تكافح دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا آثار التضخم الذي زاد جراء الحرب الروسية على أوكرانيا، في وقت، حذر توقع صندوق النقد الدولي من تباطؤ النمو في هذه المنطقة إلى 3,6 في المئة خلال العام 2023 ما أثار أسئلة أساسية، حول كيفية التوفيق بين الحد من التضخم وإطلاق العجلة الاقتصادية، وانعكاسات الوضع الراهن على المواطن.
وأشار مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى جهاد أزعور خلال فعاليات إطلاق عدد أكتوبر 2022 من تقرير صندوق النقد الدولي عن آفاق الاقتصاد الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في دبي إلى تباطؤ النمو في المنطقة والأمر سيان بالنسبة إلى الدول المصدرة للبترول، والتي من المتوقع أيضا أن يتباطأ النمو فيها إلى 3,5 في المئة خلال العام 2023 جراء انحسار أثر خفض الإنتاج الذي قررته بلدان "أوبك+" وانخفاض أسعار النفط وتباطؤ النمو العالمي.
وفي الوقت عينه تعاني البلدان منخفضة الدخل من ارتفاع أسعار المواد الأولية، حسب أزعور.
JUST RELEASED: Our latest growth projections for the Middle East and North Africa:
— IMF (@IMFNews) October 31, 2022
We expect growth to increase from 4.1% in 2021 to 5% in 2022, but worsening global conditions will weigh on the outlook for 2023, with growth slowing to 3.6%. https://t.co/1Qwtg2avql pic.twitter.com/E9tdBqAynv
تناقض سياسات النمو والتضخم
ويشير الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب إلى أن "توقعات صندوق النقد الدولي تشاؤمية منذ فترة، ورغم إعلانه منذ أشهر أن الأجواء ستصبح إيجابية بعد أزمة كورونا وأن العالم سينمو بوتير أفضل، إلا أن الحرب الروسية على أوكرانيا أتت لتبدد هذا التفاؤل وعاد صندوق النقد ليسلط الضوء على الواقع الاقتصادي السيئ".
ويوضح عبد المطلب في حديث لموقع "الحرة" أنه "في الشرق الأوسط هناك معضلة أساسية بسبب الاختلاف بين متطلبات تحريك عجلة النمو الاقتصادي وسياسات تخفيض التضخم".
ويشرح أن "المطلوب من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هو انتهاج سياسات مالية توسعية وغير انكماشية مثل تلك التي يطالب بها صندوق النقد الدولي"، موضحا أن "زيادة الإنفاق في هذه الدول تعني زيادة في الاستثمار والتشغيل، على عكس ما يحصل في الدول الأوروبية والأميركية، لأن إنفاق الدولة في منطقة الشرق الأوسط يعني زيادة عرض الأعمال وهو فرصة للقطاع الخاص للاستثمار في هذه الأعمال".
ويؤكد عبد المطلب أنه "على الدول العربية والدول في الشرق الأوسط مواجهة هذه المشاكل الاقتصادية الحالية من خلال انتهاج سياسة مالية توسعية".
فتباطؤ النمو يعني انخفاض الإنفاق الحكومي والعام، ما يؤدي إلى انخفاض السلع والخدمات في هذه الاقتصادات الشرق أوسطية، حسب ما أفاد عبد المطلب.
من جهته يشدد الخبير الاقتصادي فهد بن جمعة أنه "يجب التمييز بين الدول الخليجية ودول الشرق الأوسط، لأن الدول الخليجية لديها نمو اقتصادي كبير، ومعدلات التضخم فيها لا تزال معتدلة. وذلك عكس الدول العربية الأخرى، التي النمو فيها أقل والتضخم فيها كبير".
ويشير بن جمعة في حديث لموقع "الحرة" إلى أنّه "على الصعيد العالمي من المتوقع أنه مع ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع مستويات الفائدة أن يكون هناك ركود"، موضحا أن "هناك صعوبة في التوازن بين سعر الفائدة ومعدل التضخم الحالي، لأن رفع أسعار الفائدة يؤدي إلى ركود اقتصادي، وينعكس على سوق العمل حيث ترتفع معدلات البطالة".
ويؤكد أنه "لا بد في الفترة المقبلة التضحية بين التضخم وبين الركود الاقتصادي، لأن رفع أسعار الفائدة لخفض التضخم هو أمر ضروري جدا، وهذا الأمر سينعكس سلبا على النمو، لكنه الحل الوحيد المتاح حاليا".
يُذكر أن أزعور أكد خلال المؤتمر ضرورة استعادة استقرار الأسعار عن طريق تشديد السياسة النقدية في البلدان التي تشهد اتساعا في نطاق التضخم، أو حيث توجد دلائل على انفلات التوقعات التضخمية. وكذلك على معالجة انعدام الأمن الغذائي من خلال جهود حاسمة لتعزيز الإنتاج الزراعي في الموسم المقبل، وحماية الفئات الضعيفة مع ضمان الاستدامة المالية.
تباطؤ النمو يزيد البطالة
جاء في تقرير صندوق النقد الدولي أنّه رغم مواصلة التعافي الاقتصادي في المنطقة خلال النصف الأول من العام 2022 فإن تباطؤ الاقتصاد العالمي والحرب الدائرة في أوكرانيا وتأثيرها على آثار السلع الأولية وتشديد الأوضاع المالية العالمية، كلها عوامل تؤثر على الآفاق الاقتصادية. ولفت التقرير إلى أنه من المتوقع أن يتباطأ معدل النمو في 2023 بسبب التضخم المدفوع بارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع.
