، التي يمارسها الضباط بدون قانون، ويستخدمونها بطريقة شخصية لعزل السجناء".

ويطالب بتوفير "الرعاية الصحية اللازمة"، لأن "الحالات الخاصة والحرجة لا علاج لها".

ويتهم الضباط بإلغاء مواعيد المتابعة والعمليات، مشيرا إلى أن هناك سجينا ينتظر الموعد منذ أكثر من سنه ويتم إلغاؤه بـ"حجج أمنية".

ويقول "كنا نبقى داخل الزنزانة لمدة ٢٣ ساعة، والآن بعد الإضراب، نظل داخلها لمدة ٢٢ ساعة يوميا".

ومن جانبه، يؤكد حسن عبدالنبي الستري، شقيق السجينين بسجن "جو" عبد الكريم وإبراهيم، لموقع "الحرة"، صحة الكثير من النقاط الواردة في التسجيل الصوتي.

ويوضح الستري، ولاجئ سياسي في أستراليا منذ 13 عاما، أن "إدارة السجن قامت منفردة بزيادة وقت الاستراحة والتشمس من ساعة إلى ساعة ونصف الساعة"، مع اختيار "وقت ذروة حرارة الشمس"، لإخراج السجناء من محبسهم.

وعندما يسقط بعض السجناء المضربين بسبب "التعب"، يتم نقلهم إلى الصالة العامة لعنبر السجن التي يطلق عليها "الكونتر"، وينتظرون لساعات حتى يصل إليهم رجل الشرطة لنقلهم إلى العيادة، وفقا لما ينقله عن أحد أشقائه خلال اتصال هاتفي منذ أسبوع.

ويقول "كان صوت شقيقي إبراهيم مرهقا للغاية، وشقيقي الآخر عبدالكريم سقط متعبا وتم نقله إلى صالة السجن".

وفي وقت الاتصال، سمعت أصوات أبواب تطرق، وعندما سألته عن "سبب تلك الأصوات، أخبرني بأن أحد السجناء سقط من التعب، ولذلك يضطر رفقاؤه لطرق أبواب الزنازين بالأكواب المعدنية لطلب رجال الشرطة الذين يتأخرون في الوصول لإسعاف المضربين"، وفقا لشهادته.

ويوضح أنه "في بعض الأحيان تكون حالة السجين خطيرة، ما يدفع السجناء لطرق الأبواب بشكل أكثر حدة وقوة ولمدة أطول".

ما رد الحكومة البحرينية؟

تواصل موقع "الحرة" مع مركز الاتصال الوطني بالبحرين، حيث قال مصدر حكومي مطلع على تطورات الوضع من الإدارة العامة للإصلاح والتأهيل إن "المضربين عن الطعام أنهوا إضرابهم".

وأشار المصدر إلى زيارة المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، مركز الإصلاح والتأهيل بـ"جو"، مساء الثلاثاء، للوقوف على تفاصيل إنهاء الإضراب.

وحسب ما جاء في رد مركز الاتصال الوطني فإن النزلاء المضربين عن الطعام في مركز الإصلاح والتأهيل في (جو) قرروا وقف الإضراب عن الطعام اعتبارا من 11 سبتمبر 2023 بعد أن تمت إعادة تنظيم ساعات الزيارة وزيادة ساعات التشمس وعدد الأرقام المسموح بها للاتصال".

وأكد مركز الاتصال الوطني بالبحرين أن خلال فترة الإضراب عمل مركز الإصلاح والتأهيل على ضمان جميع حقوق النزلاء، بما في ذلك استمرار المكالمات الهاتفية والاتصال المرئي، والزيارات العائلية وفترة الهواء الطلق اليومية "التشمس" والفحص الطبي الروتيني اليومي.

وتحدث المركز عن "رفض أغلبية المسجلين كمضربين عن الطعام إجراء الفحوصات الطبية"، مشيرا إلى أنه "لم تتطلب أي حالة صحية لنزيل منهم اللجوء للرعاية الطارئة نظرا للإضراب".

ويتم تقديم خدمات الرعاية الصحية عبر المستشفيات الحكومية وهي ملتزمة بأداء واجباتها في توفير الرعاية الصحية المتكاملة لكافة النزلاء على مدار الساعة وبأعلى مستويات الجودة والكفاءة بما يضمن الحفاظ على صحتهم وسلامتهم العامة، وفي جميع التخصصات الطبية انطلاقا من مسئولياتها في تقديم الرعاية الشاملة للجميع، بما يتوافق مع البروتوكولات والمعايير الصحية الدولية المعتمدة، حسبما ذكر مركز الاتصال الحكومي البحريني.

