في العام 2020 طبعت البحرين علاقاتها مع إسرائيل- صورة أرشيفية.
في العام 2020 طبعت البحرين علاقاتها مع إسرائيل- صورة أرشيفية.

بين الإعلان ثم "التوضيح" البحريني و"النفي" الإسرائيلي، صدر عن المنامة "تأكيد" بمغادرة السفير الإسرائيلي للبحرين وعودة نظيره البحريني من إسرائيل، فماذا تعني "مغادرة السفراء"، وما توصيف القانون الدولي لتلك الخطوة؟

3 بيانات بحرينية

الخميس، قال مجلس النواب البحريني، في بيان له، إنه "يؤكد وقف العلاقات الاقتصادية البحرينية الإسرائيلية، ومغادرة السفير الإسرائيلي المنامة وعودة السفير البحريني من إسرائيل".

وفي البيان نفسه، قال المجلس إن "استمرار الحرب والعمليات العسكرية، والتصعيد الإسرائيلي المتواصل في ظل عدم احترام القانون الإنساني الدولي، يدفعان المجلس إلى المطالبة بالمزيد من القرارات والإجراءات التي تحفظ حياة وأرواح الأبرياء والمدنيين في غزة وكافة المناطق الفلسطينية".

وفي وقت لاحق الخميس، أوضح مركز الاتصال الوطني بالبحرين أن "السفير البحريني في إسرائيل قد عاد إلى المملكة منذ فترة".

وأشار المركز إلى أن "سفير إسرائيل لدى البحرين قد غادر المملكة أيضا منذ فترة"، مؤكدا أن "الطيران المباشر بين مطار البحرين الدولي ومطار تل أبيب قد توقف منذ عدة أسابيع"، لكنه لم يأتِ على ذكر مسألة قطع العلاقات الاقتصادية.

وبعد بيان مركز الاتصال الوطني، توجه مجلس النواب البحريني بـ"الشكر لموقف مملكة البحرين التاريخي الراسخ الذي لا حياد عنه، في دعم القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق، وما تم التأكيد عليه في البيان الصادر من الحكومة"، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء البحرينية.

وخصص البيان الثاني للبرلمان في إطار شكره للحكومة على تأكيد "عودة سفير مملكة البحرين في تل أبيب إلى المملكة، وكذلك مغادرة سفير إسرائيل من المملكة، بالإضافة إلى توقف الطيران المباشر بين مطار البحرين الدولي ومطار تل أبيب"، دون التطرق إلى وقف العلاقات الاقتصادية.

ولم تصدر وزارة الخارجية البحرينية، بيانا يؤكد أو ينفي ما أعلنه برلمان البحرين أو مركز الاتصال الوطني. 

أما إسرائيل، فقد قالت، في بيان لوزارة الخارجية، "نود توضيح أننا لم نتلق إخطارا أو قرارا من حكومة البحرين وحكومة إسرائيل بإعادة سفيري البلدين. العلاقات بين إسرائيل والبحرين مستقرة".

ماذا يقول القانون الدولي؟

وعن دلالة مصطلح "مغادرة"، يعتبر أستاذ القانون الدولي، أيمن سلامة، لموقع "الحرة"، أنه يقصد به "اعتبار الشخص غير مرغوب فيه"، ما يعني "تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي".

في المقابل، يعتبر أستاذ العلاقات الدولية، حامد فارس، أن مصطلح "مغادرة" يعني "سحب السفراء بقرار رسمي"، في نطاق "قطع العلاقات الدبلوماسية فقط وليس العلاقة بين الدولتين". 

وفي اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي جرى توقيعها عام 1961 بهدف تنظيم العلاقات بين الدول  ووضع أطر عريضة لعمل البعثات الدبلوماسية بين دول العالم، لم يذكر مصطلح "مغادرة" عند الحديث عن السفراء أو الدبلوماسيين

لكن مصطلح "شخص غير مرغوب به" يشير إلى أن الدولة المضيفة تلقي باللوم على دبلوماسي مقيم على أراضيها لسلوكه غير اللائق أو لارتكابه مخالفة في أثناء تمتعه بحصانة دبلوماسية.

