ارتفاع مستمر لأسعار السلع في مصر- الصورة بتاريخ 12 يناير 2023
هل ستنجح مصر في تنفيذ شروط صندوق النقد؟ (أرشيفية-تعبيرية)

ينتظر صندوق النقد الدولي تنفيذ مصر مزيدا من الإصلاحات التي تعهدت بها قبل إجراء المراجعة الأولى لبرنامج الإنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار، وتتلخص الإصلاحات في شرطين هما خصخصة أصول الدولة ومرونة حقيقية في العملة المصرية، بحسب تصريحات مسؤولي الصندوق.

والقرض الذي اتفقت عليه مصر، في ديسمبر 2021، كان من المفترض إجراء مراجعته الأولى، في مارس الماضي، لكنها تعثرت بسبب عدم تنفيذ مصر شروط الصندوق، وأُجلت إلى يونيو المقبل، بحسب وكالة "بلومبرغ".

لكن مدى قدرة مصر على تنفيذ شروط الصندوق في هذه المدة الزمنية وتأثيرها على الاقتصاد المصير يثير كثيرا من التساؤلات.

هل ستنجح مصر؟

استبعد الخبير الاقتصادي، علاء عبدالحليم، في حديثه لموقع "الحرة"، أن تنجح مصر في إجراء الإصلاحات الي يطالب بها صندوق النقد. وقال: "فنيا وعمليا، لا يمكن الالتزام ببيع الأصول خلال العام الجاري".

وأضاف أن المنطق يقول إن خطة بيع الأصول وخصخصة الشركات يجب أن تستمر لمدة ثلاث سنوات على الأقل، بحيث تنتقل الأصول والشركات أولا إلى أحد الصناديق السيادية، ثم يعاد هيكلة الشركات وتحويلها بما يتوافق مع المعايير العالمية.

وتحدث عبدالحليم عن صعوبة وربما استحالة طرح شركات الجيش تحديدا للخصخصة أو للبيع لصعوبات فنية، وقال إنه لابد من إصدار العديد من القوانين لتحويل هذه الشركات إلى شركات مساهمة عادية قابلة للخصخصة.

ويتوقع عبدالحليم أن يمنح صندوق النقد فترة سماح أطول لمصر لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة منها تصل إلى 3 سنوات.

واستبعد الخبير الاقتصادي أن يفرض الصندوق عقوبات أو غرامات على مصر، لكنه أوضح أن النتيجة ستكون توقف أي دعم من الصندوق، وستقع مصر في أزمة كبير، وستضطر للجوء لدول الخليج لتبيع أصولها بأي سعر وفق شروطهم.

وقالت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، الأحد، إن الصندوق يستعد لإجراء المراجعة، دون إعطاء جدول زمني. وأضافت للصحفيين "الفرق تعمل وأنا واثقة من أننا سنحقق نتيجة جيدة"، وفقا لـ"بلومبرغ".

ويمكن لصندوق النقد الدولي الجمع بين المراجعات في بعض الحالات، ما يعني أنه إذا لم تكتمل المراجعة الأولى بحلول يونيو، فيمكن دمجها مع المراجعة التالية، والتي من المقرر إجراؤها في النصف الثاني من عام 2023، بحسب "بلومبرغ".

وقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة البريطانية في مصر، كريم القماش، لموقع "الحرة" إن الحكومة الحالية لمصر هي من وضعت نفسها في هذا الموقف، وهي من ذهبت لتلقي القرض من صندوق النقد، ولذلك عليها الالتزام بتنفيذ الشروط بكفاءة وسرعة لتجنيب مصر خطر الإفلاس.

وأضاف أن ما يصدر عن صندوق النقد يعتبر رسالة إلى مصر بضرورة سرعة تعديل مسارها وإلا لا مزيد من المساعدات، وهو ما يتابعه العالم لمعرفة مدى استقرار الاقتصاد المصري.

وطالب أستاذ الاقتصاد كلا من الحكومة والجيش بضرورة التخلي عن سيطرتهما على السوق وتقبل المنافسة العادلة، حتى يكتسب الاقتصاد المصري ثقة المستثمرين العالميين.

