صورة تعبيرية لسيدة تمشي بالقرب من صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع عبارة تقول "تحيا مصر"
صورة تعبيرية لسيدة تمشي بالقرب من صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع عبارة تقول "تحيا مصر"

في مصر تقوم مؤسسات مملوكة للدولة بتعبئة مياه الشرب، وتصنيع المعكرونة والاسمنت، وتشغيل محطات الوقود، وإنشاء مزارع سمكية.

اثنان من أقوى ممارسي النشاط الاقتصادي في مصر هما الحكومة والجيش، ولسنوات واجهت هاتان المؤسستان انتقادات من خبراء الاقتصاد وهيئات الإقراض الدولية بأن هذا النهج مناف لأي نمو اقتصادي صحي وسليم.

ولكن مؤخرا أدت الضغوط المتزايدة الناتجة عن ارتفاع التضخم وأزمة العملة في مصر إلى تعهدات من الحكومة بأن الأمور ستتغير أخيرا. 

فقد أعلنت الحكومة في مارس بدء بيع حصصها في نحو 32 شركة مملوكة للدولة ووعدت بخصخصتها، بدءا من شركات البتروكيماويات إلى البنوك.

هذه السياسة التي أعلنت في ديسمبر هي جزء من إصلاحات على صلة بقرض صندوق النقد الدولي، لكنها لا تزال تسمح للدولة بالعمل في قطاعات رئيسية، مثل الصحة والأدوية والزراعة والنفط والغاز والتأمين وغيرها.

أعداء المنافسة؟

ينتاب الشك قادة الأعمال والمحللين، وأبلغ العديد منهم وكالة "أسوشيتد برس" أنهم يتوقعون أن تظل الحكومة والجيش أعداء للمنافسة. 

ومنذ أوائل أبريل لم يتم بيع أي من الشركات المملوكة للدولة، ويتساءل منتقدون عمن سيستثمر، مع فرار الشركات متعددة الجنسيات من البلاد، واستبعاد الشركات الصغيرة، واستمرار بطء وسرية المؤسسات العامة.

وقال تيموثي قلدس، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن "فيما يتعلق بالمخاطرة: لماذا تستثمر في بلد به مؤسسات تابعة للدولة تمثل منافسة قوية غير متكافئة ولا تهتم كثيرا بسيادة القانون؟".

وقال ثلاثة من مالكي الشركات سابقا وحاليا، تحدثوا شريطة تكتم هوياتهم خشية استهدافهم من الحكومة، إن نفوذ الجيش في بعض القطاعات يعني أنه لا يمكنك القيام بأية أعمال سوى معه، وإنهم لا يتوقعون أن يتغير ذلك.

وأضافوا أن العقود التي تقدمها المؤسسات الحكومية غير قابلة للتفاوض، وسداد الاستحقاقات يتم متأخرا لشهور.

أسس أحد رواد الأعمال شركة لإدارة النفايات عام 2019، لكنه اكتشف أن شركة حكومية كبيرة للغاية تنافسه، وأن الشراكة معها غير متكافئة بالمرة: فقد عرضت الشركة التي تديرها الدولة عليه شراكة تحصل فيها على نسبة ما بين 30 إلى 50 بالمئة من الأرباح، مع تحميل الشركة الخاصة بكل الأعباء المالية، ففضل بالطبع أن يوقف نشاطه. 

وقال "أغلقنا الشركة قبل أن تبدأ الحكومة في مطالبتنا بضرائب".

تعاون قسري؟

يقول يزيد صايغ، الزميل الأول والباحث الرئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت "حتى لو كان ذلك يعني في بعض الأحيان خسارة مالية، فإن الشركات الخاصة تستمر لأنها تعرف أنها إن لم تفعل، فسيقوم الجيش بإلغاء أي عقود مستقبلية معها".

هناك أنواع أخرى من الضغوط من أجل التعاون القسري، منها قمع معارضين ومنتقدين، وسجن عشرات الآلاف، وفق تقديرات جماعات حقوقية.

وكان من بين هؤلاء اثنان من كبار رجال الأعمال، فقد وجهت اتهامات لمالكي شركة جهينة، أكبر شركة ألبان في مصر، عام 2020 بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، المحظورة في مصر.

