خط السكك الحديدية في إيران سيكون بين رشت وأستارا
خط السكك الحديدية في إيران سيكون بين رشت وأستارا

وقعت موسكو وطهران، الأربعاء، اتفاقا لتشييد خط للسكك الحديدية، والذي سيكون جزء من "ممر نقل دولي" يربط بين الشمال والجنوب، والذي ينظر إليه كمعبر للتجارة العالمية ينافس قناة السويس المصرية، وفق ما تقول روسيا.

وسيربط خط السكك الحديدية الجديدة بين مدينتي رشت وأستارا الإيرانيتين، وهو جزء من رابط مهم في الممر الدولي الذي يهدف للربط بين الهند وإيران وروسيا وأذربيجان ودول أخرى عن طريق السكك الحديدية والبحر.

فهل سينافس قناة السويس؟

قلل محللون اقتصاديون من تأثير سكة الحديد المزمع إنشائها كجزء من ممر دولي على حركة التجارة التي تعبر من قناة السويس، مشيرين إلى أنها لن تكون في أي حال من الأحوال "بديلا عن قناة السويس".

وأشاروا في حديث لموقع "الحرة" إلى أن هناك العديد من العوامل التي تقلل من جاذبية مثل هذا الممر الدولي الذي يقال إنه سيربط "الشمال بالجنوب"، أبرزها العقوبات الدولية على إيران وروسيا.

وتمر عبر "قناة السويس" الممر الملاحي الذي يريط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، قرابة 10 في المئة من إجمالي حركة التجارة البحرية الدولية. 

وشهد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ونظيره الإيراني، إبراهيم رئيسي، عبر الفيديو، الأربعاء، توقيع اتفاق لتمويل وإنشاء خط السكك الحديدية.

وعلق نائب المتحدث باسم الخارجية الأميركية، فيدانت باتيل، في مؤتمر صحفي، الأربعاء، بالقول إن "أي مشروع لتفادي العقوبات أمر مقلق بالنسبة لنا".

"مشاريع سياسية بقالب اقتصادي"

العديد من العوامل تقلل من جاذبية الممر الدولي الذي تشترك فيه إيران وروسيا

الخبير الاقتصادي، وائل نحاس، قال إن هذه ليست المحاولة الدولية الأولى التي تسعى فيها أطراف دولية من أجل أخذ حصة من حركة التجارة التي تمر بقناة السويس.

ويشرح في اتصال هاتفي مع موقع "الحرة" أن هناك العديد من المشاريع مثل "ميناء جيهان التركي" و"قناة بن بن غوريون الإسرائيلية" و"مشروع إيران لشبك الخليج الفارسي بشبه القارة الهندية"، والتي تهدف جميعا إلى الحصول على جزء من حركة التجارة التي تعبر قناة السويس.

وقال الرئيس الروسي إن "مسار النقل الفريد بين الشمال والجنوب، والذي سيصبح خط السكك الحديدية بين رشت وأستارا جزءا منه، سيساهم في تنويع تدفقات حركة النقل العالمية بشكل كبير".

وأضاف أن خط السكك الحديدية بطول 162 كيلومترا على طول ساحل بحر قزوين سيساعد في ربط الموانئ الروسية على بحر البلطيق بالموانئ الإيرانية المطلة على المحيط الهندي والخليج.

ويرى الخبير النحاس أن جميع هذه المشاريع "في جوهرها سياسي وإن كانت مغلفة بطابع اقتصادي، بينما الميزة المضافة الهامة التي تعظم من أهمية قناة السويس أنها لا تحمل أي طابع سياسي، وهي تقدم معبرا وطريقا هاما لحركة النقل البحري الآمن بعيدا عن أي تهديدات أو حالة عدم استقرار تعكر صفو النقل البحري مثل ما يحدث في مضيق هرمز".

وتشكل عائدات قناة السويس التي بلغت 8 مليارات دولار عام 2022، مصدرا رئيسيا للنقد الأجنبي في مصر التي تعاني من شح في العملة الأجنبية.

قناة السويس

ويتابع النحاس أن سكة الحديد التي يتحدث عنها الروس والإيرانيون قد تخدم عمليات النقل للبضائع والسلع بين روسيا وإيران، خاصة في ظل وجود "العقوبات الدولية على موسكو وطهران"، والتي ستجعل الدول أو شركات النقل الكبرى "تحجم عن نقل بضائعها عبر سكة حديد قد تجعل بضائعهم عرضة للعقوبات والغرامات والحظر".

