استمرار الضغط على الدولار مع تواصل المناقشات حول سقف الدين بالولايات المتحدة
استمرار الضغط على الدولار مع تواصل المناقشات حول سقف الدين بالولايات المتحدة

استمرت هيمنة الدولار الأميركي لعقود على المعاملات التجارية وشبكات التمويل واحتياطات البنوك المركزية حول العالم، إلا أن بعض الدول بدأت تجد طرقا للتهرب منه باستخدام عملات أخرى، ومع ذلك، من المتوقع أن يظل في الفترة المقبلة العملة المهيمنة في العالم رغم تلك المحاولات، وفق مجلة إيكونوميست.

وتشير بيانات نشرتها دراسة لصندوق النقد الدولي إلى أن الدولار يهيمن "على النظام المالي العالمي والتجارة العالمية"، فيما يرجح استمرار احتفاظه بـ"الهيمنة كعملة للاحتياطي" الأجنبي في الدول المختلفة حول العالم.

ولم تؤثر التحولات الهيكلية التي شهدها "النظام النقدي الدولي" طيلة العقود الماضية على "هيمنة الدولار الأميركي"، فيما تشير وزارة الخزانة الأميركية إلى أن حصة الدولار من "الاحتياطيات لا تزال نفسها منذ ثلاثة عقود.. وبقيت أعلى من 50 في المئة" من مجمل الاحتياطيات الأجنبية حول العالم.

ومع ذلك، فإن معدلات التضخم المرتفعة، والتوترات السياسية، والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على دول مثل روسيا تسببت، مؤخرا، في زيادة أصوات المتشككين في الدولار مرة أخرى، وفق المجلة.

وتقول إنه فضلا عن الدعوات المتزايدة لتنفيذ معاملات تجارية بعملات غير الدولار، أثار ارتفاع أسعار الذهب وانخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية أصوات متشككين آخرين، قد يشيرون إلى مقولة وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، التي قالت إن استخدام العقوبات بمرور الوقت "يمكن أن يقوض الهيمنة".

ومع ذلك، فإن تشكيكات هؤلاء "منفصلة عن الواقع" لأن العملة الأميركية لاتزال قوة جذب قوية في الاقتصاد العالمي ولم تضعف حتى لو ظهرت عقبات حقيقية أمام تفوقها، فنحو ثلث إلى نصف الفواتير التي يتم تحريرها لمبادلات التجارة العالمية تتم بالدولار، وهي نسبة ظلت مستقرة نسبيا.

كما أن نحو 90 في المئة من معاملات الصرف الأجنبي تتم بالدولار، وحوالي نصف الديون عبر الحدود مقومة بالدولار. 

ورغم أن حصة الدولار من احتياطيات البنوك المركزية قد انخفضت، فهي لا تزال تمثل حوالي 60 في المئة منها.

ولا توجد أي علامة على حدوث تغيير جذري في الآونة الأخيرة، باستثناء أن البنوك المركزية أعادت تقييم محافظها المالية لمراعاة تحركات أسعار الصرف وأسعار الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة.

ولا توجد عملة أخرى تتمتع بجاذبية هذه العملة من ناحية توفير أصول آمنة للمستثمرين، فمنطقة اليورو هشة، ولا يمكن للصين أن تلبي الطلب العالمي على الأصول الآمنة طالما أنها تسيطر بشدة على تدفقات رأس المال وتدير فوائض الحساب الجاري. 

والدولار، بصفته العملة المهيمنة، يستفيد من فكرة أن الناس يريدون التعامل بالعملات التي يستخدمها الجميع.

ومع ذلك، تقول إيكونوميست إنه رغم أن الدولار "لايزال ملكا"، إلا أن أولئك الذين يريدون التهرب منه يجدون طرقا للقيام بذلك، مثل روسيا التي رغم تضررها من العقوبات، لم يتعرض اقتصادها للشلل، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن 16 في المئة من صادراتها تُدفع الآن باليوان.

وفي الصين، ينمو نظام بديل لنظام "سوفيت"، وهناك تحول سريع لزيادة المعاملات التجارية باليوان.

ويمكن لتقنيات المدفوعات الرقمية الجديدة، والعملات الرقمية للبنوك المركزية، أن تجعل من السهل حتى الآن نقل الأموال حول العالم دون تدخل أميركي.