وقالت منظمة العفو الدولية إن صفوان ثابت ونجله سيف، مالكي شركة جهينة، سجنا لأنهما رفضا مشاركة الحكومة لهم قسرا. 

وتم إطلاق سراحهما لاحقا، لكن الشركة لا تزال خاضعة لسيطرة الحكومة.

الحكومة وعالم الأعمال

في مصر تعود سياسة دخول الحكومة عالم الأعمال إلى التأميم واسع النطاق إبان عهد الزعيم الاشتراكي، جمال عبد الناصر، في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. 

واتخذ الرئيسان أنور السادات وحسني مبارك التاليان لعبد الناصر خطوات تجاه اتباع سياسات السوق الحرة، لكنهما اتهما بمنح عقود المشروعات المربحة لدائرتهما المقربة فقط.

ويعد بيع الشركات الحكومية والشفافية الحكومية شرطين رئيسيين لحزمة إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار حصلت عليها مصر من صندوق النقد الدولي في ديسمبر لمساعدتها على مواجهة الأزمات التي أصابت لاقتصاد العالمي، ومنها جائحة كوفيد، وغزو روسيا لأوكرانيا.

فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022، التي أدت إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، وفقدت العملة المصرية أكثر من 50 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار.

 وتخطى التضخم عتبة 30 بالمئة، ما دفع المزيد من المصريين إلى هاوية الفقر، والشركات إلى كفاح لاهث من أجل الاستمرار.

وفي إطار السعي للحصول على القرض الرابع لمصر من صندوق النقد الدولي على مدار السنوات الست الماضية، قال رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، إن الأمل يكمن في الإصلاحات، "لجذب المستثمرين الاستراتيجيين، وتوسيع مشاركة المصريين في الملكية العامة".

ولم ترد وزارة المالية المصرية على طلب " أسوشيتد برس"، بالحصول على تعليق حول سير خطة خصخصة الشركات.

ويقول صندوق النقد إنه يستعد لمراجعة أولية للتأكد من وفاء مصر بأهداف برنامج الإنقاذ، ومن ذلك الخصخصة. 

وصرحت جولي كوزاك، مديرة الاتصالات الاستراتيجية بالصندوق، في مؤتمر صحفي في 23 مارس "سيتم الإعلان عن مواعيد بعثة المراجعة الأولى عندما يتم الاتفاق عليها مع السلطات".

الشركات الصغيرة تعاني

في غضون ذلك تتعرض الشركات الصغيرة لضغوط لا قبل لها بها. 

فيقول أحد مالكي شركة تصنيع إنه مقيد بعقود حكومية، بينما يواجه ارتفاع تكاليف الاستيراد والضرائب.

ويعبر عن أسفه لأن الشركات الصغيرة لا يمكنها حتى الاستفادة من الميزة الوحيدة للأزمة الاقتصادية، قائلا "انخفاض سعر الصرف في مصر يجعل سلعنا أكثر تنافسية على الصعيد الدولي، لكن الشركات تتمكن بالكاد من الوقوف على أقدامها، والحكومة لا تساعد الشركات الخاصة في إيجاد أسواق بالخارج".

قطاع الطاقة

يأمل القادة أن يكون قطاع الطاقة بشكل خاص مصدر جذب للاستثمارات، حيث توفر الجغرافيا ومحطات الطاقة الشمسية الكبيرة إمكانية الاستفادة من تمويل متجدد.

وقالت شركة ريستاد إنرجي إن مصر تلقت العام الماضي عروض استثمار تزيد قيمتها على 100 مليار دولار في مشروعات هيدروجين أخضر مزمعة. 

وتخطط الحكومة أيضا لتحويل البلاد إلى مركز لتسييل وتصدير الغاز الطبيعي بعد الاكتشافات البحرية الأخيرة.

كيف تجتذب مصر استثمارات؟

ترى جيسيكا عبيد، المستشارة المستقلة لسياسات الطاقة، والباحثة غير المقيمة في معهد الشرق الأوسط، أنه لكي تجتذب مصر تمويلات واستثمارات فإن حكومتها بحاجة إلى إصلاح مالي لتقليل مخاطر الاستثمار المتجدد، وتقليل التأخيرات.

وتضيف "في جميع أنحاء العالم، يتنافس الجميع على تمويل من مجموعة صغيرة من المستثمرين، ويتوقف ذلك على قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وفتح شهية المستثمرين لدخول أسواقها".