واشتملت الاستجابة السريعة للمركز الاضراب السابق على تقديم المشورة للسجناء بشأن المخاطر الصحية وتوفير عيادة مؤقتة إضافية مخصصة للنزلاء الذين أبلغوا عن إضرابهم عن الطعام مع توفير طاقم تمريض إضافي من قبل المستشفيات الحكومية، للإشراف على صحة جميع النزلاء، وتوفير دعم طبي إضافي على مدار الساعة، علماً بأنه تم توفير خدمات الرعاية الصحية ذاتها لجميع النزلاء داخل المركز، وفق مركز الاتصال الحكومي.

وقال المركز إن "الحكومة تتعامل بشكل جدّي مع أي مزاعم لسوء المعاملة"، مشيرا إلى أن "في حال وجود أي شكاوى يتم التعامل معها في إطار قانوني من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات الرقابية".

وحسب ما ذكره المركز فإن الحكومة تلتزم بـ"حماية حقوق الإنسان وضمان الامتثال للمعايير الدولية في جميع التعاملات مع النزلاء".

وأشار المركز إلى حسب قانون الإصلاح والتأهيل المعمول به في المركز فالعزل "إجراء محدود وليس سياسة".

ووفق مركز الاتصال الحكومي بالبحرين فيتم تفعيل العزل على نطاق محدود كما هو معمول به المنظومات الإصلاحية حول العالم في "ثلاث حالات".

وتتعلق تلك الحالات بـ"سبب طبي بطلب من الطبيب المختص، أو تنفيذا لجزاء تأديبي بحسب المدد المحددة في اللوائح المعمول بها في الاصلاح والتأهيل، أو بأمر صادر من السلطة القضائية المختصة في مرحلة التحقيق الابتدائي"، وفق المركز.

هل ينتهي الإضراب بشكل "دائم"؟

ويقول الوادعي "يؤسفني اضطرار السجناء السياسيين للإقدام على الإضراب القاسي المستمر الذي استمر لأكثر من شهر، بسبب مطالبهم بحقوقهم".

ولم يكن من المفترض أساسا "سجن غالبية هؤلاء السجناء السياسيين"، لأن الكثير منهم انتقد السلطة بـ"صورة سلمية" وتقدم بمطالب مشروعه، ورغم ذلك تم محاكمتهم بشكل "جائر وظالم" وصدرت ضدهم "أحكاما تعسفية"، وفق مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية بلندن.

وبدل من "إطلاق سراح السجناء السياسيين" بات الحديث عن "تحسين ظروف السجن القاسية، وتوفير العلاج لهم، ومعاملتهم بشكل إنساني"، وهو ما عمدت إليه السلطة بالبحرين، حسبما يؤكد.

وعمدت السلطة إلى "إيصال بعض السجناء لحافة الموت" حتى تتلخص مطالبهم في "تحسين ظروف احتجازهم"، على حد تعبيره.

ويستبعد الوادعي تنفيذ الحكومة البحرينية "التغييرات الموعودة" خلال الفترة المحددة، رابطا التعهدات الحكومية بـ"زيارة ولي العهد البحريني، الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، إلى واشنطن، هذا الأسبوع".

ويرى أن الحكومة لجأت لـ"التهدئة وإعطاء الوعود للسجناء" حتى لا يكون الملف الحقوقي على رأس المناقشات مع الجانب الأميركي.

وفي حال عدم تنفيذ كافة مطالبهم خلال أسبوعين "فسوف يستأنف السجناء الإضراب عن الطعام بصورة أكبر مما حدث سابقا"، وفقا لما ينقله مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية بلندن عن بعض هؤلاء السجناء.

وتتفق معه ليلى التي تقول "إذا لم يتم تنفيذ المطالب والوعود سيعود الإضراب من جديد وبإرادة أقوي".

أقارب معتقلي "جو" يكشفون للحرة ما يحدث خلف القضبان.. والبحرين ترد
يعيش السجناء السياسيون أوضاعا مأساوية داخل سجن في البحرين، ويتعرضون لـ"الانتهاك والتعذيب ومنع الأدوية، والحبس دون التشمس، ووضع قيود على ممارسة الشعائر الدينية"، ما دفعهم للإضراب عن الطعام، وفق أقارب للسجناء ونشطاء تحدث معهم موقع "الحرة".