ومع ذلك، لا يعني طرد السفير أو أحد الدبلوماسيين إنهاء العلاقات الدبلوماسية بين أي بلدين، حيث يصنف هذا الإجراء غالبا موقفا تصعيديا لتسجيل موقف معين من دولة تجاه أخرى.

ويحق للدولة المضيفة في أي وقت وتحت أي ظرف ودون تبرير الأسباب، أن تقوم بطرد رئيس البعثة الدبلوماسية لدولة أخرى على أراضيها أو أي عضو آخر في البعثة.

وتمنح الدولة المضيفة في الغالب فترة زمنية معينة لمغادرة الدبلوماسي غير المرغوب به أراضيها.

وغالبا ما يكون هذا الإجراء بطرد الدبلوماسي مرتبطا بمخالفات معينة قد يكون هذا المبعوث ارتكبها كالتجسس مثلا أو تدخله في الشؤون الداخلية للبلد أو استغلال حصانته لارتكاب مخالفات قانونية.

وتم توقيع اتفاقية فيينا عام 1961 بهدف تنظيم العلاقات بين الدول ووضع أطر عريضة لعمل البعثات الدبلوماسية بين دول العالم.

وتتألف الاتفاقية التي أبرمتها 191 دولة، من 53 مادة وتغطي معظم الجوانب الرئيسية للعلاقات الدبلوماسية الدائمة بين الدول، من فتح السفارات إلى تحديد الحصانة الدبلوماسية للعاملين فيها وغيرها من القضايا.

في المقابل، يؤكد المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، ليور حياة، أن السفير الإسرائيلي في المنامة ونظيره البحريني في إسرائيل "غير متواجدان جسديا".

وأضاف حياة، في تصريحات لموقع "الحرة"، أن "العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مستمرة، ولا يمكن الحديث عن سحب سفراء". 

وكذلك، تواصل موقع "الحرة" هاتفيا مع مركز الاتصال الوطني بالبحرين للرد على تلك النقاط وتوضيحها، لكنهم لم يستجب لطلبات التعليق.

ماذا يعني مصطلح "مغادرة"؟

تنص المادة التاسعة من اتفاقية فيينا، على أنه "للدولة المعتمد لديها في أي وقت وبدون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس أو أي عضو من طاقم بعثتها الدبلوماسي أصبح شخصا غير مقبول أو أن أي عضو من طاقم بعثتها أصبح غير مرغوب فيه، وعلى الدولة المعتمدة أن تستدعي الشخص المعني أو تنهي أعماله لدى البعثة وفقا للظروف".

وإذا رفضت الدولة الموفدة خلال مدة معقولة تنفيذ التزاماتها المذكورة فى الفقرة الأولى من هذه المادة أو إذا لم تنفذها، فللدولة المضيفة حسب الحالة أن تسحب الإجازة القنصلية من الشخص المعني أو أن تتوقف عن اعتباره موظفا من موظفي البعثة القنصلية، بحسب المادة نفسها.

وتشير الاتفاقية إلى مصطلح "المغادرة"،  بنص المادة  24  لكن تحت بند "إبلاغ الدولة المضيفة بالتعيين والوصول والمغادرة"، وهو أمر محصور بدولة الدبلوماسي التي عليها موجب إبلاغ الدولة المضيفة في حال حصولها.

وهنا لا بد من تبليغ وزارة خارجية الدولة المضيفة أو السلطة التى تعينها هذه الوزارة كل من الآتي: "تعيين موظفي البعثة القنصلية ووصولهم بعد تعيينهم إلى البعثة القنصلية ومغادرتهم النهائية وانتهاء وظائفهم وكذلك أي تعديل قد يحدث أثناء خدمتهم فى البعثة القنصلية ويتعلق بوضعهم".

وتشدد المادة في فقرتها الثانية على أن "الوصول والمغادرة النهائية يجب، كلما أمكن ذلك، أن يخضعا كذلك للتبليغ المسبق".

وتتحدث الاتفاقية نفسها عن انتهاء أو انهاء أعمال الدبلوماسي بطلب من الدولة المضيفة أو الموفدة بـ"شرط الإبلاغ".

