خفض إنتاج النفط يعني زيادة الأسعار
خفض إنتاج النفط يعني زيادة الأسعار

لجأت دول منتجة للنفط، على رأسها السعودية وروسيا، الأحد، إلى إعلان خفض إنتاجها من النفط بدءا من الشهر المقبل، وحتى نهاية العام الجاري، في إجراء مفاجئ قبل اجتماع "أوبك بلس" بيوم، مما سيرفع من الأسعار عالميا ويؤثر على المستهلكين بحسب خبراء. 

ومن بين الدول التي اتخذت هذا القرار، روسيا، والسعودية، والعراق، والكويت، والإمارات، وعمان، والجزائر، وكازاخستان. 

وقال الخبير الاقتصادي العراقي، عبد الرحمن المشهداني، لموقع "الحرة" إن خفض الإنتاج الطوعي من قبل بعض الدول، وصل إلى مليون و628 ألف برميل يوميا، وهو رقم كبير غير متوقع"، معتبرا أن هذه الدول تعمل على المحافظة على استقرار الأسعار فوق 75 دولارا لما تبقى من هذا العام. 

وأكد مصدر في وزارة الطاقة السعودية، لوكالة الأنباء الرسمية، أن تخفيض المملكة إنتاجها من النفط بواقع 500 ألف برميل يوميا، إجراء احترازي يهدف إلى دعم استقرار أسواق البترول".

بينما قال وزير الطاقة والبنية التحتية الإماراتي، سهيل المزروعي إن بلاده "ستخفض بشكل طوعي إضافي إنتاجها من النفط بمقدار 144 ألف برميل يوميا اعتبارا من شهر مايو المقبل حتى نهاية العام الجاري 2023، وذلك بالتنسيق مع بعض الدول المشاركة في اتفاق أوبك بلس"، مضيفا أن "هذا الخفض الطوعي إجراء احترازي يتم لتحقيق التوازن". 

وفي موسكو، قال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أيضا إن موسكو ستمدد خفضا طوعيا قدره 500 ألف برميل يوميا حتى نهاية 2023 "كإجراء احترازي للتحوط ضد المزيد من تقلبات السوق". 

وقال المشهداني لموقع "الحرة" إن روسيا أعلنت في شهر فبراير أنها خفضت الإنتاج بنحو 500 ألف برميل، لكن ما شجع الدول الأخرى، هو إعلان السعودية تخفيض إنتاجها 500 ألف برميل أخرى، مشيرا إلى أن هذه "القرارات تأتي بعد الصدمة التي حدثت في الأسعار الأسبوع الماضي عندما انخفض سعر برميل النفط إلى ما دون الـ70 دولارا، وبالتالي فهذا رد فعل". 

وتراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في 15 شهرا نتيجة للأزمة المصرفية التي أعقبت انهيار بنكين أميركيين، وأدت إلى إنقاذ (يو.بي.إس)، أكبر بنك في سويسرا، لمنافسه الأصغر كريدي سويس.

وقالت أمريتا سين مؤسسة ومديرة إنرجي أسبكتس، الأحد "أوبك تتخذ خطوات استباقية تحسبا لأي انخفاض محتمل في الطلب"، بحسب ما نقلت عنها وكالة رويترز. 

من جانبه، قال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي إنه لا يعتقد بأن "تخفيضات أوبك بلس منطقية في هذا التوقيت نظرا لعدم اليقين في السوق".

وأوضح المشهداني أن فكرة خفض الإنتاج الطوعي ربما ثبت نجاحها اليوم، "إذ كانت منظمة أوبك تصدر قرارا رسميا بخفض الإنتاج يجب أن يشمل الجميع، كل بما يناسب حصته، في حين أن دولا مثل فنزويلا كانت تعارض مثل هذا القرار، لكن هذه المرة جاء التخفيض طوعيا من قبل الدول التي تعتقد أن مصلحتها مع ارتفاع السعر، وبالتالي النتيجة كانت ربما أكثر من توقعات اجتماع أوبك بلس الذي كان الحديث بشأنه يدور حول تخفيض الإنتاج بواقع مليون برميل، لكن بالقرارات التي صدرت وصلنا إلى مليون و628 ألف برميل، وهذا رقم كبير جدا". 