ومن جانبه يرى الخبير الاقتصادي، فتحي الفقي، أن مصر قامت بالفعل بالعديد من الإصلاحات السريعة والمؤثرة، لكن ليس من الطبيعي أن تطالبها أي جهة بالتسرع في بيع الشركات والأصول، التي تعد ثروات قومية، في غضون ثلاثة أشهر أو حتى عام.

وقال لموقع "الحرة" إن صندوق النقد يمارس ضغوطا كبيرة على الاقتصاد المصري، ويطالب بشروط قد تكون تعجيزية في فترات زمنية قليلة، من دون أن يدرك مدى التأثير السلبي لهذه الشروط على الاقتصاد المصري والمواطنين.

تأثير شروط الصندوق

يقول الخبير الاقتصادي، علاء عبدالحليم، لموقع "الحرة"  إن قرض صندوق النقد المقدم لمصر، والذي لا يمثل أكثر من 17% من إجمالي الفجوة التمويلية المقدرة في البلاد، ليس كافيا لحل أزمة سيولة العملة الأجنبية، مضيفا أن مصر تحتاج لتغيير سياستها الاقتصادية بشكل كامل.

وأوضح أن مصر في وضع حرج ولا تستطيع الالتزام بشروط صندوق النقد حتى الآن لأنها تعاني من نقص شديد في الدولار وارتفاع كبير في معدلات التضخم، بسبب تراجع النشاط الاقتصادي الخاص وهروب المستثمرين. 

وقدر صندوق النقد الدولي الفجوة التمويلية في مصر بنحو 18 مليار دولار خلال 6 سنوات بداية من العام المالي الجاري، متوقعا أن تسهم موافقته على تمويل برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري بقيمة 3 مليارات دولار على 4 سنوات في جذب تمويلات بنحو 14 مليار دولار من مؤسسات دولية وإقليمية شاملة دخول الخليجيين، للاستحواذ على أصول مملوكة للدولة، بحسب "بلومبرغ".

وستؤدي الموافقة على المراجعة، التي من المقرر أن يناقشها مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، بحلول يونيو المقبل، إلى حصول مصر على شريحة ثانية من القرض، بقيمة 261.13 مليون من حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي، أو حوالي 354 مليون دولار، وفقا لـ"بلومبرغ".

وقال أستاذ الاقتصاد بالجامعة البريطانية في مصر، كريم القماش، لموقع "الحرة"، إن المواطنين في مصر هم من سيتحملون عبء شروط صندوق النقد، مشيرا إلى أن الوضع سيكون صعبا في الفترة القادمة.

وأوضح أن شروط صندوق النقد من المفترض أن تؤثر على استمرار الإستراتيجية التي يتبعها الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، والتي تحدث عنها سابقا في وسائل الإعلام، وهي المسارات المتوازنة، بمعنى أنه يضخ استثمارات كبيرة في أكثر من مشروع في الوقت نفسه، خاصة في البنية التحتية والطاقة.

وقال القماش إن الاستثمار في هذه المشاريع ليس له جدوى اقتصادية في الوقت القريب، بالإضافة إلى أنه يحدث بشكل عشوائي وبدون دراسات دقيقة.

وأضاف أن المشكلة تكمن في عدم ترتيب الأولويات من جانب الحكومة في اتجاهات وأساسيات الإنفاق.

وأوضح أن هذا كان واضحا في تصريح مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، منذ يومين، بضرورة ترشيد مصر إنفاقها على المشاريع الاستثمارية طويلة الأجل.

ولذلك يرى القماش أنه إذا أرادت مصر تنفيذ شروط الصندوق يجب أن يكون هناك  ترتيبا للأولويات وأوجه الإنفاق، معتبرا أن تصريح جورجيفا ضروري لضبط أداء الحكومة الحالية.

أزمة أخرى تحدث عنها القماش وهي نسب التضخم. وقال إن المخاوف بشأن التضخم، الذي بلغ بالفعل أعلى مستوياته منذ أعقاب أزمة العملة في عام 2016، تعتبر أحد الأمور التي تفرض قيودا على الحكومة المصرية لتنفيذ إصلاحات النقد الدولي، خاصة لما سيتبعه ذلك من تأثير على الاستقرار الاجتماعي.