لمن الصلاحية في القرارات الخارجية؟ 

وردا على سؤال حول صلاحية إصدار البيانات المرتبطة بالعلاقات الخارجية للدولة، يوضح سلامة، أن "إقامة أو خفض أو قطع العلاقات بين دولتين، أو تقليل التمثيل الدبلوماسي، قرار سيادي انفرادي للسلطة التنفيذية فقط".

و"تضطلع بتلك الإجراءات حصرا رئاسة الدولة أو وزارة الخارجية، ولا يجوز للبرلمان ممثل السلطة التشريعية اتخاذها أو إعلانها"، وفق سلامة.

والبرلمان يعبر عن "إرادة شعبية لكن غير رسمية"، ولا يجوز له اتخاذ قرارات عن السلطة التنفيذية، وإلا "تعدى وتخطى مبدأ الفصل بين السلطات"، حسبما يوضح أستاذ القانون الدولي.

في المقابل، قال البرلمان البحريني، الجمعة، في بيان توضيحي، "أما بخصوص ما صدر من تصريحات باسم مجلس النواب أمس الخميس، فهي تصريحات خاصة لمعالي رئيس مجلس النواب، تتفق واحكام المادة12 من اللائحة الداخلية للمجلس".

وأضاف: "البيانات العامة للمجلس، تكون باسم المجلس، ويتم اعتمادها من مجلس النواب، وتخويل هيئة مكتب المجلس لصياغتها واصدارها كما هو متعارف".

وكانت الخارجية الإسرائيلية قد شددت، الخميس، على أنها لم تتبلغ بأي قرار من جانب البحرين.

من جهته، قال سفير إسرائيل لدى البحرين، إيتان نائيه، لقناة "الحرة"، إن العلاقة بين البلدين "مستقرة".

وأضاف: "أعتقد أن هذا تقديم سيء للحقيقة (..) نحن في حالة حرب، ولا يوجد تغير في مستوى العلاقات، العلاقة مستقرة وهذا كل ما يجب أن نقوله".

لكن على جانب آخر، يؤكد فارس، أحقية الدول بـ"سحب السفراء أو مغادرتهم" دون إخطار الطرف الآخر، في حال صدور بيان رسمي من الدولة، صاحبة القرار. 

في العام 2020، طبعت البحرين علاقاتها مع إسرائيل بوساطة أميركية عبر "اتفاقات إبراهام" التي شملت أيضا الإمارات والمغرب والسودان.

وفي سبتمبر الماضي، اتفقت البحرين وإسرائيل على تعزيز علاقاتهما التجارية خلال زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، إيلي كوهين، إلى المنامة لافتتاح سفارة إسرائيل الجديدة.

وفي الأسابيع الأخيرة، شهدت البحرين، تظاهرات تندد بالقصف الإسرائيلي على غزة، ومطالبات بـ"طرد السفير الإسرائيلي من المنامة"، وأبرزها من النائبة زينب عبد الأمير، الذي حاول موقع "الحرة" التواصل معها لكن تعثر ذلك. 

وأسفر الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من أكتوبر عن مقتل أكثر من 1400 شخص في إسرائيل، معظمهم من المدنيين، وبينهم أطفال ونساء، بحسب السلطات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل بقصف مكثف على غزة، ما أدى إلى مقتل 9227 في القطاع، منذ السابع من أكتوبر، بينهم 3826 طفلا، 2405 امرأة، حسب آخر إحصائيات وزارة الصحة في القطاع التابعة لحماس، الجمعة.

ملك البحرين زار طهران في عام 2002 للمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية (أرشيف)
ملك البحرين زار طهران في عام 2002 للمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية (أرشيف)

بعد الاتفاق السعودي بوساطة الصين، وبعده عودة التمثيل الدبلوماسي الكامل مع الإمارات، العام الماضي، ظلت البحرين الدولة الخليجية الوحيدة التي ليس لها علاقات رسمية مع إيران.

وقبل ذلك بعام، أعادت الكويت سفيرها إلى طهران بعد سحبه عام 2016 في أعقاب قرار السعودية قطع علاقاتها مع إيران خلال تلك الفترة.

