على وقع استمرار مؤشرات الاقتصاد العالمي بالتراجع بسبب تأثيرات فيروس كورونا المستجد، دخلت الأسواق المالية في حالة من الهلع بسبب حرب جديدة بأسعار النفط، والتي تسببت بخسائر في البورصات العالمية، ما أحدث إرباكا تسبب في وقف التداولات في بعضها.
ورغم أن كورونا المستجد لم يصنف وباء حتى الآن، فإنه استطاع تغيير توقعات المؤسسات المالية للنمو الاقتصادي لعام 2020، بسبب المخاوف من تأثيرات الفيروس الاقتصادية، حيث تراجع الطلب العالمي بالاستهلاك وانخفض الإنتاج الصناعي، خاصة في الصين التي أغلقت عدد من المدن.
وتأثر حتى الآن بشكل كبير قطاعات النقل الجوي والبحري والسياحة، أكانت ترفيهية أم دينية، وألغيت غالبية فعاليات ومؤتمرات ومعارض كبرى، خوفا من انتشار العدوى التي وصلت لـ 100 دولة حتى الأن.
صندوق النقد الدولي حذر من أن فيروس كورونا المستجد يعرض انتعاش الاقتصاد العالمي للخطر، وبينما كان يتوقع أن يحقق النمو العالمي 3.3 في المئة، مقارنة بـ 2.9 بالمئة العام الماضي.
وتحاول البنوك المركزية حول العالم خفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو، فيما يرى اقتصاديون أنها لن تساعد في تشجيع إنفاق المستهلكين والشركات كما لا يمكن إعادة فتح المصانع بسبب الحجر الصحي أو نقص العمال والمواد الخام.
وتجاوز عدد الإصابات بالفيروس الذي لم يستطع العلماء حتى الآن تطوير لقاح له، أكثر من 110 آلاف، وتجاوز عدد الوفيات 3800 شخص، حيث تؤوي الصين وهي بؤرة المرض أكثر من 80 ألف إصابة، فيما سجلت إيطاليا نحو 7400 إصابة.
ولكن أيضا فإن ما يحصل مع أكثر من 110 آلاف شخص لا يعني أن المستثمرين والمتحكمين بأسواق المال سيكونون في منأى عن الأزمة، التي تعدت أبعادها الجانب الصحي، وفق تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس.
وتسبب الفيروس الجديد في اضطرابات اقتصادية كبيرة، أثرت على حركة الطيران العالمي، وتسببت في تباطؤ الطلب على النفط.
النفط وأسواق الأسهم
أسواق الأسهم خاصة الأميركية كانت قد عانت من أسوأ خسائرها خلال حرب الخليج في 1991، وانتابت التداولات موجة من الهلع وتسببت بتراجع المؤشر العام لبورصة نيويورك بأكثر من 7 في المئة.
التراجع جاء بعد انخفاض حاد بأسعار النفط خاصة بعدما أغرقت السعودية السوق وتسبب بتراجع الأسعار في خطوة تصعيدية ضد روسيا، التي ترفض الالتزام باتفاق أوبك بخفض الإنتاج للمحافظة على استقرار الأسعار.
وفشل اجتماع أوبك مع روسيا الأسبوع الماضي في التوافق على خفض الإنتاج، وردا على ذلك، حذرت السعودية من أنها ستزيد إنتاجها وتخفض أسعارها لاستعادة حصتها في السوق.
ما حصل منذ نهاية الأسبوع الماضي تسبب بتراجع الأسواق العالمية لليوم الثاني، وتراجعت مؤشرات الأسهم في بريطانيا وألمانيا بنحو 7 في المئة، وخسر المؤشر العام في اليابان 5 في المئة، و7 في المئة في أستراليا، وسوق شنغهاي الصينية انخفضت 3 في المئة، فيما منيت الأسواق العربية بانخفاضات متفاوتة كانت أبرزها في السعودية حيث تراجع المؤشر العام بأكثر من 9 في المئة عند الافتتاح.