وهذه المخاوف حذر منها صندوق النقد الدولي في يناير، موضحا أن البنك المركزي "قد يواجه ضغوطا سياسية واجتماعية لعكس مساره"، بحسب الشبكة.

ويستهدف البنك المركزي المصري تضخما بنسبة 7 في المئة، بحلول الربع الرابع من العام المقبل. وارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة سنوية بلغت 32.7 في المئة، في مارس، وهي الأسرع منذ ما يقرب من ست سنوات، وفقا لـ"بلومبرغ".

وبالنسبة لخفض قيمة العملة، يرى الفقي أن مصر اتخذت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه لكنها ليست كافية لصندوق النقد أو حتى للمستثمرين.

وقال: "تم تعيين حاكم جديد للبنك المركزي لوضع سياسات مصرفية جديدة، كما أن الالتزام الحكومي بالوصول إلى سعر صرف عملة مرن في الفترة المقبلة لا يزال قائما".

لكن الخبير الاقتصادي أوضح أنه لكي تصل مصر إلى سعر صرف عملة مرن بشكل صحيح بدون الدخول في أزمة أعمق، فلابد من تدفق العملات الأجنبية.

وأشار إلى أنه حاليا لا يمكن إنجاز هذه المهمة بالكامل، لذلك طالب الحكومة ووزارة المالية والبنك المركزي بتحديد الوقت اللازم لتنفيذ الوصول إلى سعر صرف عملة مرن، وعرض الأمر على صندوق النقد.

ويعد تخفيض قيمة العملة قضية حاسمة بالنسبة لصندوق النقد. وتقول الحكومة المصرية إنها تتحول إلى سعر صرف مرن، وقد تم تخفيض قيمة الجنيه ثلاث مرات، منذ مارس 2022. لكن فترات الاستقرار الطويلة للجنيه، حتى مع انخفاض قيمته في السوق السوداء المحلية، أثارت تساؤلات حول التزام مصر باستمرار سعر صرف مرن، بحسب "بلومبرغ".

وبالنسبة للشرط الثاني لصندوق النقد والمتعلق ببيع الأصول، قال الخبير الاقتصادي، فتحي الفقي، لموقع "الحرة" إن مصر كان من المفترض أن تحرز تقدما في هذا الأمر بعدما حددت قائمة خصخصة ٣٢ شركة، في مارس الماضي، وكانت هناك عدة عروض من شركات خليجية.

لكن الفقي أوضح أن صفقات الخصخصة توقفت بسبب الخلافات التي حدثت بين مصر والدول الخليجية، بسبب اشتراطها تخفيض العملة قبل البدء في عمليات الشراء.

وأعلنت الحكومة المصرية، في مارس الماضي، بدء بيع حصصها في نحو 32 شركة مملوكة للدولة ووعدت بخصخصتها، بدءا من شركات البتروكيماويات إلى البنوك، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".

وكان من المفترض أن يُحفز دعم صندوق النقد استثمارات بمليارات الدولارات من حلفاء الخليج، بما في ذلك السعودية والإمارات، والتي وصفها صندوق النقد الدولي بأنها "بالغة الأهمية"، بحسب "بلومبرغ".

وقال وزير المالية، محمد معيط، إن عدد الشركات والأصول التي ستطرحها الحكومة للخصخصة قد يرتفع، في أبريل الجاري، وفقا لـ"بلومبرغ".

ووفقًا لبرنامج صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن تجمع مصر ملياري دولار من بيع حصص مملوكة للدولة، خلال السنة المالية الحالية التي تنتهي في يونيو، بحسب الوكالة الأميركية.

لكن القماش قال، من جانبه، إنه رغم محاولات خصخصة تلك الشركات، لا تزال الحكومة والجيش في مصر يعملان في قطاعات رئيسية، مثل الصحة والأدوية والزراعة والنفط والغاز والتأمين وغيرها.

وتحدث القماش عن أحد التأثيرات السلبية لتوغل الجيش والحكومة في الاقتصاد وهو إضعاف القطاع الخاص والشركات الصغيرة سواء بعقود الإحتكار لصالح الشركات الحكومية الكبيرة دم وعدم وجود منافسة عادلة أو من خلال ارتفاع تكاليف الاستيراد والضرائب.

