عدد سكان البحرين ارتفع بنسبة 25 بالمئة منذ عام 2010
عدد سكان البحرين ارتفع بأكثر من 25 بالمئة منذ عام 2010 (أرشيفية)

عادت "قضية التجنيس" في البحرين إلى دائرة الضوء مجددا بعد إعلان وزارة الداخلية، هذا الأسبوع، تشكيل لجنة لمراجعة الحاصلين على الجنسية منذ عام 2010، بناء على "وجود أشخاص حصلوا على الجنسية بالمخالفة للقانون أو من خلال تقديم معلومات وبيانات غير صحيحة أو مستندات مزورة".

ولا يوجد بيانات تفصيلية تُصدرها السلطات في المملكة الخليجية حول أعداد الأشخاص الذين يتم منحهم الجنسية سواء منذ عام 2010، أو قبل ذلك التاريخ.

غير أن بيانات وتصريحات رسمية تشير إلى أن عدد البحرينيين بلغ 719.333 ألف نسمة في عام 2023، ما يعني أن نسبة المواطنين في هذا البلد الخليجي ارتفعت بمعدل 26.5 بالمئة منذ عام 2010 حينما كان عددهم 568.424 ألفا، وفقا لحسابات موقع "الحرة".

وجاء في البيان الذي أوردته وكالة أنباء البحرين، الثلاثاء، أن وزير الداخلية شكل لجنة لمراجعة جميع حالات اكتساب الجنسية البحرينية اعتبارا من عام 2010 للتأكد من صحة البيانات والمستندات التي تم على أساسها نيل الجنسية البحرينية لاتخاذ ما يلزم بهذا الشأن.

وبحسب البيان، فإن تشكيل اللجنة يأتي بناء على ما أسفرت عنه نتائج التحريات والمراجعات التي قامت بها شؤون الجنسية والجوازات والإقامة للحاصلين على الجنسية البحرينية والتي تبين من خلالها وجود أشخاص حصلوا على الجنسية البحرينية بالمخالفة للقانون أو من خلال تقديم معلومات وبيانات غير صحيحة أو مستندات مزورة.

ولاقى بيان وزير الداخلية البحريني ترحيبا كبيرا في البحرين من جميع مكونات المجتمع. ويقول عضو مجلس النواب، خالد بوعنق، في منشور عبر منصة "إكس" إنها "خطوة موفقة ولاقت ارتياحا شعبيا كبيرا".

وأضاف أن "الموضوع أصبح له تداعيات خطيرة حاضرة ومستقبلية... ونتمنى أن تبادر جميع الدول الخليجية بمثل هذه الخطوة المباركة".

في المقابل، أصدرت جمعية الوفاق الإسلامية الشيعية المعارضة بيانا قالت فيه إن "غالبية المجنسين خلال العقدين الماضيين مُنحوا الجنسية بمخالفة القانون ولدوافع تغيير التركيبة السكانية والطائفية"، مجددة مزاعم  سابقة طرحتها خلال وجودها داخل قبة البرلمان.

ولطالما كانت "قضية التجنيس" من القضايا المثيرة للجدل في البحرين، حيث توجه انتقادات مستمرة من المعارضين إلى الحكومة، كما ينظر إليها البعض باعتبارها "سياسات تستهدف الأغلبية الشيعية في البلاد من خلال تجنيس المزيد من المسلمين السنة لضبط التوازن الطائفي"، وهو الأمر الذي تنفيه السلطات.

"تحذيرات سابقة"

البرلماني السابق عن كتلة الوفاق، علي الأسود، يقول إن "جميعة الوفاق لطالما حذرت السلطات في أكثر من مناسبة من أخطار التجنيس وتأثيره على المستويين الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، حيث طرحت مشروعا لقانون التجنيس قبل سنوات ولم توافق عليه السلطات".

