احتجاج سابق للمطالبة بالإفراج عن سجناء في البحرين/أرشيفية

بين ترحيب ومطالبات بأن يشمل القرار باقي المعتقلين، أعقبت ردود واسعة أكبر عملية عفو جماعي بالبلاد منذ سنوات، بعد قرار العاهل البحريني العفو عن مئات السجناء، بينهم معتقلون سياسيون.

وجاءت خطوة العفو، مطلع الأسبوع الجاري، تزامنا مع اليوبيل الفضي لتولي العاهل حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد حكم المملكة الخليجية الصغيرة واحتفالات عيد الفطر، في قرار ثمنته فعاليات بحرينية مختلفة، موازاة مع تصاعد دعوات بأن يعقب القرار عفو شامل عن كافة المعتقلين على خلفية الاحتجاجات التي عرفتها البلاد عام 2011.

"نحو خطوات أكبر"

ورحبت جمعية "الوفاق"، إحدى مجموعتي المعارضة الرئيسيتين في البحرين، بالقرار، قائلة في بيان: "نتقدم بخالص التهنئة والتبريك إلى أبناء شعبنا الأعزاء، والصحيح والمأمول أن تكون هذه الخطوة تمهيدا للانفراج الأكبر".

ويرى علي الأسود، النائب البرلماني السابق عن "كتلة الوفاق"، أن القرار "خطوة إيجابية في الطريق الصحيح"، مضيفا أن "الشعب يتطلع إلى خطوات أكبر"، مشيرا إلى أن "الإيجابية ستقابل بإيجابية مثلها من أجل الوطن وأهله جميعا".

ويعتبر الأسود في تصريح لموقع "الحرة"، أن القرار أو المرسوم الخاص "يشكل أرضية هامة للتحول إلى بيئة سياسية جديدة تحتوي كافة المكونات السياسية والابتعاد عن الإقصاء والتهميش الحاصل الآن".

من جهتها، تقول المحللة السياسية البحرينية، عهدية أحمد، إن الإفراج عن هؤلاء السجناء يبقى "لفتة جميلة وخطوة أبوية من العاهل البحريني"، مضيفة أن من شأنها أن تفتح صفحة جديدة، وتعطي فرصة لهؤلاء الشباب من أجل أن يعودوا إلى المجتمع للمساهمة بشكل إيجابي في بناء البلاد".

وذكرت وكالة الأنباء البحرينية، أن قرار العفو "يأتي انطلاقا من حرص جلالته على تماسك وصلابة المجتمع البحريني والعمل على حماية نسيجه الاجتماعي"، لافتة إلى أن العفو يشمل "عددا من المحكومين في قضايا الشغب والقضايا الجنائية".

وأضافت أحمد في تصريح لموقع "الحرة"، أن الملك الأب لدية الإرادة والمحبة من أجل أن يسامح ويمنح فرصة أخرى أمر إيجابي جدا، مضيفة أنها "تتمنى من إخوانها المفرج عنهم أن يعودوا لبناء الوطن والولاء للوطن والأرض، وهذا ما لا نشك فيه".

"الانفراجة الأكبر"

وشمل العفو الملكي الأخير مئات الناشطين والسياسيين المعارضين، الذين أوقفتهم السلطات البحرينية، وحاكمتهم وأصدرت بحقّهم عقوبات قاسية، لمشاركتهم في المظاهرات التي شهدتها أصغر دولة في الشرق الأوسط، عام 2011، والتي رفعوا خلالها شعارات مطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي.

وفي أعقاب الحركة الاحتجاجية الواسعة التي اندلعت تزامنا مع رياح "الربيع الديمقراطي"، حلّت البحرين جماعات المعارضة الرئيسية وحاكمت مئات الأشخاص وجردت كثيرين من جنسيتهم في محاكمات جماعية، وأدت إلى فرار عدد من النشطاء إلى الخارج.

وبينما عبرت جمعية "الوفاق"، عن تقديرها للخطوة الأخيرة، أنها أضافت  أن "الصحيح والمأمول أن تكون تمهيدا للانفراج الأكبر على مستوى الحقوق الدينية والإنسانية والسياسية".