وخلال فترة الإضراب، شهدت مناطق في البحرين "تحركات احتجاجية شبه يومية" دعما للسجناء، في مشاهد أعادت التذكير بالتظاهرات الواسعة التي شهدتها البلاد في العام 2011.

والإضراب الذي استمر لأكثر من شهر هو أحد أطول احتجاجات المعارضة منذ عقد، منذ أن قمعت البحرين بمساعدة السعودية والإمارات احتجاجات الربيع العربي عام 2011 فيها.

ملك البحرين زار طهران في عام 2002 للمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية (أرشيف)
ملك البحرين زار طهران في عام 2002 للمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية (أرشيف)

بعد الاتفاق السعودي بوساطة الصين، وبعده عودة التمثيل الدبلوماسي الكامل مع الإمارات، العام الماضي، ظلت البحرين الدولة الخليجية الوحيدة التي ليس لها علاقات رسمية مع إيران.

وقبل ذلك بعام، أعادت الكويت سفيرها إلى طهران بعد سحبه عام 2016 في أعقاب قرار السعودية قطع علاقاتها مع إيران خلال تلك الفترة.

والجمعة، قال محمد جمشيدي، الذي يشغل منصب نائب رئيس الشؤون السياسية لمدير مكتب الرئيس الإيراني في عهد الراحل، إبراهيم رئيسي، إن "البحرين طلبت عبر روسيا تطبيع العلاقة مع إيران".

وأضاف في تصريحات للتلفزيون الرسمي، أوردتها وكالة الأنباء الرسمية (إرنا)، أن "رئيسي قرر بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، إقامة العلاقات مع البحرين ورفع تقاريره بهذا الصدد إلى قائد الثورة".

وتعد البحرين، الأرخبيل الصغير في الخليج، حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة وتستضيف الأسطول الخامس للبحرية الأميركية.

"قناة تواصل مباشرة"

والشهر الماضي، نقلت وكالة أنباء البحرين الرسمية (بنا) عن العاهل البحريني، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، قوله خلال اجتماع مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الكرملين إنه لا يوجد سبب لتأجيل عودة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وإيران.

وأضاف الملك حمد أن المنامة تتطلع إلى تحسين علاقاتها مع طهران، التي لطالما اتهمتها البحرين بتأليب الأغلبية الشيعية من سكانها على النظام الملكي السني.

ويرى زميل أبحاث سياسة الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، حسن الحسن، أن البحرين ترغب "بمواكبة دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى التي تملك علاقات أو أعادت علاقاتها مع إيران".

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، قال الحسن إن السبب الآخر الذي تسعى من خلاله المنامة لإعادة علاقاتها مع طهران، يتمثل في إنشاء "قناة تواصل مباشرة" يمكن من خلالها "حل أي خلافات والحد من احتمال حدوث تصعيد غير مقصود".

وأضاف أن "القناة قد يكون لها فائدة في إدارة العلاقات وتجنب التصعيد في سياق احتدام التوتر الإقليمي المتزايد، والمواجهة بين إيران إسرائيل والتقدم في البرنامج النووي الإيراني".

وبعد نجاح الوساطة الصينية في كسر الجمود بين إيران والسعودية، تعد روسيا بعلاقاتها القوية مرشحة لتلعب الدور الصيني لإعادة العلاقات مع البحرين، حسبما قال المحلل السياسي الإيراني، سعيد شاوردي، في حديثه لموقع "الحرة".

ويرى شاوردي أن "البحرين لم تكن بحاجة إلى قطع العلاقات مع إيران عام 2016"، لافتا لعدم وجود مبرر لتلك الخطوة سوى التضامن مع السعودية.

في المقابل، يعتقد المستشار السياسي البحريني، أحمد الخزاعي، أن ملك البحرين "ما زال يسعى للصلح في مبادرة ذات نظرة استراتيجية من الممكن أن تجنب المنطقة والعالم حربا جديدة لا يحمد عقباها".

وقال إن هذه المبادرة تأتي رغم "محاولات إيران لقلب نظام الحكم بجانب تصريحات المسؤولين الإيرانيين المستمرة التي تهدد بضرب البحرين أو حتى استرجاعها".

تاريخ من العلاقات المتقلبة

لطالما كانت إيران تصر على أن البحرين جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأنها المحافظة الـ 14 لديها، حتى قبل الثورة الإسلامية التي جلبت رجال الدين الشيعة للحكم عام 1979.