وقال القماش إنه إذا خرج الجيش والحكومة بالفعل من الشركات تنفيذا لشروط صندوق النقد، فسيعاني الاقتصاد في مصر بشدة، لأن الشركات الخاصة أصبحت منهكة وضعيفة ولا يمكنها العمل بمفردها، لذلك يرى أن تحقيق مثل هذا الشرط وتشجيع القطاع الخاص سيكون مهمه شديدة الصعوبة.

يُقدر حجم سوق الأجهزة المنزلية في مصر بنحو 6.42 مليارات دولار
يُقدر حجم سوق الأجهزة المنزلية في مصر بنحو 6.42 مليارات دولار

يواجه المصريون صعوبات كبيرة في الحصول على بعض الأجهزة الكهربائية المنزلية، حيث اضطرتهم أزمة العملات الأجنبية التي كانت متفاقمة منذ أكثر من عام، ولا تزال تلقي بظلالها على الأسعار المرتفعة، إلى الانتظار لفترات قد تصل إلى شهرين، حتى يتمكنوا من استلام أجهزتهم.

وأبلغ مستهلكون في مصر عن صعوبات واجهتهم في شراء بعض الأجهزة الكهربائية المنزلية، حيث يشتكي أحدهم خلال حديث مع موقع "الحرة"، من "عدم التمكن من الحصول على أجهزة مثل التكييف (مكيف الهواء)، إلا بعد شهرين".

ويقول أحد المستهلكين الذين تواصل معهم موقع "الحرة"، وطلب عدم ذكر اسمه في التقرير، إنه "انتظر أكثر من أسبوع بعد التعاقد، حتى يتمكن من استلام وتركيب جهاز التكييف من قبل (شركة) التوكيل".

"وتتراوح مدة استلام وتركيب أجهزة التكييف بين يومين إلى أسبوع، وقد تزيد عن ذلك فيما يتعلق بالأجهزة المستوردة، وذلك منذ التعاقد ودفع قيمة الأجهزة"، حسب ما أفاد تجار تجزئة بقطاع الأجهزة المنزلية لموقع "الحرة".

ويقول تجار تجزئة يعملون في نطاق العاصمة المصرية القاهرة، إن "التركيب والتوصيل خلال مدة بين 48 ساعة وأسبوع، على حسب وقت الطلب ودفع الحساب والتعاقد".

فيما يشير محمود (اسم مستعار)، وهو تاجر تجزئة بمحافظة دمياط شمال شرقي القاهرة، لموقع "الحرة"، إلى أن "بعض الأجهزة المستوردة التي يطلبها الزبون (العميل) يتم استلامها بعد أسبوعين أو أكثر من الوكيل".

ويضيف: "لكن في حال وجود البضاعة في المعرض، يكون التسليم بشكل فوري".

ظلال الأزمة السابقة

ويُقر المسؤولون في اتحاد الغرف التجارية بارتفاع أسعار الأجهزة الكهربائية المنزلية في البلاد، ووجود قوائم انتظار لدى التجار، لكنهم يقولون في اتصالات هاتفية مع موقع "الحرة"، إنه عقب "انتهاء أزمة العملة" التي كانت تؤخر عمليات استيراد الأجهزة الكهربائية ومستلزمات إنتاج المصانع، "بدأت تتراجع الأسعار، رغم أنها لن تصل إلى المستوى الذي كانت عليه قبل عام".

وحسب تاجر تجزئة بمنطقة المهندسين في محافظة الجيزة، يدعى عبد المنعم، وهو أيضا موزع معتمد لإحدى شركات صناعة "مكيفات الهواء"، فإن أسعار أحد أجهزة التكييف (التي تصنع أغلب مكوناتها محليا) وبقدرة 3 أحصنة، تتراوح بين 52200 جنيه و61800 جنيه (1115 – 1320 دولارا)، وهي "أسعار مرتفعة بنسبة تتجاوز 220 بالمئة عما كان سائدا قبل أكثر من عامين، وما يفوق 50 بالمئة عن الأسعار قبل نحو 6 أشهر".