وفي اتصال هاتفي مع "الحرة" من لندن، يضيف الأسود: "في مجتمع صغير نسبيا مثل البحرين، قامت السلطات بتجنيس نحو 120 ألفا، وهذا الرقم كبير للغاية، حيث تبع ذلك ارتفاعات قياسية في أعداد المواليد السنوية لتصل إلى 25 ألفا من متوسط كان لا يتجاوز 15 ألفا سنويا".

وفي عام 2010، كان "حديث الملك حمد بن عيسى آل خليفة، يتمحور حول أن عملية التجنيس في البلاد ستكون في أضيق الحدود"، وفق الأسود، والذي يقول إن "أحداث 2011، دفعت السلطات إلى زيادة وتيرة التجنيس، حيث أصبح المجنسون يشكلون نسبة 15 بالمئة من إجمالي المواطنين".

وشهدت البحرين في فبراير عام 2011 احتجاجات شعبية مستوحاة من "ثورات الربيع العربي" التي عرفتها بعض دول الشرق الأوسط آنذاك، إذ طالب بحرينيون شيعة بالتغيير السياسي الذي وصل أحيانا إلى مطالبات بإسقاط النظام الملكي السني، بحسب رويترز.

ويزعم الأسود خلال حديثه بوجود "ممارسات غير قانونية قام بها المجنسون تحت ما يسمى (لم الشمل) خلال السنوات القليلة الماضية، والتي تضمنت تزوير أوراق نسب لأبناء عمومتهم باعتبارهم أبناءهم، وذلك في سبيل منحهم الجنسية البحرينية"، على حد تعبيره.

ويقول إن "السلطات بدأت تنتبه لهذا الإجراء غير القانوني من خلال تحليل الحمض النووي (DNA) لأقارب المجنسين، خصوصا أقارب الآسيويين العاملين في السلك العسكري".

وخلال الأشهر القليلة الماضية، تحدثت وسائل إعلام بحرينية عن قضايا تُنظر أمام المحاكم "تتعلق بتزوير مستندات لمنح الجنسية لأبناء وهميين"، من بينها ما تقول صحيفة "الأيام" البحرينية في تقرير نشر مارس الماضي، إن "محكمة الاستئناف العليا قضت بحبس متهم بحريني وزوجته العربية 3 سنوات، بعد إدانتهما بمحاولة كسب ابنهما الوهمي الجنسية البحرينية، وقيام الزوجة بتزوير شهادة الميلاد في دولة عربية ومن ثم إصدار بطاقة شخصية وشهادة ميلاد من مملكة البحرين، خلافا للحقيقة".

من جانبه، يُكرر الكاتب البحريني، جعفر سلمان، ما جاء في البيان الحكومي، بأن "اكتشاف حالات لبعض الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية البحرينية من خلال تقديم معلومات غير صحيحة، يُعد السبب الرئيسي الذي يقف وراء ذلك".

ويقول سلمان لموقع "الحرة" إن "هذه الخطوة لا تأتي في إطار دوافع سياسية. وحسب رأيي جاءت في إطار ما تنتهجه حكومة البحرين من أسلوب إدارة حديث، حيث لا يوجد قرار أبدي وغير قابل للتغيير".

ويضيف: "كل القرارات بعد فترة من الزمن يُعاد النظر فيها، لدراسة مدى جدواها وما إذا كانت ناجحة أم لا. هذا هو أسلوب الإدارة الحديث".

ويؤكد سلمان أنه "لا يوجد إحصاءات رسمية معُلنة لأعداد الحاصلين على الجنسية البحرينية منذ ذلك التاريخ. وتعمل السلطات على التحقق من خلال بحث كافة الحالات في سبيل الكشف عن عمليات التزوير أو قيام البعض بإجراءات تخالف القانون".