ولم تفرض واشنطن عقوبات على دول مثل الهند التي لاتزال تقيم معاملات تجارية مع روسيا رغم العقوبات، لأنها تخشى رد الفعل العكسي الذي قد ينتج عن ذلك. 

وعلى الرغم من أن التحول إلى نظام متعدد الأقطاب للعملات ليس وشيكا، فإنه قد يحدث في وقت لاحق من هذا القرن، إذا انخفضت نسبة حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي. 

لكن مثل هذا النظام "سيكون أقل استقرارا من نظام يتمحور حول الدولار، لذلك لن يكون من مصلحة الولايات المتحدة، ولا العالم، تسريع هذا التحول.

الأمير محمد بن سلمان عين ياسر الرميان في 2015 ليكون محافظا لصندوق الاستثمارات العامة
الأمير محمد بن سلمان عين ياسر الرميان في 2015 ليكون محافظا لصندوق الاستثمارات العامة

من تقليل مسؤوليات محافظه إلى تقليص بعض المشاريع الكبرى ومراجعة النفقات عالية الكلفة، يهدف صندوق الاستثمارات العامة السعودي لإعادة تنظيم أولوياته خلال المرحلة المقبلة، وهي خطوة طبيعية في ظل التغيرات الاقتصادية الحاصلة حول العالم، وفقا لخبراء سعوديين.

وكانت وكالة رويترز نقلت عن مصادر مطلعة القول إن الصندوق، الذي يدير أصولا تصل قيمتها إلى نحو 925 مليار دولار، يدرس إعادة تنظيم من شأنها أن تشهد تحمل بعض المديرين بعض المسؤوليات الداخلية لمحافظ الصندوق ياسر الرميان.

أين ذهبت عشرات المليارات؟.. صندوق الثروة السعودي "الأكثر نشاطا" بالعالم
أظهر تقرير جديد، نشر الاثنين، أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي، صندوق الثروة السيادي في البلاد، أنفق نحو ربع المبالغ التي أنفقتها صناديق الثروة السيادية في أنحاء العالم، العام الماضي، والبالغة 124 مليار دولار تقريبا

وأضافت المصادر أن صندوق الاستثمارات العامة يهدف أيضا لزيادة تركيزه على الاستثمارات التي لها فرصة نجاح كبيرة، وذلك بعد تقليص بعض "المشاريع الكبرى" بسبب تزايد التكاليف.

بالإضافة لذلك يعمل الصندوق على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى بعض المشروعات ومراجعة بعض النفقات منها تلك الموجهة إلى مهام استشارية عالية التكلفة.

ووفقا للمصادر التي نقلت عنها رويترز فإن المناقشات حول هذه المسائل لا تزال مستمرة، وأن توقيت القرار المحتمل غير واضح.

وفي الوقت الذي لم يصدر بعد أي تعليق رسمي من قبل السلطات السعودية أو صندوق الاستثمارات العامة، يرى خبراء ومحللون سعوديون أن هذه الخطوات لو تمت فإنها "طبيعية" وتدخل ضمن مساعي "إعادة هيكلته".

يقول الخبير الاقتصادي فهد بن جمعة إن الصندوق "استثمر في شركات كبيرة ومشروعات مهمة عجز القطاع الخاص عن الاستثمار فيها".

ويضيف بن جمعة، وهو عضو سابق في لجنة الاقتصاد والطاقة في مجلس الشورى السعودي، أن الصندوق ساهم بشكل كبير في "دعم الاقتصاد غير النفطي وساهم في تحقيق نمو قدره أربعة في المئة من الإيرادات غير النفطية".

ويرى بن جمعة في اتصال مع موقع "الحرة" أن صندوق الاستثمارات العامة "رتب الأولويات لتخدم الاقتصاد والمواطن من ناحية التوظيف"، مبينا أن "رأس ماله ارتفع من حوالي 150 مليار في عام 2015 إلى ما يقرب من 825 مليار دولار اليوم وسبب هذا كله هو الاستثمارات".

ويلفت بن جمعة إلى أن "هناك تغيرات تحدث في الاقتصاد وبالتالي فإن خطط واستراتيجيات الصندوق مرنة، كلما تغيرت الظروف الاقتصادية كلما رتب الأولويات من جديد وراعى هذه المتغيرات من أجل خفض أي مخاطرة في الاستثمار وتحقيق أكبر عوائد ممكنة".