رئيس شعبة الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية بالغرف التجارية، أشرف هلال، يرجع ذلك إلى أن بلاده مرت بأزمة اقتصادية "مثل بقية دول العالم منذ جائحة فيروس كورونا مرورا بالحرب في أوكرانيا، وأخيرا بالحرب في غزة، مما أدى إلى حدوث أزمة في توفر العملة الصعبة للمصانع، وتسببت في نقص المعروض من الأجهزة الكهربائية وارتفاع الأسعار".

ويضيف هلال خلال اتصال هاتفي مع موقع "الحرة"، أن "انخفاض النقد الأجنبي المتاح في السوق، أسهم في تراجع مستلزمات الإنتاج المستوردة من الخارج في المصانع، مما عطل الإنتاج وتسببت في زيادة الأسعار منذ عامين".

لكن مع انتهاء الأزمة منذ مارس الماضي، شهدت السوق "انفراجة"، حيث بدأ توفر البضائع يعود إلى مستوياته الطبيعية، كما تراجعت الأسعار، حسب هلال، الذي يشير إلى "انخفاض بنسبة تتراوح بين 10 و25 بالمئة في الأسعار".

مصر تعاني من تحديات اقتصادية كبيرة (أرشيفية)
تراجع بمليارات الدولارات.. دراسة دولية تضع 3 سيناريوهات للاقتصاد المصري
قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إن مصر تشهد تداعيات في مختلف المجالات وضغوطا اجتماعية واقتصادية نتيجة الحرب الدائرة في غزة، متوقعا انخفاض الناتج المحلي الإجمالي المصري بنسبة تصل إلى 3 في المئة، وتراجع التنمية البشرية لخمس سنوات.

ورغم عدم انخفاض الأسعار بنفس معدل زيادتها، حسب رئيس شعبة الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية، فإن "الارتفاعات الكبيرة التي حدثت الأشهر الماضية، جاءت بفعل سعي الشركات إلى استغلال كامل الحصيلة التصديرية، وكذلك اللجوء إلى السوق الموازية لشراء الدولار بسعر يتراوح بين 60 و65 جنيها، من أجل تغطية احتياجاتهم الاستيرادية من مستلزمات الإنتاج، مما رفع التكاليف وبالتبعية الأسعار".

ويشير تقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء المصري، في مايو الماضي، إلى أن الأزمات الاقتصادية، خاصة "الحرب في أوكرانيا، أثرت على ارتفاع معدلات التضخم عالميا ومحليا، مما أدى إلى تراجع الواردات المصرية من الأجهزة المنزلية العام الماضي".

وتظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، التي أوردها تقرير مركز معلومات مجلس الوزراء، أن حجم واردات السلع الاستهلاكية المعمرة (الأجهزة الكهربائية المنزلية)، تراجع إلى نحو 3.4 مليارات دولار في عام 2023، مقارنة بـ4.2 مليارات دولار عام 2022.

ويؤكد هذا عضو مجلس إدارة شعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، متى بشاي، الذي يقول إن بلاده "بصدد الخروج من الأزمة، حيث إن توفر البضائع وانخفاض الأسعار، سيضبط السوق".

ويضيف بشاي في اتصال مع موقع "الحرة"، أن "الأزمة طالت مختلف السلع، بما في ذلك الأجهزة الكهربائية، حيث ظهرت قوائم انتظار لدى التجار على غرار قوائم انتظار استلام السيارات".

ويتابع: "نعم كانت هناك زيادة في الأسعار ونقص في المعروض، لكن بدأ الوضع يتحسن مع خروج البضائع من الموانئ، ومستلزمات الإنتاج".

ويؤكد بشاي أن "عملية الإفراج الجمركي عن البضائع من الموانئ تمت بوتيرة طبيعية خلال الأسابيع الماضية"، لكنه عاد ليقول إن "هناك بعض المستوردين الذين كانوا يعانون من غرامات كبيرة لم يستطيعوا استلام بضائعهم، وبالتالي أصبحت مهملة وسيتم طرحها في مزادات عامة".

وحسب بيان أصدره مجلس الوزراء المصري، مارس الماضي، وجه رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، وزارة المالية بمصادرة كل البضائع التي رفض أصحابها استلامها انتظارا لانخفاضات أكثر في الدولار، على أن يطبق على هذه البضائع القانون والقواعد الخاصة بالمهمل والرواكد.