لماذا الآن؟

ينص قانون "الجنسية البحرينية لسنة 1963 وتعديلاته" على أنه يمكن لملك البلاد منح أي أجنبي الجنسية إذا طلبها وتوفرت فيه الشروط وهي: أن يكون تكون إقامته في البلاد بطريقة مشروعة لمدة 25 سنة متتالية على الأقل أو 15 سنة متتالية على الأقل إن كان عربيا، وأن يكون حسن الأخلاق، وأن يعرف اللغة العربية معرفة كافية، وأن يكون لديه عقار مسجل باسمه.

كما ينص القانون البحريني على أنه يمكن بأمر الملك منح الجنسية، ويمكن بالأمر ذاته منحها إلى أي شخص عربي يطلبها إذا أدى للبحرين "خدمات جليلة".

ويعتبر البرلماني البحريني السابق أن "توقيت الخطوة يأتي على خلفية الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية التي تسببت فيها عمليات التجنيس خلال السنوات القليلة الماضية، حيث إن الانتقادات لم تتوقف على المعارضة الشيعية، بل أيضا على السنة الموالين للنظام والذين تأثروا بالتجنيس".

ويقول إن "التجنيس لم يؤثر على البحرين وحدها، بل على مختلف البلدان الخليجية، فالأمر لا يتوقف فقط على تغيير التركيبة السكانية، بل جاءت الآثار على الاقتصاد المتردي، الذي يعاني من ديون مرتفعة للغاية مع انخفاض الإيرادات".

ويضيف الأسود أن "البحرين تعتمد بشكل أساسي على مساعدات الدول الخليجية الأخرى، وتعرضت لانتقادات واضحة من السعودية فيما يتعلق بالتجنيس".

وفي مطلع عام 2018، زار وزير الداخلية السعودية، الأمير عبدالعزيز بن نايف، البحرين لمناقشة "منافسة عدد ممن يحملون جوازات بحرينية لأصحاب الأعمال بالسعودية". وآنذاك، أمر وزير الداخلية البحريني، الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، بـ "سرعة التحري حول هذا الأمر بالتعاون مع وزارة الداخلية السعودية للوقوف على حقيقة الوضع واتخاذ ما يلزم لتصحيح ذلك".

وجاء ذلك بعد حملة شعبية سعودية على موقع تويتر (إكس حاليا) طالبوا فيها السلطات البحرينية بإيقاف تجنيس رجال أعمال يمنيين مقيمين بالرياض، مما يمنحهم فرصة لمنافسة السعوديين والاستفادة من مزايا مجلس التعاون التي تساوي بين مواطني دولها الست في المعاملة.

ولم تتوقف تداعيات التجنيس على الاقتصاد في البحرين، بحسب عضو جميعة الوفاق، والذي يشير إلى أن بلاده "شهدت خلال السنوات القليلة الماضية ارتفاعا في بعض الجرائم مثل الاغتصاب، وهو الأمر الذي لم يكن متعارفا عليه لدى المجتمع البحريني"، على حد قوله.

في المقابل، يعتبر سلمان أن "هناك عدة احتمالات وراء التوقيت، من بينها تزايد القلق من اكتشاف الحالات غير القانونية أو ارتباطها بما يجري في دولة الكويت، باعتبار أن السياسات الخليجية دائما ما تكون موحدة، حيث إن ما يجري في البحرين يؤثر على عُمان وما يجري في عُمان يؤثر على السعودية".

ويضيف خلال حديثه: "ما يجري في الكويت من إعادة النظر في الجنسيات ربما يكون هذا لهذا تأثيرا وانعكاسا على القرار الذي اتخذته السلطات في البحرين".

ومنذ مارس الماضي، شرعت السلطات الكويتية في حملة سحب جنسيات وذلك لأسباب مختلفة، يأتي في مقدمتها "التزوير". فيما تفيد وسائل إعلام كويتية بأن وزارة الداخلية تلقت مئات البلاغات التي تتعلق بتزوير الجنسية منذ ذلك التاريخ.