وأضاف: "استفادوا من تجربة 2020 عندما انهارت الأسعار بشكل كبير، وعندما اتفقت الدول المنتجة للنفط على تخفيض الإنتاج ارتفعت الأسعار مرة أخرى"، مشيرا إلى أن "كل دولة قامت بحساب مسألة رياضية، وخفضت بمستوى يعوضها عن الخسارة التي ستتحملها نتيجة بيع عدد براميل أقل، "وربما تكون الأرباح أكثر". 

ونقلت وكالة رويترز عن رئيس شركة الاستثمار (بيكرينج إنرجي بارتنرز)، أن خفض منتجين من أوبك الإنتاج على هذا النحو غير المتوقع قد يرفع أسعار النفط العالمية 10 دولارات للبرميل.

وقال دان بيكرينج، إن خفض الإنتاج "سيقدم دعما ملموسا للأسعار.. من المحتمل أن تتحرك الأسعار عشرة دولارات (للبرميل) من الخام".

ويتصور المشهداني أن يلامس سعر برميل النفط 85 دولارا للبرميل خلال الأيام القليلة المقبلة. 

وقال إن هذا سينعكس إيجابا على الدول المنتجة للنفط من خلال زيادة الفوائض المالية في موازناتها العامة. 

أما بالنسبة للدول المستهلكة للنفط، "فبالتأكيد أي زيادة في أسعار برميل النفط ستنعكس سلبا على المواد الأساسية في السوق وتكاليف الطاقة"، وفقا للمشهداني. 

وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي إن إدارة الرئيس جو بايدن، ستواصل العمل مع جميع المنتجين والمستهلكين لضمان أن تدعم سوق النفط النمو الاقتصادي". 

أسعار النفط تتراجع بشكل طفيف بعد خفض أوبك بلاس للإنتاج. أرشيفية
أسعار النفط تتراجع بشكل طفيف بعد خفض أوبك بلاس للإنتاج. أرشيفية

لم تمنع الخلافات حول حصص النفط أعضاء "أوبك بلس" من الإعلان عن تخفيضات طوعية في الإنتاج خلال الربع الأول من العام المقبل.

ويبلغ إجمالي التخفيضات المتفق عليها حوالي 2.2 مليون برميل يوميا، من بينها استمرار السعودية بخفض إنتاجها بمقدار مليون برميل يوميا، والذي كانت قد أعلنته في يونيو الماضي.

ويأتي هذا الخفض بهدف دعم استقرار أسعار النفط في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية حول العالم، وسط مخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".

وقد تثير هذه التخفيضات الطوعية حفيظة الولايات المتحدة، التي انتقدت منظمة "أوبك" وحلفاءها، على تقليل الكميات بنحو مليوني برميل يوميا خلال العام الماضي، والتي وصفها البيت الأبيض في بيانات سابقة أنها "قرارات قصيرة النظر"، واعتبرته دعما لنشاط غزو أوكرانيا، لدور روسيا في هذا التحالف.

وعقد التحالف اجتماعا عبر الإنترنت، الخميس، وأصدر بيانا يلخص إعلانات الخفض الطوعي للدول بعد انتهاء الاجتماع، كما تمت دعوة البرازيل، وهي من أكبر عشرة منتجين، لتصبح عضوا في المجموعة. وقال وزير الطاقة في البرازيل إنه يأمل في الانضمام في يناير .

ولكن لماذا تستمر "أوبك بلس" في خفض الإنتاج؟ وهل يهدف هذا إلى ضمان أسعار مرتفعة للمنتجين؟ أم أنه لتنظيم سوق النفط؟

ما الذي تريده "أوبك بلس"؟

الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، يرى أن أوبك وحلفاءها "يريدون الحفاظ على أسعار النفط عند مستويات تتجاوز الـ80 دولار للبرميل".