وتنفذ المملكة بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان استراتيجية تهدف إلى تنويع مصادر النمو الاقتصادي للبلاد بعيدا عن صادرات النفط والغاز، أطلق عليها رؤية 2030، تخطط في إطارها لزيادة الإنفاق من أجل دفع النمو الاقتصادي ودعم الناتج المحلي غير النفطي.

ويعد الصندوق الأداة الرئيسية لتنفيذ خطة ولي العهد لتقليل اعتماد الاقتصاد السعودي على إيرادات النفط، ويمتلك محفظة واسعة من الاستثمارات تمتد من مزارع التمر إلى المجموعات العملاقة متعددة الجنسيات.

وضخ ولي العهد مئات المليارات من الدولارات عبر الصندوق في مشاريع منها نيوم، وهو مشروع تنمية عمرانية وصناعية ضخم يعادل تقريبا مساحة دولة بلجيكا، ومن المقرر تشييده على طول ساحل البحر الأحمر. إلا أن المملكة قلصت طموحاتها في هذا المشروع وسط تحركات للبحث عن مصادر لتمويل مشاريع البناء المخطط لها.

السعودية تتراجع عن طموحاتها في مشروع الـ 1.5 تريليون دولار.. ومقاولون يفصلون العمال
قلصت المملكة العربية السعودية طموحاتها المتعلقة بمشروع "نيوم"، الذي يعد الأكبر ضمن خطط ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الرامية لتنويع اقتصاد البلاد بعيد عن النفط، وفقا لما نقلت وكالة "بلومبرغ" عن أشخاص مطلعين على الأمر.

وتقول المستشارة في التنمية الاقتصادية نوف الغامدي إن الصندوق يجري بين فترة وأخرى إعادة هيكلة لمهامه وأسلوبه الإداري، خاصة وأن الاستثمارات فيه أصبحت كبيرة جدا".

وتضيف الغامدي في حديث لموقع "الحرة" أن "أنشطة الصندوق باتت كبيرة وتشمل مجالات مختلفة، وخاصة الترفيه والألعاب"، مشيرة إلى أن الصندوق يركز في المرحلة المقبلة على "جذب المستثمرين الأجانب وتفعيل التبادل التجاري والشراكات البينية مع الدول".

الغامدي لفتت إلى أن "المملكة أعلنت منذ إطلاق رؤية 2030 أنه ستكون هناك مراجعة للمبادرات والبرامج، وتعاد هيكلتها بناء على المتغيرات الجديدة وتغيير حجم الأنشطة بالشكل الذي يتناسب مع المنجزات التي يتم الوصول إليها".

وستمثل التغييرات المتوقعة أكبر تغيير في الإدارة منذ أن قام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتعيين الرميان في عام 2015 بتفويض لدفع برنامج التحول الاقتصادي "رؤية 2030" باستخدام الأموال الضخمة لصندوق الاستثمارات العامة.

ومنذ ذلك الحين، أطلق الصندوق أو استثمر في شركات سعودية، لإنشاء شركات وطنية رائدة في قطاعات تتراوح من الخدمات المالية إلى الطيران والسياحة والصناعة.

كان الرميان رئيسا تنفيذيا لوحدة الخدمات المصرفية الاستثمارية في أحد البنوك المحلية، وقد جعله دوره في صندوق الاستثمارات العامة أحد أشهر مسؤولي الاستثمار في العالم وواحدا من أكثر الأشخاص نفوذا في المملكة العربية السعودية.

الرميان يعد واحدا من أكثر الأشخاص نفوذا في المملكة العربية السعودية

وهو عضو في مجالس إدارة العديد من الشركات التي يستثمر فيها صندوق الاستثمارات العامة، بما في ذلك المجموعة الهندية ريلاينس إندستريز، وتم تعيينه رئيسا لشركة النفط السعودية العملاقة أرامكو في عام 2019.

ويبين فهد بن جمعة أن "الرميان لديه العديد من الموظفين الكبار الذين يساعدونه، وبالتالي هذه التغييرات تواكب الفترة الحالية، خاصة إذا ما نظرنا لأحوال الاقتصاد العالمي".

ويتابع بن جمعة: "لا بد أن يواكب الصندوق هذه التغيرات من أجل تحقيق أكبر عوائد وخفض المخاطرة سواء حاليا أو مستقبلا".