التركيبة الديمغرافية

بحسب البيانات الحكومية فإن 99.8 بالمئة من المواطنين البحرينيين هم مسلمون، والنسبة المتبقية (0.2 بالمئة) تمثل الأقليات الدينية الأخرى، بما في ذلك المسيحيين واليهود والهندوس والبهائيين.

وتشير تقارير إعلامية غربية ووكالات أنباء مثل فرانس برس ورويترز، إلى أن المسلمين الشيعة يشكلون النسبة الأكبر من إجمالي السكان بما يفوق 60 بالمئة، وهو الأمر الذي دفع الحكومة إلى إطلاق عمليات تجنيس واسعة لمسلمين سنة خلال السنوات القليلة الماضية "من بينهم مواطنون من سوريا واليمن والأردن ومصر والسودان"، بحسب الأسود.

وتنفي الحكومة البحرينية في أكثر من مناسبة أنها سعت إلى تغيير التركيبة السكانية من أجل ضبط التوازن الطائفي.

ويؤكد هذا سلمان قائلا إن "الحديث عن أن الهدف من التجنيس تغيير التركيبة السكانية وديمغرافية البحرين غير صحيح، وهذه السردية تنتهجها المعارضة دون أي سند".

ويضيف: "إذا كان التجنيس يؤثر على الديمغرافية بالبحرين، فماذا عن التجنيس الذي جرى في التسعينيات واستهدف المهاجرين من إيران، حيث قامت الحكومة بتجنيس عشرات الآلاف تقريبا من أبناء وأحفاد المهاجرين الإيرانيين، وهم كلهم شيعة بالطبع".

ويتابع سلمان: "بالتالي إذا كان هدف الحكومة تغيير الديمغرافية وتغليب مذهب على آخر لما كانت أقدمت على مثل هذه الخطوة في التسعينيات مع هذا العدد الكبير من الشيعة".

في المقابل، يقول الأسود إن "الإيرانيين الذين حصلوا على الجنسية البحرينية لم يكونوا من الشيعة كما يعتقد البعض، بل من السنة الذي يعرفون بـ(الهُولة)".

ومع ذلك، فإن هذه العملية كانت قانونية لم تؤثر على التركيبة السكانية في البلاد، بحسب الأسود، والذي يعتبر أن "هناك مبالغة أيضا في الحديث عن تجنيس الشيعة بالبحرين"، ويتهم السلطات وفق حديثه "برفض منح أوراق ثبوتية لمواطنين بزعم أنهم من الشيعة".

أين تتجه الأمور؟

ويرفض محللون الحديث عن تقديرات بشأن ما ستؤول إليه الأمور "من عمليات سحب الجنسية المتوقعة للمخالفين للقانون" خلال الفترة المقبلة، لكنهم يعتبرون أنها ستطال "كثيرين"، بحسب الأسود، والذي يقول إنه "رغم قانونية منح الجنسية، فإن وزير الداخلية منذ أعوام يقوم باستثناءات كبيرة لمنح الأجانب الجنسية".

ويطالب عضو جمعية الوفاق المعارضة التي حلتها الحكومة من "السلطات بوضع قانون جديد فيما يتعلق بمنح الجنسية للأجانب، مع الحد من ذلك بشكل كبير في المستقبل من الاستثناءات التي لم تعد مقبولة في المجتمع البحريني".

وفيما يتعلق بسحب الجنسية، ينص "قانون الجنسية البحرينية" على أنه بأمر الملك يمكن سحب الجنسية في حالتين فقط؛ إذا حصل عليها بطريق الغش أو بناء على أقوال كاذبة أو إخفاء معلومات جوهرية، وإذا أدين في البحرين خلال 10 سنوات من تجنسه بجريمة تمس شرفه أو أمانته، وتسحب الجنسية البحرينية في هذه الحالة من الشخص المدان وحده.