وضمن هذا الإطار يذكر عبد المطلب أن "تراجع معدلات النمو يعني انخفاض معدلات الاستثمار، وأيضا تراجع في معدلات الاستهلاك، وهذا يؤدي إلى انخفاض فرص العمل، وتاليا يكون تأثيره زيادة في معدلات البطالة".
لذلك، يقول عبد المطلب إن "تباطؤ النمو يقلل من عرض العمل، ويخفض الدخل المتاح، وكذلك الأمر بالنسبة إلى فرص الحصول على دخل إضافي أو بالنسبة إلى زيادة الدخل الذي يحصل عليه المواطن حاليا".
ويؤكد عبد المطلب أن "تباطؤ النمو ينعكس على ارتفاع الأسعار، لأنه في ظل انخفاض معدلات النمو تزيد التكلفة الإجمالية في الإنتاج الزراعي والصناعي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تكلفة الأعمال، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الأسعار".
ويشير إلى أنه "يتم تحليل هذه النفقات على إجمالي تكاليف المنتج النهائي، ومن هنا ترتفع الأسعار، وهذا الارتفاع يسبب في زيادة حرمان المواطن من الحصول على حاجاته الضرورية".
ويقول بن جمعة إنّ النمو الاقتصادي الحقيقي وصل في السعودية الـ8 في المئة. لذلك فإن الدول الخليجية لا تعاني من مشكلة اقتصادية، على عكس بقية الدول العربية، مثل مصر والأردن، فجميعها بلدان تواجه معدلات تضخم مرتفعة. وهذا الأمر سينعكس على اقتصاداتها.
ضرورة دعم الفئات الفقيرة
يتمثل أحد التحديات الملحة في معالجة أزمة تكلفة المعيشة عبر استعادة استقرار الأسعار وحماية الفئات الضعيفة من خلال الدعم الموجه وضمان الأمن الغذائي، حسب صندوق النقد الدولي.
ويسبب انخفاض النمو وزيادة التضخم بمعاناة للكثير من المواطنين وبخاصة الفقراء، منهم، وإذا راجعنا معدلات الفقر في العالم العربي سنجد نسب كبيرة، ففي مصر على سبيل المثال المعدل هو 29 في المئة، وفق ما قال عبد المطلب.
ويضيف أن "ما يوصي به صندوق النقد الدولي هو إيجاد آلية دعم تتخذها الحكومات في هذه الدول من أجل تقليل معاناة الأفراد".
ويوضح أنه "بالنسبة إلى كيفية الحصول على هذا التمويل، فهناك جزء منه يؤمنه المجتمع المدني داخل هذه الدول، بخاصة إذا كانت الحكومات عاجزة عن توفير هذا الجزء. وهناك دور للمنظمات الدولية التي تعطي المنح والقروض الميسرة من أجل رفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة".
ويشير إلى أن "الدعم الذي يؤدي إلى تضخم هو عندما يكون موجه إلى كل القطاعات، ومنها الصناعة واستيراد الوقود، والزراعة، وغيرها".
ويلفت إلى أنه عندما نتحدث عن دعم للفئات الفقيرة، أو تقديم مساعدات لتلك غير القادرة على الإنتاج، أو التي سوف تعاني من مشاكل، فإن ذلك لا يؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم، بل على العكس لأن هذه المساعدات سوف تتوجه مباشرة إلى الاستهلاك".
ويتابع أنه "لسياسة الدعم هذه التأثير على رفع الطلب بشكل فعال في السوق، وهذا يؤدي إلى تشجيع الاستثمار".
لذلك فإنه بهذه الحالة الدعم ينفع ويؤدي إلى زيادة الطلب وتاليا إلى تشجيع الإنتاج، وفي النهاية يؤدي إلى تقليل التضخم وليس إلى زيادته، وفق عبد المطلب، وذلك لأن ضخ الأموال الذي يؤدي إلى زيادة في التضخم، هو الذي يذهب إلى جهات لا تؤدي إلى زيادة الاستثمار، عكس الوضع الراهن.
من جهته، يقول بن جمعة إنه "يترتب على صندوق النقد الدولي والدول الغنية مساعد بقية الدول غير القادرة على دعم الفئات المهمشة فيها، لأن الدول الفقيرة ليست هي من تسبب في الحرب الروسية على أوكرانيا وليست هي من بدأت هذه الأزمة الاقتصادية".
ويشدد بن جمعة على "ضرورة دعم الجهات الفقيرة، وعلى أن ذلك لا يزيد التضخم، مؤكدا أن "الحالات الإنسانية يجب دعمها بغض النظر عن التضخم وأسعار الفائدة".
الركود التضخمي
يؤكد عبد المطلب أن منطقة الشرق الأوسط بعيدة عن مسألة الركود التضخمي، لأن مشكلة الشرق الأوسط في أغلبها أنها منطقة استهلاك.
ويضيف أن "الركود التضخمي يحدث في الدول التي عجلة الإنتاج فيها تعمل باستمرار، كأوروبا على سبيل المثال، التي تنتج مصانعها السيارات، فلو توقفت أوروبا عن توريد أو تصدير هذه السيارات في وقت يكون فيه مستوى تضخم مرتفع، فعندها سيكون هناك ما نسميه بالركود التضخمي. إلا أنه في منطقة الشرق الأوسط القائمة على الريع، فإن مسالة الركود التضخمي فيها غير موجودة بهذا الشكل".
وأردف أن "الركود قد يتواجد في بعض الدول العربية غير البترولية لكنه لن يكون على شكل ركود تضخمي، بل ركود فحسب، وذلك نتيجة عدم قدرة هذه الاقتصادات على توفير فرص عمل".