ودعت إلى أن "تُستكمل أفراح البحرين بالإفراج عن بقية السجناء وعودة المبعدين والعمل على الحل السياسي الشامل".

وفي أعقاب القرار، نظمت عائلات بعض السجناء المعتقلين على خلفية مظاهرات 2011،  والذين لم يشملهم قرار العفو الأخير، اعتصامات في أعقاب العفو الملكي، للمطالبة بالإفراج عن جميع السجناء، أمام بعض مراكز الشرطة، حسب ما وثقت فيديوهات تداولتها على منصة "إكس" حقوقيون ومعارضون بحرينيون.

وقال الأسود، إن الحالة الحقوقية والإنسانية هي أساس للعمل السليم، نحن في الوفاق نسعى للإصلاح السياسي وربما طريق المصالحة الوطنية هو الأصلح للوصول إلى توافقات وإنهاء حالة الاحتقان الداخلي.

من جانبه، قال رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان، باقر درويش، إن الإفراج عن مجموعة كبيرة من المعتقلين "خطوة صحيحة يستلزمها إطلاق سراح البقية من السجناء السياسيين ونيل الجميع للحرية الكاملة وجبر الضرر وتحقيق إصلاح سياسي وحقوقي شامل بالاستناد على مصالحة وطنية تقود لعدالة انتقالية وتوافق دستوري".

وأضاف درويش في منشور على منصة "إكس"، شعب البحرين "ثابت على مطالبه، ورغم ما مر به من محنة ومعاناة فإنه سيقدم السلام على الصراعات إن كان ذلك يحقق الحل الذي ناضل لأجله كل هذه السنوات. شعب صبور ثابت يستحق نيل حقوقه المشروعة كاملة".

"الأكبر منذ سنوات"

وأوضحت السلطات البحرينية، أن العفو الأخير هو الأكبر من نوعه منذ سنوات. وقال مسؤول بوزراة الداخلية، إن 65 بالمئة من المفرج عنهم، لا يزالون محكومين في "قضايا الشغب".

ولا تعترف السلطات البحرينية بوجود معتقلين سياسيين أو سجناء رأي، بل إن المسجونين، ارتكبوا "أعمال شغب" أو "أعمالا إرهابية".

وبحسب المسؤول البحريني، فقد بلغت نسبة من شملهم العفو أكثر من 50 بالمئة من الذين يقضون عقوبات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، كما شمل العفو صغار السن، والنساء، والمرضى، ومرتكبي قضايا الشغب، ومرتكبي القضايا الجنائية، والمحكومين بمدد طويلة تصل إلى المؤبد ، فيما أسقط العفو الغرامات المالية المرتبطة على النزلاء المطلق سراحهم، وفقا للمصدر ذاته.

في هذا السياق، يقول الكاتب البحريني، جعفر سلمان، إن قرار العفو عن بعض المحكومين من السجناء "لم يكن مفاجئا لأننا معتادون على مثل هذه القرارات في بعض الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية، غير أن الجديد هذا العام كان "العدد الكبير من المفرج عنهم"، وأيضا شمول القرار للمئات من المحكومين على خلفية أحداث العام 2011.

وأضاف سلمان في تصريح لموقع "الحرة"، أن العفو الصادر شمل مئات المعارضين وبعضهم من الأسماء الثقيلة في الشارع المعارض البحريني، مضيفا أن البحرينيين "استقبلوا القرار بنوع من الفرحة وأطلقوا عليه عبارة العيد الثاني"، لتزامنه مع عيد الفطر.

ويشير المتحدث ذاته، إلى أن هناك "ذكاءً في توقيت وعدد الأشخاص المشمولين بالعفو" مضيفا أن "السلطات البحرينية وضعت الكرة في ملعب المعارضة".

ويوضح سلمان أن ردود الفعل من المعارضة، تباينت بين الممتازة من بعض الأطراف التي شكرت الملك ورحبت بالخطوة، والأصوات الأخرى التي "تشكك في العفو وتحاول بطريقة أو بأخرى من خلال السعي لوضع العفو في غير موضعه" لإيجاد أسباب ومبررات غير موضوعية لتبريره.