وأشار في حديث لموقع "الحرة" إلى أن هذا لا يعني "أنهم يريدون الحفاظ على أسعار مرتفعة للنفط، ولكن هناك معادلة صعبة تواجه المنتجين، إذ تتواجد أزمات جيوسياسية ومخاوف أمنية، ناهيك عن المخاوف من حالة عدم اليقين الاقتصادي، إذ تُظهِر بعض المؤشرات تحسّنا في النمو في بعض الجوانب، وفي جوانب أخرى تظهر مؤشرات للركود".

واستطرد أن "الحفاظ على معدلات سعرية عادلة أو متوازنة، فهذا يعني الحفاظ على قدرة سوق النفط على الاستمرار والتعافي من الأزمات، خاصة في ظل الحاجة للاستمرار في الإنفاق على استخراج واستكشاف النفط".

وتأسست منظمة "أوبك" في عام 1966، وتضم 13 دولة، أبرزها السعودية والعراق والكويت والإمارات وإيران، والتي تسعى لتنظيم سوق النفط العالمية، إذ ينتج أعضاؤها حوالي 40 في المئة من النفط الخام، وتشكل صادراتهم حوالي 60 في المئة من تجارة النفط العالمية.

ولكن، في عام 2016، بدأت منظمة أوبك وبالشراكة مع 10 منتجين آخرين للنفط بالتنسيق معا فيما يتعلق بالإنتاج لضمان استقرار السوق، لينشأ تحالف "أوبك بلس"، بحسب تقرير نشرته موقع المنتدى الاقتصادي الاقتصادي العالمي.

ويشمل تحالف "أوبك بلس" دولا مثل روسيا وكازاخستان وأذربيجان وعُمان.

ونشأ التحالف الجديد بحجة تنظيم أكبر في سوق النفط للحفاظ على الأسعار، ولكن جذوره تعود إلى مواجهة انخفاض أسعار الخام، خاصة بعد الزيادة الهائلة في إنتاج النفط الصخري منذ عام 2011.

"امتصاص الفائض"

الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي، يرى أن قرار "أوبك بلس"، بعيدا عن الإمدادات، يمثّل محاولة لـ"امتصاص الفائض من المعروض في سوق النفط".

وقال في رد على استفسارات موقع "الحرة" إن هذا التحالف النفطي يؤكد أنه يعتمد في قراراته على "استشراف المستقبل واستقراء البيانات لتحديد حاجة السوق العالمية وضمان الإبقاء على حالة من التوازن".

ويؤكد الشوبكي أنه حتى مع بقاء معدلات الأسعار أعلى من 80 دولارا، إلا أنها "لا تزال قد تشكل فجوة، ولا تحقق التوازن السعري الذي بُنيَت عليه بعض موازنات الدول المنتجة التي وضعت توقعاتها عند 90 دولار".

وستواصل السعودية خفض إنتاجها النفطي بمقدار مليون برميل يوميا حتى "نهاية الربع الأول من عام 2024"، بحسب بيان لوزارة الطاقة السعودية.

من جهتها، ستعزز موسكو خفض الصادرات خلال الفترة ذاتها، من 300 ألف إلى 500 ألف برميل يوميا، حسبما أعلن نائب رئيس الوزراء المسؤول عن الطاقة، ألكسندر نوفاك، بحسب تقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس.

ومن بين الأعضاء الثلاثة والعشرين، تعهدت دول أخرى، مثل العراق والإمارات والكويت وكازاخستان والجزائر وعُمان، بتخفيضات أقل حجما.

ولا يزال الخلاف محتدما داخل المجموعة، إذ ترفض أنغولا مستوى الإنتاج الجديد الذي حددته "أوبك بلس" وليس لديها أي نية للامتثال، وفق وكالة بلومبيرغ.

تأثير قرار "أوبك بلس"

ويوضح الشوبكي أن ما أعلنت عنه "أوبك بلس" من خفض بنحو 2.2 مليون برميل إلا أنه "ما زال دون التوقعات، وهو ما أثر على الأسواق بتراجع أسعار النفط بشكل طفيف في تداولات الخميس".