والجمعة، قال محمد جمشيدي، الذي يشغل منصب نائب رئيس الشؤون السياسية لمدير مكتب الرئيس الإيراني في عهد الراحل، إبراهيم رئيسي، إن "البحرين طلبت عبر روسيا تطبيع العلاقة مع إيران".

وأضاف في تصريحات للتلفزيون الرسمي، أوردتها وكالة الأنباء الرسمية (إرنا)، أن "رئيسي قرر بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، إقامة العلاقات مع البحرين ورفع تقاريره بهذا الصدد إلى قائد الثورة".

وتعد البحرين، الأرخبيل الصغير في الخليج، حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة وتستضيف الأسطول الخامس للبحرية الأميركية.

"قناة تواصل مباشرة"

والشهر الماضي، نقلت وكالة أنباء البحرين الرسمية (بنا) عن العاهل البحريني، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، قوله خلال اجتماع مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الكرملين إنه لا يوجد سبب لتأجيل عودة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة وإيران.

وأضاف الملك حمد أن المنامة تتطلع إلى تحسين علاقاتها مع طهران، التي لطالما اتهمتها البحرين بتأليب الأغلبية الشيعية من سكانها على النظام الملكي السني.

ويرى زميل أبحاث سياسة الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، حسن الحسن، أن البحرين ترغب "بمواكبة دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى التي تملك علاقات أو أعادت علاقاتها مع إيران".

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، قال الحسن إن السبب الآخر الذي تسعى من خلاله المنامة لإعادة علاقاتها مع طهران، يتمثل في إنشاء "قناة تواصل مباشرة" يمكن من خلالها "حل أي خلافات والحد من احتمال حدوث تصعيد غير مقصود".

وأضاف أن "القناة قد يكون لها فائدة في إدارة العلاقات وتجنب التصعيد في سياق احتدام التوتر الإقليمي المتزايد، والمواجهة بين إيران إسرائيل والتقدم في البرنامج النووي الإيراني".

وبعد نجاح الوساطة الصينية في كسر الجمود بين إيران والسعودية، تعد روسيا بعلاقاتها القوية مرشحة لتلعب الدور الصيني لإعادة العلاقات مع البحرين، حسبما قال المحلل السياسي الإيراني، سعيد شاوردي، في حديثه لموقع "الحرة".

ويرى شاوردي أن "البحرين لم تكن بحاجة إلى قطع العلاقات مع إيران عام 2016"، لافتا لعدم وجود مبرر لتلك الخطوة سوى التضامن مع السعودية.

في المقابل، يعتقد المستشار السياسي البحريني، أحمد الخزاعي، أن ملك البحرين "ما زال يسعى للصلح في مبادرة ذات نظرة استراتيجية من الممكن أن تجنب المنطقة والعالم حربا جديدة لا يحمد عقباها".

وقال إن هذه المبادرة تأتي رغم "محاولات إيران لقلب نظام الحكم بجانب تصريحات المسؤولين الإيرانيين المستمرة التي تهدد بضرب البحرين أو حتى استرجاعها".

تاريخ من العلاقات المتقلبة

لطالما كانت إيران تصر على أن البحرين جزء لا يتجزأ من أراضيها، وأنها المحافظة الـ 14 لديها، حتى قبل الثورة الإسلامية التي جلبت رجال الدين الشيعة للحكم عام 1979.

وجرت مفاوضات قادها رئيس الوزراء البحريني السابق، الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، مع شاه إيران محمد رضا بهلوي في نهاية الستينيات أفضت إلى تنظيم استفتاء يحدد مستقبل الجزيرة الخليجية، وفقا لوكالة فرانس برس.

ونتج عن الاستفتاء الذي جرى عام 1970 بإشراف الأمم المتحدة، تصويت ساحق بأكثر من 96 بالمئة لصالح استقلال البحرين في ظل حكم سلالة آل خليفة السنية، بحسب فرانس برس. ونالت البحرين استقلالها عن بريطانيا عام 1971.

وعقب وصول مؤسس الثورة الإسلامية، روح الله الخميني، إلى السلطة في طهران، أعلنت البحرين في نهاية عام 1981 إحباط محاولة انقلاب مدعومة من إيران.