وجرت مفاوضات قادها رئيس الوزراء البحريني السابق، الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، مع شاه إيران محمد رضا بهلوي في نهاية الستينيات أفضت إلى تنظيم استفتاء يحدد مستقبل الجزيرة الخليجية، وفقا لوكالة فرانس برس.

ونتج عن الاستفتاء الذي جرى عام 1970 بإشراف الأمم المتحدة، تصويت ساحق بأكثر من 96 بالمئة لصالح استقلال البحرين في ظل حكم سلالة آل خليفة السنية، بحسب فرانس برس. ونالت البحرين استقلالها عن بريطانيا عام 1971.

وعقب وصول مؤسس الثورة الإسلامية، روح الله الخميني، إلى السلطة في طهران، أعلنت البحرين في نهاية عام 1981 إحباط محاولة انقلاب مدعومة من إيران.

وبعد سنوات من الهدوء في المنامة، وعودة العلاقات الدبلوماسية مع طهران إلى مستوى السفراء عام 1991، عادت للبحرين اضطرابات قادها شيعة عام 1994 طالبوا بإعادة البرلمان المنتخب الذي حل عام 1975، وإلغاء قانون أمن الدولة الذي يعطي السلطات صلاحيات واسعة في الاعتقالات دون محاكمات.

وآنذاك، اتهمت البحرين إيران بشكل علني بدعم المظاهرات التي دعت إليها تيارات شيعية، وتدريب مسلحين لقلب نظام الحكم، مما أدى لتوتر شديد في العلاقات الدبلوماسية.

وفي عام 1996، قالت البحرين إنها أحبطت مؤامرة أخرى للإطاحة بالحكومة وتنصيب زعماء إسلاميين، وأنها استدعت سفيرها لدى طهران، وخفضت تمثيلها الدبلوماسي بالعاصمة الإيرانية إلى قائم بالأعمال.

لكن العلاقات تحسنت بعد تولي الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم عام 1999 وإجرائه إصلاحات سياسية واسعة حولت البحرين من إمارة إلى مملكة، بما في ذلك إعادة البرلمان المنتخب وإلغاء قانون أمن الدولة.

قبل ذلك، وصل إلى سدة الحكم في طهران رجل الدين الإصلاحي، محمد خاتمي، الذي كانت سياساته ترتكز على الانفتاح على دول الخليج.

وشهدت تلك الحقبة تبادلا للزيارات بين قادة البلدين بعدما زار ملك البحرين طهران للمرة الأولى منذ ثورة 1979، فيما زار الرئيس الإيراني الأسبق، خاتمي، البحرين عام 2003 بعد سنة من رحلة الملك حمد التي التقى خلالها المرشد الأعلى، علي خامنئي، صاحب القول الفصل في إيران.

ورغم الاختلافات بين البلدين، فإن العلاقات الدبلوماسية ظلت مستمرة على مستوى السفراء حتى عام 2011 عندما تصدت البحرين بالقوة لاحتجاجات اندلعت على هامش الربيع العربي طالب خلالها متظاهرون، كثير منهم ينتمي إلى الأغلبية الشيعية، بالتغيير السياسي الذي وصل أحيانا إلى إسقاط النظام الملكي، بحسب رويترز.

وألقت البحرين باللوم على إيران في تأجيج الاضطرابات، وهو اتهام نفته طهران، طبقا للوكالة ذاتها.

وفي 15 مارس 2011، استدعت البحرين سفيرها لدى طهران احتجاجا على الانتقادات الإيرانية بعد نشر قوات درع الجزيرة في المملكة. واتخذت إيران في اليوم التالي تدبيرا مماثلا من خلال استدعاء سفيرها لدى المنامة.

وبعد عام ونصف، استأنف السفير البحريني لدى إيران مهامه، لكن الخارجية الإيرانية أعلنت أن طهران لن تعيد سفيرها إلى البحرين في ظل ما وصفته بـ "استمرار قمع الاحتجاجات السلمية" للشعب البحريني.

واستمر التوتر بين البلدين في السنوات اللاحقة. ففي عام 2015، أعلنت البحرين أنها صادرت أسلحة قادمة من إيران "عن طريق البحر".

وآنذاك، قالت وزارة الداخلية البحرينية في بيان: "تم إحباط عملية تهريب عن طريق البحر لكمية من المواد المتفجرة شديدة الخطورة، بجانب عدد من الأسلحة الأوتوماتيكية والذخائر".