وأشار إلى أن قرار الخميس اعتمد على اتخاذ كل دولة من الدول الأعضاء بشكل منفصل مقدار التخفيض، ولكن ما أُعلن عنه حتى الآن "قد يعتبر أقل مما هو متوقع، إذ كان يُتوقَّع أن تزيد كميات التخفيض عن معدلات 2.2 مليون برميل يوميا، وهي معدلات الخفض ذاتها خلال العام الحالي".

هل تنتهك أوبك قواعد السوق الحر؟

ويرى الخبير الاقتصادي النحاس أن "الدول ذات النفوذ الأكبر في هذا التحالف، مثل السعودية أو روسيا، تظهر وكأنها تريد الهيمنة والسيطرة على الأسعار على ارتفاع، ولكن هذه ليست الصورة الكاملة لما يحدث، إذ أنها تسعى لدور تنظيمي أكبر للقطاع، وبالنهاية بما يخدم مصالح المنتجين".

وأوضح أن هذا لا يعني أن هذا التحالف لا يهتم بمصالح "المستهلكين، إذ يهمهم بقاء الأسعار في مستويات تتيح استمرار النمو والمنفعة للجميع، ولهذا في حال حدوث ارتفاع كبير في أسعار النفط قد يضر بالمنتجين والمستهلكين معا".

ولم يستبعد النحاس توفُّر "مصالح سياسية مختلفة للمنتجين من خلال تواجدهم في هذا التحالف، والتي قد تستخدم النفط كوسيلة للتأثير بطريقة أو أخرى".

ويوضح ضاربا المثال أنه "قد يؤثر ارتفاع أسعار المحروقات في توجهات الناخب الأميركي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولهذا لا يمكن فصل التوجهات السياسية عند الحديث عن سلعة حيوية مثل النفط".

الباحث الشوبكي يتفق مع النحاس في أن "أوبك وحلفاءها يسعون إلى دور تنظيمي أكبر في سوق النفط ويحاولون جذب المزيد من كبار المنتجين إليهم"، ولكن هذا التحالف لا يسعى إلى تحديد الأسعار.

ويدلل على كلامه بأن "أوبك بلس تتخذ قراراتها ولكن تبقى قوى السوق هي المسيطرة، ولهذا تفاعلت السوق العالمية بتراجع الأسعار بشكل طفيف بدلا من الارتفاع"، مضيفا أنه إذا "ثبت تواجد تدخل من هذا التحالف لتحديد أسعار النفط فهو بذلك ينتهك قوانين دولية ترتبط بمنع الاحتكار واستغلال الوضع المهمين".

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت تسليم يناير 0.3 بالمئة، إلى 82.83 دولار للبرميل عند التسوية. وتراجع عقد فبراير، الذي يبدأ التداول كأقرب شهر استحقاق، الجمعة، دولارين أو 2.4 بالمئة إلى 80.72 دولار للبرميل.

كما هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 1.90 دولار، أو 2.4 بالمئة، إلى 75.84 دولارا للبرميل، لتنخفض 6.2 دولارا هذا الشهر.

2024 وسوق النفط

ورجح محللون أن يستمر تحالف "أوبك بلس" بخفض الإنتاج ما لم تحدث طفرة في النمو الاقتصادي على مستوى العالم ويعود الطلب إلى فترة ما قبل جائحة كورونا.

ويتوقع النحاس، أن تبقى أسعار النفط عند مستوياتها الحالية بزيادة أو تراجع طفيف خلال الأشهر المقبلة.

ويقول الشوبكي، إن "تحالف أوبك بلس حافظ على وتيرة خفض الإنتاج منذ جائحة كورونا، والأرجح أن يستمر بها خلال 2024".

وتوقعت وكالة الطاقة الدولية، في نوفمبر، تباطؤا في نمو الطلب، خلال عام 2024، مع "تبدد المرحلة الأخيرة من الانتعاش الاقتصادي التي أعقبت وباء كوفيد-19 وتعزيز المكاسب الناتجة عن كفاءة الطاقة وتوسيع أساطيل السيارات الكهربائية والعوامل الهيكلية".