وبعد سنوات من الهدوء في المنامة، وعودة العلاقات الدبلوماسية مع طهران إلى مستوى السفراء عام 1991، عادت للبحرين اضطرابات قادها شيعة عام 1994 طالبوا بإعادة البرلمان المنتخب الذي حل عام 1975، وإلغاء قانون أمن الدولة الذي يعطي السلطات صلاحيات واسعة في الاعتقالات دون محاكمات.

وآنذاك، اتهمت البحرين إيران بشكل علني بدعم المظاهرات التي دعت إليها تيارات شيعية، وتدريب مسلحين لقلب نظام الحكم، مما أدى لتوتر شديد في العلاقات الدبلوماسية.

وفي عام 1996، قالت البحرين إنها أحبطت مؤامرة أخرى للإطاحة بالحكومة وتنصيب زعماء إسلاميين، وأنها استدعت سفيرها لدى طهران، وخفضت تمثيلها الدبلوماسي بالعاصمة الإيرانية إلى قائم بالأعمال.

لكن العلاقات تحسنت بعد تولي الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم عام 1999 وإجرائه إصلاحات سياسية واسعة حولت البحرين من إمارة إلى مملكة، بما في ذلك إعادة البرلمان المنتخب وإلغاء قانون أمن الدولة.

قبل ذلك، وصل إلى سدة الحكم في طهران رجل الدين الإصلاحي، محمد خاتمي، الذي كانت سياساته ترتكز على الانفتاح على دول الخليج.

وشهدت تلك الحقبة تبادلا للزيارات بين قادة البلدين بعدما زار ملك البحرين طهران للمرة الأولى منذ ثورة 1979، فيما زار الرئيس الإيراني الأسبق، خاتمي، البحرين عام 2003 بعد سنة من رحلة الملك حمد التي التقى خلالها المرشد الأعلى، علي خامنئي، صاحب القول الفصل في إيران.

ورغم الاختلافات بين البلدين، فإن العلاقات الدبلوماسية ظلت مستمرة على مستوى السفراء حتى عام 2011 عندما تصدت البحرين بالقوة لاحتجاجات اندلعت على هامش الربيع العربي طالب خلالها متظاهرون، كثير منهم ينتمي إلى الأغلبية الشيعية، بالتغيير السياسي الذي وصل أحيانا إلى إسقاط النظام الملكي، بحسب رويترز.

وألقت البحرين باللوم على إيران في تأجيج الاضطرابات، وهو اتهام نفته طهران، طبقا للوكالة ذاتها.

وفي 15 مارس 2011، استدعت البحرين سفيرها لدى طهران احتجاجا على الانتقادات الإيرانية بعد نشر قوات درع الجزيرة في المملكة. واتخذت إيران في اليوم التالي تدبيرا مماثلا من خلال استدعاء سفيرها لدى المنامة.

وبعد عام ونصف، استأنف السفير البحريني لدى إيران مهامه، لكن الخارجية الإيرانية أعلنت أن طهران لن تعيد سفيرها إلى البحرين في ظل ما وصفته بـ "استمرار قمع الاحتجاجات السلمية" للشعب البحريني.

واستمر التوتر بين البلدين في السنوات اللاحقة. ففي عام 2015، أعلنت البحرين أنها صادرت أسلحة قادمة من إيران "عن طريق البحر".

وآنذاك، قالت وزارة الداخلية البحرينية في بيان: "تم إحباط عملية تهريب عن طريق البحر لكمية من المواد المتفجرة شديدة الخطورة، بجانب عدد من الأسلحة الأوتوماتيكية والذخائر".

وإثر ذلك، أعلنت البحرين أنها قررت استدعاء سفيرها المعتمد في طهران للتشاور، احتجاجا على تصريحات "عدائية" صدرت عن عدد من المسؤولين الإيرانيين بحقها.

وبقيت العلاقات مقطوعة منذ يناير عام 2016 عندما أعلنت المنامة قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران والطلب من دبلوماسييها مغادرة البحرين خلال 48 ساعة وذلك بعد أقل من 24 ساعة على اتخاذ السعودية إجراء مماثلا.