وإثر ذلك، أعلنت البحرين أنها قررت استدعاء سفيرها المعتمد في طهران للتشاور، احتجاجا على تصريحات "عدائية" صدرت عن عدد من المسؤولين الإيرانيين بحقها.

وبقيت العلاقات مقطوعة منذ يناير عام 2016 عندما أعلنت المنامة قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران والطلب من دبلوماسييها مغادرة البحرين خلال 48 ساعة وذلك بعد أقل من 24 ساعة على اتخاذ السعودية إجراء مماثلا.

وجاء قرار المنامة "بعد الاعتداءات الآثمة الجبانة" على السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران، معتبرة أنها "انتهاك صارخ لكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتجسد نمطا شديد الخطورة للسياسات الطائفية التي لا يمكن الصمت عليها أو القبول بها"، بحسب السلطات البحرينية.

"فرصة حقيقية"

وكان متظاهرون إيرانيون اقتحموا السفارة السعودية لدى إيران وقنصلية المملكة الخليجية بمدينة مشهد المقدسة لدى المسلمين الشيعة احتجاجا على إعدام الرياض لرجل الدين الشيعي، نمر النمر، الذي كان معارضا للنظام الملكي السعودي.

وبعد عودة العلاقات الإيرانية السعودية، رحبت البحرين بذلك وأعربت عن أملها في أن "يشكل خطوة إيجابية على طريق حل الخلافات وإنهاء النزاعات الإقليمية كافة بالحوار والطرق الدبلوماسية، وإقامة العلاقات الدولية على أسس من التفاهم والاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى".

وقال شاوردي إن البحرين "لم تكن بحاجة للوصول لهذه القطيعة" مع إيران، مشيرا إلى أن المنامة اتبعت الرياض في سياسة القطيعة.

وأضاف في تصريحات لموقع "الحرة" أنه من "المعروف أن السعودية عندما تقرر سياسة معينة تجاه إيران؛ فهناك دول من ضمنها الكويت والبحرين والإمارات تتبعها في مواقفها السياسية".

وتابع: "لم يبقَ ذريعة للدول الأخرى التي قطعت علاقاتها (مع إيران) لتبقى على هذه القطيعة، بما أن السعودية الدولة الأهم أعادت العلاقات".

ومضى شاوردي قائلا إن السياسة الإيرانية شهدت تغييرا خلال عهد الرئيس الراحل رئيسي "ركزت على بناء وتطوير العلاقات الخارجية مع دول الجوار".

وأشار المحلل السياسي الإيراني إلى أن "هناك فرصة حقيقية" لإعادة العلاقات، لا سيما بعد "المواقف الطيبة" من قبل الدول الخليجية التي عبرت عن حزنها ومواساتها عقب مقتل رئيسي في حادثة تحطم مروحيته مؤخرا.

وكان وزير الخارجية البحريني، عبداللطيف الزياني، زار طهران مؤخرا لتقديم العزاء في وفاة رئيسي "بتكليف من ملك البحرين"، حسبما ذكرت وكالة أنباء البحرين، التي أشارت إلى أن الزياني أعرب "عن تعاطف مملكة البحرين في هذا المصاب المؤلم".

ويذهب الحسن في الاتجاه نفسه قائلا إن هناك عوامل تساهم في تعزيز مسألة إعادة العلاقات الثنائية "أولها عودة العلاقات السعودية مع إيران وصمودها رغم الأحداث الإقليمية وازدياد حدة التوتر في المنطقة". 

والعامل الثاني، وفقا للحسن، هو "انخفاض نسبة التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية البحرينية بالمقارنة مع ما قبل 10 سنوات، بما في ذلك دعمها لمليشيات تستهدف أمن البحرين".

بالإضافة إلى ذلك، فإن "توجه البحرين نحو الإفراج عن عدد كبير من السجناء بتهم أمنية مختلفة أيضا يساهم في تهيئة الجو الداخلي لعودة العلاقات مع إيران"، حسبما قال الحسن.

علاقات "معقدة"

لكن الباحث السعودي في التيارات الشيعية، حسن المصطفى، يعتقد أن مسألة عودة العلاقات بين المنامة وطهران تظل "معقدة".

وفي عمود رأي في صحيفة "عرب نيوز" السعودية الناطقة باللغة الإنكليزية، كتب المصطفى أن "مجرد استعادة العلاقات (البحرينية الإيرانية) دون معالجة الأسباب الجذرية سيؤدي إلى ظهور القضايا مرة أخرى في المستقبل".