بدوره، يرى سلمان أن "قانون الجنسية ربما لم يؤثر على التركيبة السكانية بشكل واضح، بقدر ما أضاف أعداد كبيرة من السكان إلى بلد صغير".

ويضيف: "البحرين بلد مساحته صغيرة وإمكاناتها صغيرة ووجود عدد كبير من المجنسين، يؤثر على الخدمات التي تقدمها الدولة".

ويقول: "من الجيد إجراء مراجعات لمثل هذه قرارات. فلا أحد يعرف الأعداد التي تجنست منذ 2010، ولا الأعداد التي يمكن أن تخسر الجنسية حاليا، لهذا سننتظر ما ستؤول إليه التحقيقات".

احتجاج سابق للمطالبة بالإفراج عن سجناء في البحرين/أرشيفية

بين ترحيب ومطالبات بأن يشمل القرار باقي المعتقلين، أعقبت ردود واسعة أكبر عملية عفو جماعي بالبلاد منذ سنوات، بعد قرار العاهل البحريني العفو عن مئات السجناء، بينهم معتقلون سياسيون.

وجاءت خطوة العفو، مطلع الأسبوع الجاري، تزامنا مع اليوبيل الفضي لتولي العاهل حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد حكم المملكة الخليجية الصغيرة واحتفالات عيد الفطر، في قرار ثمنته فعاليات بحرينية مختلفة، موازاة مع تصاعد دعوات بأن يعقب القرار عفو شامل عن كافة المعتقلين على خلفية الاحتجاجات التي عرفتها البلاد عام 2011.

"نحو خطوات أكبر"

ورحبت جمعية "الوفاق"، إحدى مجموعتي المعارضة الرئيسيتين في البحرين، بالقرار، قائلة في بيان: "نتقدم بخالص التهنئة والتبريك إلى أبناء شعبنا الأعزاء، والصحيح والمأمول أن تكون هذه الخطوة تمهيدا للانفراج الأكبر".

ويرى علي الأسود، النائب البرلماني السابق عن "كتلة الوفاق"، أن القرار "خطوة إيجابية في الطريق الصحيح"، مضيفا أن "الشعب يتطلع إلى خطوات أكبر"، مشيرا إلى أن "الإيجابية ستقابل بإيجابية مثلها من أجل الوطن وأهله جميعا".

ويعتبر الأسود في تصريح لموقع "الحرة"، أن القرار أو المرسوم الخاص "يشكل أرضية هامة للتحول إلى بيئة سياسية جديدة تحتوي كافة المكونات السياسية والابتعاد عن الإقصاء والتهميش الحاصل الآن".

من جهتها، تقول المحللة السياسية البحرينية، عهدية أحمد، إن الإفراج عن هؤلاء السجناء يبقى "لفتة جميلة وخطوة أبوية من العاهل البحريني"، مضيفة أن من شأنها أن تفتح صفحة جديدة، وتعطي فرصة لهؤلاء الشباب من أجل أن يعودوا إلى المجتمع للمساهمة بشكل إيجابي في بناء البلاد".

وذكرت وكالة الأنباء البحرينية، أن قرار العفو "يأتي انطلاقا من حرص جلالته على تماسك وصلابة المجتمع البحريني والعمل على حماية نسيجه الاجتماعي"، لافتة إلى أن العفو يشمل "عددا من المحكومين في قضايا الشغب والقضايا الجنائية".

وأضافت أحمد في تصريح لموقع "الحرة"، أن الملك الأب لدية الإرادة والمحبة من أجل أن يسامح ويمنح فرصة أخرى أمر إيجابي جدا، مضيفة أنها "تتمنى من إخوانها المفرج عنهم أن يعودوا لبناء الوطن والولاء للوطن والأرض، وهذا ما لا نشك فيه".