وتؤكد "ليس من السهل جذب الاستثمارات عندما يكون هناك تدخل عسكري وحكومي في العديد من قطاعات الاقتصاد".

لم يتضح بعد من سيكون مشتري أسهم المؤسسات المملوكة للدولة المصرية، ومنها بنك القاهرة، أحد أكبر البنوك في مصر، وشركة وطنية لمحطات الوقود.

لماذا تخرج شركات من مصر؟

وجد مشروع العدالة العالمية أن الهيئات العامة والنظام القانوني في مصر يتسمان بالبطء والافتقار إلى الشفافية، وذلك حسب تقرير صدر عام 2022 وضع مصر في المرتبة الأخيرة بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عندما يتعلق الأمر بسيادة القانون.

وعلى مدار العقد الماضي انسحب العديد من الشركات متعددة الجنسيات، منها بنك بي إن بي باريبا، وشركتا تويوتا وفودافون، من السوق المصرية. 

ويعتقد محللون أن المناخ الاقتصادي والسياسي القمعي كان من عوامل خروجها.

ينظر إلى دول الخليج على أنها عميل محتمل لشراء الشركات التي ستتم خصخصتها، فقد كانت السعودية والإمارات من أقوى داعمي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، منذ الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين عام 2013.

 ومع ذلك برزت مؤشرات على أنهما أصبحتا أقل استعدادا لدعم ما يعتبر نموذج اقتصاد مضطرب.

ويقول روبرت موغيلنيكي، كبير الباحثين المقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، إن المستثمرين الخليجيين يجب أن تكون لديهم درجة كبيرة من قبول المخاطر على المدى القصير، أو القدرة على انتظار العوائد على المدى الطويل.

في تلك الأثناء بدأ بعض الشركات المصرية في الخروج من مصر، فعلى سبيل المثال أسس تطبيق حجز الانتقالات والمواصلات سويفل، وموقع التجارة الإلكترونية سايد كب، مقرين في دبي والرياض على التوالي.

وأظهر رئيس شركة مصرية ناشئة تعمل في مجال الاستدامة تعاطفه مع تلك الشركات وتفهمه لخروجها من مصر، متحدثا بدوره شريطة تكتم هويته، فقال "إذا كبرت (شركتي) فسأود أنا أيضا نقلها إلى الخارج".

موقع أكسيوس قال إن عالم الأعمال بدأ "يحسد" هامش أرباح "انفيديا"
موقع أكسيوس قال إن عالم الأعمال بدأ "يحسد" هامش أرباح "انفيديا"

صنعت شركة "انفيديا"، الرائدة في مجال الرقائق المتخصصة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التاريخ بعد أن سجلت، وللمرة الثانية مكانتها كواحدة من أكثر شركات العالمية قيمة بالإضافة إلى إحدى أكثر الشركات ربحا. 

وذكر موقع أكسيوس أن عالم الأعمال بدأ "يحسد" هامش أرباح "انفيديا"، التي حققت صافي أرباح بلغ 14.9 مليار دولار من مجمل 26 مليار دولار في الربع الأخير. 

وللمقارنة، حققت "انفيديا" 0.7 مليار دولار كصافي أرباح خلال عام 2022. 

وأشار أكسيوس إلى أن "انفيديا" كسبت خلال الربع الماضي أكثر من أي شركة عملاقة، مثل "جي بي مورغان" و"بيركشاير هاثاوي" و"أمازون"، والتي تحتل مكانة بين أبرز الشركات الرابحة في الولايات المتحدة. 

وذكرت الموقع ذاته أن الشركات الأميركية الوحيدة التي حققت أرباحا أكثر من "انفيديا" كانت "آبل" و"مايكروسوفت" و"ألفابيت"، المالكة لـ "غوغل". 

أما خارج الولايات المتحدة تمكنت الشركات المملوكة للدول، مثل "أرامكو" السعودية و"بتروبراس" البرازيلية من تجاوز "انفيديا"، بينما لم تتمكن شركة تصنيع الرقائق التايوانية "TSMC" من فعل ذلك. 

ونوه أكسيوس إلى أن "التاريخ يشير بالكاد إلى أن أي شركة تمكنت من رفع أرباحها بالشكل والتوقيت الصادمين" اللذين حققتهما انفيديا.