وفي تفاصيل ما حصل بافتتاح السوق الأميركية، أوقفت بورصة نيويورك التعاملات المالية الاثنين بعد خسائر حادة حيث انخفض المؤشر العام بأكثر من 7 في المئة ما دعا إلى تعليق التعامل لربع ساعة، خاصة بعد هبوط مؤشر داو جونز بـ 1884 نقطة ما تشكل نسبته 7.2 في المئة، وهبط مؤشر ناسداك بنسبة 7 في المئة، وتراجع مؤشر (S&P 500) بمقدار 51 نقطة ليصبح عند 2972 نقطة.
وتسبب الانخفاض الحاد في البورصة إلى قيام بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك برفع ضخ السيولة في النظام المصرفي إلى 150 مليار دولار بدلا من 100 مليار دولار.
وتراجع خام غرب تكساس 11.88 دولار أو ما يعادل 29 في المئة إلى 29.40 دولار للبرميل، بعد أن لامس مستوى 27.34 دولار وهو أيضا أدنى مستوى منذ 12 فبراير 2016.
ويتجه الخام الأميركي على الأرجح لأدنى مستوى على الإطلاق، ليتجاوز انخفاضا بنسبة 33 بالمئة في يناير 1991.
الاثنين الأسود
ويصف خبراء ما حصل في السوق العالمية وما رافقها من ارتباك في أسواق المال بـ"الاثنين الأسود"، وفق ما قال سيباستيان كليمنتس، المحلل المالي في منصة "أو أف إكس".
وأشار في حديث لوكالة أسوشيتد برس إلى أن المزيج من حرب أسعار النفط القائمة بين روسيا والسعودية، وتراجع أسواق الأسهم وتفاقم أزمة كورونا أوجدت مزيجا مثيرا أربك الاقتصاد العالمي.
ويرى محللون أن انهيار الأسعار سيكون له عواقب واسعة النطاق من تراجع عائدات الاقتصادات المعتمدة على الطاقة وصولا إلى التسبب بانكماش عالمي وإعاقة مشاريع التنقيب عن النفط.
لكن آثاره قد تكون كارثية خصوصا على دول الخليج التي تمثل خمس الإمدادات العالمية من الخام وحيث يشكل دخل النفط ما بين 70 و90 في المئة من الإيرادات العامة.
وتذكر التطورات الأخيرة بحرب الأسعار التي اندلعت في 2014، ما أدى إلى انخفاض أسعار النفط إلى أقل من 30 دولارا للبرميل.
وتعرضت إيرادات دول الخليج حينها لضربة قوية، ما أجبرها على اللجوء إلى تدابير تقشفية، غالبا ما تكون حساسة من الناحية السياسية، بالإضافة إلى الاقتراض والسحب من أصولها المتراكمة لسد العجز في الموازنة.
ويتنافس منتجو النفط على حصة سوقية متراجعة أساسا.
وتأتي هذه الفوضى وسط تحذيرات من أن العالم يستعد لأول انخفاض في الاستهلاك السنوي للنفط منذ أكثر من عقد بسبب تأثير فيروس كورونا.
من سيربح؟
ورغم النظرة إلى الخطوة السعودية بخفض أسعار النفط على أنها تصب في إطار تهميش روسيا، يرى المحللون أن موسكو ستستفيد من هذه الخطوة.
وأشار المحلل في "بي في أم أسوسييتس" تاماس فارغا لوكالة فرانس برس إلى أنه "من المفيد النظر إلى ما ستجنيه روسيا من هذا القرار وما ستخسره".
وأضاف "الرابح الأكبر هي الشركات النفطية المحلية الروسية التي لطالما أكدت أن القيود على الإنتاج تحد من قدرتها على تطوير حقول نفطية جديدة".
ولفت فارغا إلى أن "روسيا ستستمد قوة أيضا من كون التراجع في أسعار النفط قد يدفع بشركات الصخر النفطي الأميركية إلى وضع مالي صعب أو شبه مستحيل. حتى أن بعضها سيشهر إفلاسه على الأرجح".