"الانفراجة الأكبر"

وشمل العفو الملكي الأخير مئات الناشطين والسياسيين المعارضين، الذين أوقفتهم السلطات البحرينية، وحاكمتهم وأصدرت بحقّهم عقوبات قاسية، لمشاركتهم في المظاهرات التي شهدتها أصغر دولة في الشرق الأوسط، عام 2011، والتي رفعوا خلالها شعارات مطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي.

وفي أعقاب الحركة الاحتجاجية الواسعة التي اندلعت تزامنا مع رياح "الربيع الديمقراطي"، حلّت البحرين جماعات المعارضة الرئيسية وحاكمت مئات الأشخاص وجردت كثيرين من جنسيتهم في محاكمات جماعية، وأدت إلى فرار عدد من النشطاء إلى الخارج.

وبينما عبرت جمعية "الوفاق"، عن تقديرها للخطوة الأخيرة، أنها أضافت  أن "الصحيح والمأمول أن تكون تمهيدا للانفراج الأكبر على مستوى الحقوق الدينية والإنسانية والسياسية".

ودعت إلى أن "تُستكمل أفراح البحرين بالإفراج عن بقية السجناء وعودة المبعدين والعمل على الحل السياسي الشامل".

وفي أعقاب القرار، نظمت عائلات بعض السجناء المعتقلين على خلفية مظاهرات 2011،  والذين لم يشملهم قرار العفو الأخير، اعتصامات في أعقاب العفو الملكي، للمطالبة بالإفراج عن جميع السجناء، أمام بعض مراكز الشرطة، حسب ما وثقت فيديوهات تداولتها على منصة "إكس" حقوقيون ومعارضون بحرينيون.

وقال الأسود، إن الحالة الحقوقية والإنسانية هي أساس للعمل السليم، نحن في الوفاق نسعى للإصلاح السياسي وربما طريق المصالحة الوطنية هو الأصلح للوصول إلى توافقات وإنهاء حالة الاحتقان الداخلي.

من جانبه، قال رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان، باقر درويش، إن الإفراج عن مجموعة كبيرة من المعتقلين "خطوة صحيحة يستلزمها إطلاق سراح البقية من السجناء السياسيين ونيل الجميع للحرية الكاملة وجبر الضرر وتحقيق إصلاح سياسي وحقوقي شامل بالاستناد على مصالحة وطنية تقود لعدالة انتقالية وتوافق دستوري".

وأضاف درويش في منشور على منصة "إكس"، شعب البحرين "ثابت على مطالبه، ورغم ما مر به من محنة ومعاناة فإنه سيقدم السلام على الصراعات إن كان ذلك يحقق الحل الذي ناضل لأجله كل هذه السنوات. شعب صبور ثابت يستحق نيل حقوقه المشروعة كاملة".

"الأكبر منذ سنوات"

وأوضحت السلطات البحرينية، أن العفو الأخير هو الأكبر من نوعه منذ سنوات. وقال مسؤول بوزراة الداخلية، إن 65 بالمئة من المفرج عنهم، لا يزالون محكومين في "قضايا الشغب".

ولا تعترف السلطات البحرينية بوجود معتقلين سياسيين أو سجناء رأي، بل إن المسجونين، ارتكبوا "أعمال شغب" أو "أعمالا إرهابية".

وبحسب المسؤول البحريني، فقد بلغت نسبة من شملهم العفو أكثر من 50 بالمئة من الذين يقضون عقوبات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، كما شمل العفو صغار السن، والنساء، والمرضى، ومرتكبي قضايا الشغب، ومرتكبي القضايا الجنائية، والمحكومين بمدد طويلة تصل إلى المؤبد ، فيما أسقط العفو الغرامات المالية المرتبطة على النزلاء المطلق سراحهم، وفقا للمصدر ذاته.

في هذا السياق، يقول الكاتب البحريني، جعفر سلمان، إن قرار العفو عن بعض المحكومين من السجناء "لم يكن مفاجئا لأننا معتادون على مثل هذه القرارات في بعض الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية، غير أن الجديد هذا العام كان "العدد الكبير من المفرج عنهم"، وأيضا شمول القرار للمئات من المحكومين على خلفية أحداث العام 2011.