وجاء قرار المنامة "بعد الاعتداءات الآثمة الجبانة" على السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران، معتبرة أنها "انتهاك صارخ لكل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتجسد نمطا شديد الخطورة للسياسات الطائفية التي لا يمكن الصمت عليها أو القبول بها"، بحسب السلطات البحرينية.

"فرصة حقيقية"

وكان متظاهرون إيرانيون اقتحموا السفارة السعودية لدى إيران وقنصلية المملكة الخليجية بمدينة مشهد المقدسة لدى المسلمين الشيعة احتجاجا على إعدام الرياض لرجل الدين الشيعي، نمر النمر، الذي كان معارضا للنظام الملكي السعودي.

وبعد عودة العلاقات الإيرانية السعودية، رحبت البحرين بذلك وأعربت عن أملها في أن "يشكل خطوة إيجابية على طريق حل الخلافات وإنهاء النزاعات الإقليمية كافة بالحوار والطرق الدبلوماسية، وإقامة العلاقات الدولية على أسس من التفاهم والاحترام المتبادل وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى".

وقال شاوردي إن البحرين "لم تكن بحاجة للوصول لهذه القطيعة" مع إيران، مشيرا إلى أن المنامة اتبعت الرياض في سياسة القطيعة.

وأضاف في تصريحات لموقع "الحرة" أنه من "المعروف أن السعودية عندما تقرر سياسة معينة تجاه إيران؛ فهناك دول من ضمنها الكويت والبحرين والإمارات تتبعها في مواقفها السياسية".

وتابع: "لم يبقَ ذريعة للدول الأخرى التي قطعت علاقاتها (مع إيران) لتبقى على هذه القطيعة، بما أن السعودية الدولة الأهم أعادت العلاقات".

ومضى شاوردي قائلا إن السياسة الإيرانية شهدت تغييرا خلال عهد الرئيس الراحل رئيسي "ركزت على بناء وتطوير العلاقات الخارجية مع دول الجوار".

وأشار المحلل السياسي الإيراني إلى أن "هناك فرصة حقيقية" لإعادة العلاقات، لا سيما بعد "المواقف الطيبة" من قبل الدول الخليجية التي عبرت عن حزنها ومواساتها عقب مقتل رئيسي في حادثة تحطم مروحيته مؤخرا.

وكان وزير الخارجية البحريني، عبداللطيف الزياني، زار طهران مؤخرا لتقديم العزاء في وفاة رئيسي "بتكليف من ملك البحرين"، حسبما ذكرت وكالة أنباء البحرين، التي أشارت إلى أن الزياني أعرب "عن تعاطف مملكة البحرين في هذا المصاب المؤلم".

ويذهب الحسن في الاتجاه نفسه قائلا إن هناك عوامل تساهم في تعزيز مسألة إعادة العلاقات الثنائية "أولها عودة العلاقات السعودية مع إيران وصمودها رغم الأحداث الإقليمية وازدياد حدة التوتر في المنطقة". 

والعامل الثاني، وفقا للحسن، هو "انخفاض نسبة التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية البحرينية بالمقارنة مع ما قبل 10 سنوات، بما في ذلك دعمها لمليشيات تستهدف أمن البحرين".

بالإضافة إلى ذلك، فإن "توجه البحرين نحو الإفراج عن عدد كبير من السجناء بتهم أمنية مختلفة أيضا يساهم في تهيئة الجو الداخلي لعودة العلاقات مع إيران"، حسبما قال الحسن.

علاقات "معقدة"

لكن الباحث السعودي في التيارات الشيعية، حسن المصطفى، يعتقد أن مسألة عودة العلاقات بين المنامة وطهران تظل "معقدة".

وفي عمود رأي في صحيفة "عرب نيوز" السعودية الناطقة باللغة الإنكليزية، كتب المصطفى أن "مجرد استعادة العلاقات (البحرينية الإيرانية) دون معالجة الأسباب الجذرية سيؤدي إلى ظهور القضايا مرة أخرى في المستقبل".

ويشير المصطفى إلى أن إيران تعد موطنا للعديد من شخصيات المعارضة البحرينية، تم إسقاط جنسيات بعضهم، مثل رجل الدين الشيعي البارز عيسى قاسم، الذي تم "الاعتراف به كأحد الشخصيات الرئيسية في ما يسمى بمحور المقاومة مؤخرا".