ويشير المصطفى إلى أن إيران تعد موطنا للعديد من شخصيات المعارضة البحرينية، تم إسقاط جنسيات بعضهم، مثل رجل الدين الشيعي البارز عيسى قاسم، الذي تم "الاعتراف به كأحد الشخصيات الرئيسية في ما يسمى بمحور المقاومة مؤخرا".

وتابع: "تستضيف إيران أيضا قيادات من جمعية الوفاق الإسلامية المنحلة، إلى جانب شخصيات تطالب بالتغيير العنيف في البحرين، مثل رجل الدين المتطرف مرتضى السندي، أحد رموز حزب الوفاء الإسلامي، الذي يروج علنا لاستخدام السلاح في خطاباته".

ومنذ عام 2017، تصنف واشنطن السندي على أنه من "الأفراد الإرهابين" العالميين بشكل خاص لارتباطه بتنظيم "سرايا الأشتر"، وهي منظمة نصنفها واشنطن "إرهابية" مدعومة من إيران تعمل على قلب الحكومة في البحرين.

وفي العمود المنشور، الأسبوع الماضي، نقل المصطفى عن "مصدر يراقب العلاقات البحرينية الإيرانية" قوله إن "إيران عنيدة في هذا الشأن"، مضيفا: "حاولت عُمان تسهيل حدوث انفراج في العلاقات بين المنامة وطهران، لكن طهران لم تغير مواقفها". 

وأضاف المصدر، بحسب ما كتب المصطفى، أن "إيران تريد من البحرين إطلاق سراح السجناء الشيعة والسماح للمعارضة بالعودة والعمل داخل البلاد، مقابل إعادة العلاقات بين البلدين".

ومضى في قوله: "بحسب المصدر، فإن إيران ترى أن (الحكومة البحرينية لن تقبل بهذا الموقف لأنها تعتبره تدخلا في شأن داخلي. ولا يمكن للبحرين أن تمنح إيران امتيازات غير مستحقة؛ لأن ذلك يشكل انتهاكا لسيادة البلاد)".

لكن محللين استبعدوا أن تقدم طهران على مثل هذه الخطوة على اعتبار أنها تمثل "تدخلا في الشؤون الداخلية" للبحرين.

وقال الخزاعي إن "الحديث عن الأمور الداخلية لبلد ما في اجتماعات من هذا النوع مستبعد، ويعطي البلد المقابل ذات الحق في السؤال والاستيضاح عن حالات حقوق الإنسان".

واستطرد قائلا إنه "أمر غير وارد ولا يعدو كونه تسريبات إعلامية لتحريك مشاعر الشارع، خصوصا أن ملك البحرين أصدر عفوا خاصا بإطلاق سراح عدد كبير مؤخرا من المحكومين بقضايا إرهابية، في رسالة واضحة بأن الشأن الداخلي البحريني، سيحل داخليا ولا يحتاج لأي كان التوسط فيه".

"إيران بحاجة إلى أصدقاء"

وكان ملك البحرين أصدر عفوا عن مئات السجناء خلال شهر أبريل الماضي في أكبر عملية عفو جماعي تشهدها المملكة الخليجية، بمن فيهم معارضون أوقفوا على خلفية أحداث عام 2011.

بدوره، استبعد شاوردي أن تطلب إيران من البحرين مثل هذه الطلبات، مشيرا إلى أن بلاده "لم تتدخل في نظام الحكم ولم تطالب بالتغيير السياسي في البحرين".

لكنه يرى أن تحرك البحرين "للسماح بعودة الشيخ عيسى قاسم المقيم في قم، والإفراج عن عدد أكبر من السجناء، بما في ذلك الشيخ علي سلمان، سيقوي العلاقات الإيرانية البحرينية رسميا وشعبيا".

وأوضح أن ذلك "يساعد أيضا على مزيد من الهدوء والأمن والاستقرار في البحرين والتخلص من الخلافات التي حصلت بين النظام الحاكم والشارع".

أما الخزاعي، فيعتقد أنه من المهم بشكل عام عودة العلاقات بين البلدين في ظل عدم استقرار المنطقة ومقتل الرئيس الإيراني وقرب الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وقال إنه في "حال عودة الرئيس ترامب للبيت الأبيض، ستحتاج إيران لأصدقاء أكثر لضمان استقرار أوضاعها الاقتصادية وبالتالي السياسية".