وأضاف سلمان في تصريح لموقع "الحرة"، أن العفو الصادر شمل مئات المعارضين وبعضهم من الأسماء الثقيلة في الشارع المعارض البحريني، مضيفا أن البحرينيين "استقبلوا القرار بنوع من الفرحة وأطلقوا عليه عبارة العيد الثاني"، لتزامنه مع عيد الفطر.

ويشير المتحدث ذاته، إلى أن هناك "ذكاءً في توقيت وعدد الأشخاص المشمولين بالعفو" مضيفا أن "السلطات البحرينية وضعت الكرة في ملعب المعارضة".

ويوضح سلمان أن ردود الفعل من المعارضة، تباينت بين الممتازة من بعض الأطراف التي شكرت الملك ورحبت بالخطوة، والأصوات الأخرى التي "تشكك في العفو وتحاول بطريقة أو بأخرى من خلال السعي لوضع العفو في غير موضعه" لإيجاد أسباب ومبررات غير موضوعية لتبريره.

ورحبت جمعية "التجديد"، وهي منظمة شيعية تدعو لإعادة التفكير والنقاش في مسائل الدين وقبضت السلطات على بعض من أعضائها بتهمة إهانة المقدسات الدينية، بقرار العفو، معتبرة أنه "مبادرة تفتح أبواب الأمل على آفاق حقيقية لمريدي استئناف الحياة بكرامة وحرية وأمن وسلام".

من جهته، قال رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان، في منشور آخر، إن "المكان الطبيعي للمعتقلين السياسيين هو خارج أسوار السجن في حين أنهم قضوا سنوات طويلة من الاحتجاز التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة".

وأضاف درويش، أن هؤلاء المعتقلين اعتقلوا "بسبب مطالبتهم بحقوق عادلة ومشروعة ومنها الحقوق السياسية والحريات الدينية وحرية التعبير عن الرأي وحقوق المواطنة وغيرها".

"علامات وإشارات" 

من جانبه، يرى حسن المصطفى، كاتب وباحث سعودي مهتم بالشأن البحريني، أن من تابع خطاب ملك البحرين  بمناسبة "اليوبيل الفضي" لتوليه المُلك، سيجد "علامات وإشارات مهمة"، تقود إلى فهم خطوة العفو الملكي الذي صدر قبل أيام.

وأضاف المصطفى في تصريح لموقع "الحرة"، أن هذه الخطوة ليس الهدف منها إطلاق سراح مجموعة من المساجين على خلفية أحداث العام 2011 وما تلاها من مشكلاتٍ متراكمة، وإنما أيضا "إرسال رسائل تعزز نية بيت الحكم على ترسيخ أجواء إيجابية بعيدة عن الاستقطابات السياسية والطائفية، أجواء تكون مواتية للتنمية والإصلاح والتطوير ورفع كفاءة الدولة وأيضا رفع مستوى دخل المواطنين في البحرين".

ويؤكد المتحدث ذاته، على أن العفو "ليس له أبعاد سياسية وحسب، بل مجتمعية في ترسيخ هوية وطنية تتعالى على التقسيمات الطائفية، وأيضا محاصرة أصوات التشدد، سواء تلك الموالية أو المعارضة".

ويشدد المصطفى، أن العفو الملكي أيضاً جاء نتيجة إرادة داخلية صرفة، وهو قرار لا دخل للعوامل الخارجية أو الضغوط في إنتاجه، كما تروج بعض أطراف المعارضة.

ويتابع أن الخطوة الملكية في العفو، "يجب أن يلتف حولها ويؤيدها المعتدلون والشخصيات الوطنية، لأن من شأنها أن تمهد الطريق لخطوات أكبر مستقبلا، مشيرا إلى أن الأمر "يعود لطبيعة تعاطي تيارات المعارضة معها".