وتابع: "تستضيف إيران أيضا قيادات من جمعية الوفاق الإسلامية المنحلة، إلى جانب شخصيات تطالب بالتغيير العنيف في البحرين، مثل رجل الدين المتطرف مرتضى السندي، أحد رموز حزب الوفاء الإسلامي، الذي يروج علنا لاستخدام السلاح في خطاباته".

ومنذ عام 2017، تصنف واشنطن السندي على أنه من "الأفراد الإرهابين" العالميين بشكل خاص لارتباطه بتنظيم "سرايا الأشتر"، وهي منظمة نصنفها واشنطن "إرهابية" مدعومة من إيران تعمل على قلب الحكومة في البحرين.

وفي العمود المنشور، الأسبوع الماضي، نقل المصطفى عن "مصدر يراقب العلاقات البحرينية الإيرانية" قوله إن "إيران عنيدة في هذا الشأن"، مضيفا: "حاولت عُمان تسهيل حدوث انفراج في العلاقات بين المنامة وطهران، لكن طهران لم تغير مواقفها". 

وأضاف المصدر، بحسب ما كتب المصطفى، أن "إيران تريد من البحرين إطلاق سراح السجناء الشيعة والسماح للمعارضة بالعودة والعمل داخل البلاد، مقابل إعادة العلاقات بين البلدين".

ومضى في قوله: "بحسب المصدر، فإن إيران ترى أن (الحكومة البحرينية لن تقبل بهذا الموقف لأنها تعتبره تدخلا في شأن داخلي. ولا يمكن للبحرين أن تمنح إيران امتيازات غير مستحقة؛ لأن ذلك يشكل انتهاكا لسيادة البلاد)".

لكن محللين استبعدوا أن تقدم طهران على مثل هذه الخطوة على اعتبار أنها تمثل "تدخلا في الشؤون الداخلية" للبحرين.

وقال الخزاعي إن "الحديث عن الأمور الداخلية لبلد ما في اجتماعات من هذا النوع مستبعد، ويعطي البلد المقابل ذات الحق في السؤال والاستيضاح عن حالات حقوق الإنسان".

واستطرد قائلا إنه "أمر غير وارد ولا يعدو كونه تسريبات إعلامية لتحريك مشاعر الشارع، خصوصا أن ملك البحرين أصدر عفوا خاصا بإطلاق سراح عدد كبير مؤخرا من المحكومين بقضايا إرهابية، في رسالة واضحة بأن الشأن الداخلي البحريني، سيحل داخليا ولا يحتاج لأي كان التوسط فيه".

"إيران بحاجة إلى أصدقاء"

وكان ملك البحرين أصدر عفوا عن مئات السجناء خلال شهر أبريل الماضي في أكبر عملية عفو جماعي تشهدها المملكة الخليجية، بمن فيهم معارضون أوقفوا على خلفية أحداث عام 2011.

بدوره، استبعد شاوردي أن تطلب إيران من البحرين مثل هذه الطلبات، مشيرا إلى أن بلاده "لم تتدخل في نظام الحكم ولم تطالب بالتغيير السياسي في البحرين".

لكنه يرى أن تحرك البحرين "للسماح بعودة الشيخ عيسى قاسم المقيم في قم، والإفراج عن عدد أكبر من السجناء، بما في ذلك الشيخ علي سلمان، سيقوي العلاقات الإيرانية البحرينية رسميا وشعبيا".

وأوضح أن ذلك "يساعد أيضا على مزيد من الهدوء والأمن والاستقرار في البحرين والتخلص من الخلافات التي حصلت بين النظام الحاكم والشارع".

أما الخزاعي، فيعتقد أنه من المهم بشكل عام عودة العلاقات بين البلدين في ظل عدم استقرار المنطقة ومقتل الرئيس الإيراني وقرب الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وقال إنه في "حال عودة الرئيس ترامب للبيت الأبيض، ستحتاج إيران لأصدقاء أكثر لضمان استقرار أوضاعها الاقتصادية وبالتالي السياسية".