ومن المتوقع أن تتكبد الدول الأفقر في منظمة "أوبك"، خصوصا فنزويلا، الخسائر الاقتصادية الأكبر بفعل انهيار الإيرادات النفطية.
كورونا والولايات المتحدة والقارة العجوز
في الولايات المتحدة، أعلنت السلطات عن أكثر من 500 إصابة حتى الآن، ولا تزال المخاوف تتنامى من الفيروس خاصة في ظل الحديث عن وجود مصابين على سفن رحلات بحرية.
وفي الوقت ذاته فإن ما يحصل في القارة العجوز يشي بانتشار للمرض هناك بشكل كبير، حيث أصبحت إيطاليا بؤرة لنقل الفيروس.
وتحاول السلطات وقف انتشاره بالحجر على نحو 16 مليون شخص وإغلاق المدن، فيما حدثت أعمال شغب في سجون حيث اقتحم 20 سجينا العيادة وتوفي ستة أشخاص منهم بجرعة زائدة بعدما أخذوا أدوية مضادة لمرض الذهان.
وأغلقت مدن إيطالية منها ميلانو والبندقية وحتى أنه تم إغلاق المتاحف والمناطق السياحية وألغيت الفعاليات العامة، كما قدم البابا فرانس قداس عبر الإنترنت.
وبعيدا عن إيطاليا، حاول الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وزوجته بث روح الطمأنينة بجولة سيرا على الأقدام في شارع الشانزليزيه وسط باريس، ولكن هذا لم يمنع ظهور الخوف عليهما حيث حاولا الإبقاء على مسافة لا تقل عن متر واحدة عن المارة، واكتفيا بالتلويح للناس عن بعد.
وبعد ظهور نحو ألف حالة في ألمانيا، أعلنت المستشارة أنغيلا ميركل أن العلماء يعملون بشكل حثيث بحثا عن لقاح لتجنب وعلاج الفيروس.
الصين وإيران
وتحاول الصين إعادة الثقة باقتصادها ومصانعها، حيث أعلنت إغلاق عدة مستشفيات في بؤرة المرض ووهان، وذلك بعد تعافي المصابين فيها وعدم الحاجة لها، كما رفعت الحظر الذي كان مفروضا عن بعض مطاراتها.
فيما تحاول إيران احتواء الفيروس الذي انتشر في كل مناطقها وأودى بـ 237 شخصا وأصاب أكثر من سبعة آلاف، فيما أصبح هذا البلد مصدرا لنقل المرض في غالبية دول الشرق الأوسط.
وقالت وكالة ميزان القضائية للأخبار إن السلطات الإيرانية أفرجت مؤقتا عن نحو 70 ألف سجين بسبب مخاوف من انتشار الفيروس في سجون البلاد، بزيادة عن 54 ألف سجين كانت قد أعلنت عنهم من قبل.
الشرق الأوسط
في الشرق الأوسط، هناك أكثر من 7600 حالة إصابة مؤكدة، الغالبية العظمى منها في إيران.
حتى الآن، كانت السعودية الأكثر صرامة في التعامل مع تبعات الفيروس، حيث أعلنت إغلاق مدينة القطيف التي اكتشف فيها أكثر من 10 إصابات لمواطنين عائدين من إيران، كما وحظرت السفر من وإلى العراق ومصر البحرين وإيطاليا والكويت ولبنان وكوريا الجنوبية وسوريا، كما أعلنت إغلاق جميع المدارس.
وفي الوقت نفسه، أعلنت السلطات في مدينة الأقصر السياحية جنوب مصر أن المدينة ستغلق أبوابها الاثنين حتى يتمكن خبراء الصحة من فحص جميع نزلاء الفنادق ورحلات السفن السياحية في المنطقة.
وتم وضع سفينتين سياحيتين في نهر النيل في الحجر الصحي خلال الأيام الأخيرة، بعد اكتشاف إصابة 45 شخصا على متن إحدى السفن تبين إصابتهم بفيروس كورونا المستجد.
وأوقفت قطر السفر إلى 15 دولة وأعلنت أنها ستغلق المدارس والجامعات.