فيما تقول وزارة التجارة والصناعة المصرية، في بيان صدر الأسبوع الماضي، إن الحكومة وفرت أكثر من 8 مليارات دولار لتيسير الإفراج الجمركي عن البضائع في الموانئ خلال الأشهر القليلة الماضية.

حجم السوق

يقدر تقرير صادر عن شركة "Mordor Intelligence" للأبحاث، حجم سوق الأجهزة المنزلية في مصر بنحو 6.42 مليارات دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 10.61 مليار دولار بحلول عام 2029.

ويقول التقرير الذي اطلع عليه موقع "الحرة"، إن "مبيعات الأجهزة الرئيسية في مصر شهدت زيادة مستمرة على مر السنين مع زيادة إيرادات السوق. وتعتبر البوتاغازات (مواقد الطهي) والأفران والثلاجات من بين الأجهزة المنزلية التي تحظى بأكبر حصة من إيرادات المبيعات".

وتعد شركات "بوش" الألمانية و"سامسونغ" الكورية الجنوبية و"فريجيدير" الأميركية، من بين الشركات الرئيسية التي تقوم بتصنيع وبيع الأجهزة المنزلية الرئيسية في مصر، وفقا لـ"Mordor Intelligence".

مصر تعاني من تحديات اقتصادية كبيرة (أرشيفية)
نظرة "إيجابية" للاقتصاد.. هل بدأت مصر بتجاوز أزمتها؟
بعد أشهر من تلقي الاقتصاد المصري ضرباتٍ أثّرت على تصنيفه في التقارير الدولية، تحفز صفقات استثمارية وبرامج إقراض دولية تحسين النظرة "الإيجابية" لمصر، فيما يؤكد محللون أن هذا لا يعني أن الدولة تجاوزت الأزمة المالية التي تحوم في الأجواء منذ فترة.

ويشير التقرير إلى أن "محافظات القاهرة، والإسكندرية، والجيزة، والقليوبية، برزت كأكبر المدن المصرية إقبالا على الأجهزة المنزلية، خلال فترة التعافي من الوباء؛ بسبب ارتفاع الإنفاق والدخل بهذه المدن".

وشهدت مبيعات الأجهزة المنزلية عبر الإنترنت بعد الوباء، زيادة كبيرة في البلاد، من خلال قنوات التجارة الإلكترونية والمواقع الإلكترونية المباشرة للمصنعين، لتسجل نحو 5.3 مليارات دولار في عام 2022، مقابل 3.4 مليارات دولار في 2019، حسب "Mordor Intelligence".

إلى أين تتجه الأسعار؟

خلال أبريل الماضي، بلغ معدل التضخم في مصر، التي يعاني ثلث سكانها تقريبا من الفقر، نحو 31.8 بالمئة، وفق ما تظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والذي يوضح أيضا في بيانه الصادر قبل أيام أن أسعار مجموعة الأجهزة المنزلية ارتفعت بنسبة 1.3 بالمئة خلال ذات الشهر.

كما تشير البيانات السابقة الصادرة عن الجهاز إلى ارتفاع أسعار مجموعة الأجهزة المنزلية، في شهور يناير وفبراير ومارس من عام 2024، بنسب 2.5 بالمئة و7.4 بالمئة و1.6 بالمئة على الترتيب.

وحسب تقرير نشرته صحيفة "المصري اليوم"، السبت، فإن أسعار الأجهزة المنزلية "انخفضت بشكل كبير".

لكن وفقا للأسعار التي تضمنها التقرير، فهي تتجاوز الحد الأدنى الشهري للأجور في مصر البالغ 6000 جنيه (128 دولارا). وبالإضافة إلى ذلك، تشكل أسعار بعض الأجهزة نسبة قد تصل إلى 36 بالمئة من نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي السنوي لمصر خلال عام 2024، والذي يقدره صندوق النقد الدولي بنحو 3220 دولار.

ووفق الصحيفة، تبدأ أسعار بعض أجهزة التلفاز من 9 آلاف جنيه (192 دولارا) وتتراوح أسعار البوتاغاز (الموقد) في بعض الشركات بين 8000 إلى 16000 جنيه (171-342 دولارا).