ويضيف المحلل السعودي، أن على هذه التيارات أن "تخرج من التفكير السلبي، وأن تؤمن أن تجاوز المرحلة السابقة لا يمكن أن يتم دون أن تغير من خطابها، وتطور من آليات تفكيرها، وتؤمن أن الحل عبر التواصل الإيجابي وحفظ كيان الدولة والعمل عبر المؤسسات الرسمية والأهلية وتحت سقف القانون".

استمرار سجن القيادات 

ولا يزال 690 من المعارضين البحرينيين، بالإضافة إلى نشطاء، ومدوّنين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، محتجزين على خلفية مشاركتهم في مظاهرات 2011، ونشاطات سياسية حديثة، بحسب معطيات قدمها علي الأسود. 

وبين أغسطس وسبتمبر الماضي، خاض أكثر من 800 سجين في سجن جو، مركز الاحتجاز الأكبر في البلاد، إضرابا عن الطعام، احتجاجا على الظروف المزرية وحرمانهم من الرعاية الصحية من قبل السلطات البحرينية، وفقا لهيومن رايتس ووتش.

كما لا يزال 10 من قادة المعارضة البارزين وراء القضبان، بسبب أدوارهم في احتجاجات 2011. ومن بين هؤلاء رئيس "حركة حق" المعارضة غير المرخصة، حسن مشيمع، والقيادي المعارض، عبد الوهاب حسين، والحقوقي، عبد الهادي الخواجة، والمتحدث باسم حركة حق، عبد الجليل السنكيس.

وبحسب "هيومن رايتس ووتش"، يقضي الأربعة جميعهم عقوبة بالسجن مدى الحياة "بعد محاكمات جائرة بشكل واضح. ولا يزال الخواجة والسنكيس محرومَين من الرعاية الصحية الملائمة".

في هذا الجانب، يقول الأسود، إن القرار الأخير لم يشمل الإفراج عن القيادات السياسية، ومن بينها أمين عام الوفاق، علي سلمان، الذي اعتقل على خلفية تهم ساقتها السلطة القضائية على إثر الخلاف القطري الخليجي والذي انتهى بمصالحة خليجية".

وأضاف، "لا نعتبر أن القضية انتهت بهذه الإفراجات"، مضيفا "نسعى جاهدين للتوصل إلى حل سياسي شامل مع السلطة عبر الحوار الوطني وهو ما يستلزم الإفراج الغير مشروط عن جميع المعتقلين السياسيين".

وفي المقابل، تقول عهدية أحمد، إن الخطوة الأخيرة ستسهم بشكل كبير في "تهدئة أقارب وعائلات المفرج عنهم"، وهو ما سينعكس بشكل عام على المناخ السياسي بالبلاد.

وترفض أحمد، مطالبات الإفراج عن "المتورطين في بعض القضايا خطيرة مثل الإرهاب والتخريب والتأجيج الطائفي"، مؤكدة أنه "يجب النظر أيضا في حقوق الآخرين وما سيعقب خروج هؤلاء من السجن".

وتحذر المحللة البحرينية، من أن "هؤلاء سيعودون لأجندة خيانة الوطن والتآمر مع دول خارجية لزعزعة الأمن الداخلي وغيرها"، وبالتالي "لا نريد من زعماء المعارضة الذين ثبتت في حقهم جرائم إرهاب وزعزعة الأمن والتآمر، غير أن يقضوا مددهم السجنية التي أصدرها القضاء وبعدها بإمكانهم العودة إلى المجتمع".

وتضيف المتحدثة، أن "هناك فرقا كبيرا بين الشباب المغرر بهم والذين يمكن إعادة تأهيلهم لخدمة بلدهم، وبين من تعمد جرجرتهم وضمهم إلى منظمات إرهابية ومشبوهة، والذين يتحملون كل المسؤولية فيما آل إليه الوضع".