ورحبت جمعية "التجديد"، وهي منظمة شيعية تدعو لإعادة التفكير والنقاش في مسائل الدين وقبضت السلطات على بعض من أعضائها بتهمة إهانة المقدسات الدينية، بقرار العفو، معتبرة أنه "مبادرة تفتح أبواب الأمل على آفاق حقيقية لمريدي استئناف الحياة بكرامة وحرية وأمن وسلام".

من جهته، قال رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان، في منشور آخر، إن "المكان الطبيعي للمعتقلين السياسيين هو خارج أسوار السجن في حين أنهم قضوا سنوات طويلة من الاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة".

وأضاف درويش، أن هؤلاء المعتقلين اعتقلوا "بسبب مطالبتهم بحقوق عادلة ومشروعة ومنها الحقوق السياسية والحريات الدينية وحرية التعبير عن الرأي وحقوق المواطنة وغيرها".

"علامات وإشارات" 

من جانبه، يرى حسن المصطفى، كاتب وباحث سعودي مهتم بالشأن البحريني، أن من تابع خطاب ملك البحرين  بمناسبة "اليوبيل الفضي" لتوليه المُلك، سيجد "علامات وإشارات مهمة"، تقود إلى فهم خطوة العفو الملكي الذي صدر قبل أيام.

وأضاف المصطفى في تصريح لموقع "الحرة"، أن هذه الخطوة ليس الهدف منها إطلاق سراح مجموعة من المساجين على خلفية أحداث العام 2011 وما تلاها من مشكلاتٍ متراكمة، وإنما أيضا "إرسال رسائل تعزز نية بيت الحكم على ترسيخ أجواء إيجابية بعيدة عن الاستقطابات السياسية والطائفية، أجواء تكون مواتية للتنمية والإصلاح والتطوير ورفع كفاءة الدولة وأيضا رفع مستوى دخل المواطنين في البحرين".

ويؤكد المتحدث ذاته، على أن العفو "ليس له أبعاد سياسية وحسب، بل مجتمعية في ترسيخ هوية وطنية تتعالى على التقسيمات الطائفية، وأيضا محاصرة أصوات التشدد، سواء تلك الموالية أو المعارضة".

ويشدد المصطفى، أن العفو الملكي أيضاً جاء نتيجة إرادة داخلية صرفة، وهو قرار لا دخل للعوامل الخارجية أو الضغوط في إنتاجه، كما تروج بعض أطراف المعارضة.

ويتابع أن الخطوة الملكية في العفو، "يجب أن يلتف حولها ويؤيدها المعتدلون والشخصيات الوطنية، لأن من شأنها أن تمهد الطريق لخطوات أكبر مستقبلا، مشيرا إلى أن الأمر "يعود لطبيعة تعاطي تيارات المعارضة معها".

ويضيف المحلل السعودي، أن على هذه التيارات أن "تخرج من التفكير السلبي، وأن تؤمن أن تجاوز المرحلة السابقة لا يمكن أن يتم دون أن تغير من خطابها، وتطور من آليات تفكيرها، وتؤمن أن الحل عبر التواصل الإيجابي وحفظ كيان الدولة والعمل عبر المؤسسات الرسمية والأهلية وتحت سقف القانون".

استمرار سجن القيادات 

ولا يزال 690 من المعارضين البحرينيين، بالإضافة إلى نشطاء، ومدوّنين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، محتجزين على خلفية مشاركتهم في مظاهرات 2011، ونشاطات سياسية حديثة، بحسب معطيات قدمها علي الأسود. 

وبين أغسطس وسبتمبر الماضي، خاض أكثر من 800 سجين في سجن جو، مركز الاحتجاز الأكبر في البلاد، إضرابا عن الطعام، احتجاجا على الظروف المزرية وحرمانهم من الرعاية الصحية من قبل السلطات البحرينية، وفقا لهيومن رايتس ووتش.