كما تتراوح أسعار الثلاجات (المبردات) بين 7000 و32000 جنيه (150-684 دولارا)، وأسعار "الغسالات الأتوماتيكية" بين 20000 و55000 جنيه (427-1175 دولارا)، وفق "المصري اليوم".

وخلال حديثه، يشدد هلال على ضرورة تراجع الأسعار خلال الفترة المقبلة "مع انتهاء الأزمة وقوائم انتظار المستهلكين، بعد الإفراج عن مستلزمات الإنتاج"، إذ يقول: "مع توفير هذه المستلزمات، لن تكون هناك قوائم انتظار بالنسبة للمستهلكين".

ومع ذلك، يثير المستهلكون شكوكا حول إمكانية انخفاض الأسعار أو القضاء على قوائم الانتظار، حيث يقولون إنهم "لم يعتادوا انخفاض أسعار أي سلعة في السوق بعد ارتفاعها".

ويوضح بشاي أن "الأسعار لن تنخفض إلى المستوى الذي كانت عليها منذ أكثر من عام، لكنها لن تكون مرتفعة أيضا مقارنة بالأسعار التي كانت قبل شهرين".

ويتابع: "هناك علاقة بين ارتفاع الدولار في السوق وأسعار الأجهزة المنزلية المستوردة، فقبل أكثر من شهرين كان السعر الرسمي عند 31 جنيها، والآن بعد التعويم يدور حول 46 و48 جنيها، فبالتالي من الطبيعي أن ترتفع الأسعار، لكنها لن تظل مرتفعة مثل ما كانت عليها قبل 3 أشهر خلال الأزمة".

وفي السادس من مارس الماضي، سمح البنك المركزي المصري بانخفاض قيمة الجنيه بأكثر من 60 بالمئة، لتنفيذ إصلاح اقتصادي طالما طالب به صندوق النقد الدولي القاهرة، منذ الاتفاق على برنامج تمويلي قبل عام ونصف العام تقريبا.

واقترب سعر الدولار في السوق المحلية من مستوى 50 جنيها في مارس الماضي، بعد هذه الخطوة، قبل أن يتراجع طفيفا منذ ذلك الحين مع تزايد التدفقات بالعملة الأجنبية على البلاد، بما في ذلك 35 مليار دولار استثمارات من شركة القابضة (إيه.دي.كيو) -وهي صندوق سيادي تابع لحكومة أبوظبي- لتنمية منطقة "رأس الحكمة" على البحر المتوسط بشمال غرب البلاد.

وإثر لك، وصلت "العملة الخضراء" إلى مستوى 46.8 جنيه للدولار الواحد، في ختام تعاملات الأسبوع الماضي، وفق بيانات البنك المركزي.

والأسبوع الماضي، تسلمت مصر، 14 مليار دولار من الإمارات قيمة الدفعة الثانية من صفقة رأس الحكمة، وفق بيان صادر عن مجلس الوزراء، مما يعتبره بشاي "دفعة نحو تراجع سعر الدولار في السوق، ومن ثم تراجع أسعار الأجهزة المنزلية المستورد".

ويقول عضو مجلس إدارة شعبة المستوردين: "الأموال التي تسلمتها الحكومة من صفقة رأس الحكمة، ستحدث نوع من التراجع في العملة، وتزيد من توافرها بشكل أفضل حتى تتحسن الأسعار".

ويطمح رئيس شعبة الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية بالغرف التجارية إلى تحقيق "انخفاض في الأسعار يصل إلى 30 بالمئة، وذلك بدعم من مبادرات وعروض وخصومات الشركات في السوق المحلية".

في المقابل، يلفت بشاي إلى أن "توفير العملة الأجنبية بسعر مناسب للمستوردين، يعني بيع الأجهزة بسعر مناسب للمستهلكين. وإذا حدث تغيير في سعر الصرف، بالتأكيد سيؤدي ذلك إلى زيادة جديدة في الأسعار".

ويتابع بشاي: "أسعار السلع المستوردة ترتفع بالتبعية مع ارتفاع العملة في السوق".