كما لا يزال 10 من قادة المعارضة البارزين وراء القضبان، بسبب أدوارهم في احتجاجات 2011. ومن بين هؤلاء رئيس "حركة حق" المعارضة غير المرخصة، حسن مشيمع، والقيادي المعارض، عبد الوهاب حسين، والحقوقي، عبد الهادي الخواجة، والمتحدث باسم حركة حق، عبد الجليل السنكيس.

وبحسب "هيومن رايتس ووتش"، يقضي الأربعة جميعهم عقوبة بالسجن مدى الحياة "بعد محاكمات جائرة بشكل واضح. ولا يزال الخواجة والسنكيس محرومَين من الرعاية الصحية الملائمة".

في هذا الجانب، يقول الأسود، إن القرار الأخير لم يشمل الإفراج عن القيادات السياسية، ومن بينها أمين عام الوفاق، علي سلمان، الذي اعتقل على خلفية تهم ساقتها السلطة القضائية على إثر الخلاف القطري الخليجي والذي انتهى بمصالحة خليجية".

وأضاف، "لا نعتبر أن القضية انتهت بهذه الإفراجات"، مضيفا "نسعى جاهدين للتوصل إلى حل سياسي شامل مع السلطة عبر الحوار الوطني وهو ما يستلزم الإفراج الغير مشروط عن جميع المعتقلين السياسيين".

وفي المقابل، تقول عهدية أحمد، إن الخطوة الأخيرة ستسهم بشكل كبير في "تهدئة أقارب وعائلات المفرج عنهم"، وهو ما سينعكس بشكل عام على المناخ السياسي بالبلاد.

وترفض أحمد، مطالبات الإفراج عن "المتورطين في بعض القضايا خطيرة مثل الإرهاب والتخريب والتأجيج الطائفي"، مؤكدة أنه "يجب النظر أيضا في حقوق الآخرين وما سيعقب خروج هؤلاء من السجن".

وتحذر المحللة البحرينية، من أن "هؤلاء سيعودون لأجندة خيانة الوطن والتآمر مع دول خارجية لزعزعة الأمن الداخلي وغيرها"، وبالتالي "لا نريد من زعماء المعارضة الذين ثبتت في حقهم جرائم إرهاب وزعزعة الأمن والتآمر، غير أن يقضوا مددهم السجنية التي أصدرها القضاء وبعدها بإمكانهم العودة إلى المجتمع".

وتضيف المتحدثة، أن "هناك فرقا كبيرا بين الشباب المغرر بهم والذين يمكن إعادة تأهيلهم لخدمة بلدهم، وبين من تعمد جرجرتهم وضمهم إلى منظمات إرهابية ومشبوهة، والذين يتحملون كل المسؤولية فيما آل إليه الوضع".

 القمة العربية تعقد في ظل الحرب الدائرة في قطاع غزة
القمة العربية تعقد في ظل الحرب الدائرة في قطاع غزة

انطلقت في العاصمة البحرينية المنامة، الخميس، أعمال القمة العربية الثالثة والثلاثين، في خضم مشهد معقد في المنطقة تخيّم عليه الحرب الدائرة في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس  منذ أكثر من سبعة أشهر.

ودعا ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة خلال افتتاح القمة إلى "مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط".

وقال آل خليفة بعد تسلمه رئاسة القمة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان "تتقدم مملكة البحرين بعدد من المبادرات للإسهام في خدمة القضايا الجوهرية لاستقرار المنطقة وتنميتها، وأولها الدعوة إلى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، إلى جانب دعم الاعتراف الكامل بدولة فلسطين وقبول عضويتها في الأمم المتحدة".

وتزينت الشوارع الرئيسية في البحرين بأعلام الدول العربية وصور القادة العرب تحت شعار "البحرين بيت العرب"، وسط انتشار أمني كثيف في شوارع العاصمة تمهيداً لوصول الوفود.

وستتناول القمة مواضيع أخرى إضافة إلى القضية الرئيسية، من الأزمة في السودان، وليبيا واليمن، وسوريا التي سيكون رئيسها بشار الأسد أبرز الحاضرين في هذه القمة، خصوصا في البحرين التي كانت من أشد المقاطعين لنظامه.