ويرى النحاس أن هذه الدول "تحاول الخروج من حالة الحصار الاقتصادي الدولي المفروضة عليها، ولكنها قد تحتاج إلى سنوات طويلة لتصل إلى ما تصبوا إليه من حرية اقتصادية، والتي ستبقى محصورة في تعاملات بينية مع دول تحت العقوبات الدولية أيضا".

وقالت هيئة قناة السويس في يناير إن القناة سجلت في 2022 "أعلى معدل عبور سنوي للسفن العابرة بعبور 23851 سفينة، وأعلى حمولة صافية سنوية قدرها 1.4 مليار طن".

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنسبة 25 في المئة بالمقارنة مع العام 2021.

"العقوبات الدولية"

مدخل قناة السويس من أعلى

المحلل الاقتصادي، عامر الشوبكي، يرجح أن "مشروع سكة الحديد الإيرانية – الروسية لن يكون مجديا مع وجود العقوبات الدولية على البلدين، والتي ستفرض نوعا من الضوابط على حركة التجارة التي قد تعبر من خلاله".

ويقول في حديث لموقع "الحرة" إنه "لو لم تكن هناك عقوبات دولية، وفي وضع طبيعي قد يستحوذ على حصة تصل إلى 25 في المئة من حركة التجارة التي تتم عبر قناة السويس، خاصة فيما يرتبط بحركة البضائع التي تستهدف الوصول لأقصى مناطق الشمال أو الجنوب".

ويستطرد الشوبكي أن "روسيا في ظل ما تعانيه من عقوبات وتضييق دولي عليها، تحاول إحياء مشاريع قديمة لزيادة نفوذها في الاقتصاد العالمي من خلال محاولة السيطرة بشكل أكبر على ممرات التجارة الدولية، مثل مشروع سكة الحديد هذا أو حتى إحياء الممر البحري عبر الجليد للتجارة مع الصين".

ودفعت العقوبات الغربية المفروضة على كل من روسيا وإيران البلدين لتعزيز علاقاتهما السياسية والاقتصادية. وتقول الدولتان إن العقوبات غير مبررة، بحسب وكالة رويترز.

ومنذ ثورة عام 1979 التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من الولايات المتحدة من السلطة، نبذ الغرب إيران وأصاب الشلل اقتصادها بسبب عقوبات عديدة مفروضة عليها. ولديها نحو ربع احتياطيات النفط في الشرق الأوسط.

كما فرض الغرب مجموعة أخرى من القيود على برنامج إيران النووي، وفرض عقوبات على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا.

في واشنطن قال متحدث باسم البيت الأبيض الثلاثاء إن إيران وروسيا "تزيدان تعاونهما العسكري بشكل غير مسبوق".

وأشار جون كيربي المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بشكل خاص إلى رغبة موسكو في الحصول على مسيرات إيرانية أكثر تطورا بعد أن تسلمت أكثر من 400 طائرة بدون طيار منذ أغسطس معظمها من نوع شاهد.

واعتبرت طهران مرارا الاتهامات المتعلقة بإمداد روسيا بالسلاح "لا أساس لها" مؤكدة أنها ليست طرفا في هذا النزاع.

"موسكو تبحث عن مناطق نفوذ"

صورة أرشيفية لحاوية شحن تمر عبر قناة السويس بمصر في 15 فبراير 2022

الباحث في الشؤون الإقليمية في مركز الأهرام للدراسات، سامح راشد، يرى أن هذا مشروع سكة الحديد الإيرانية-الروسية "قد يخدم حركة التجارة في النصف الشرقي من الكرة الأرضية، ولن يؤثر كثيرا سلبا ولا إيجابا على الممرات الملاحية والتجارة المتبادلة بين الشرق والغرب، أكان عبر قناة السويس أو غيرها".

وزاد أنه في حال إنشاء سكة الحديد هذه "قد تتراجع أهمية قناة السويس بالنسبة لروسيا، فهي حاليا بوابة عبور روسي إلى غرب آسيا وقارة إفريقيا، وحال إتمام المشروع المقترح مع إيران، ستتراجع أهمية القناة للتجارة الروسية القادمة من والمتجهة إلى إفريقيا وغرب آسيا"، بحسب ما قال لموقع "الحرة".

واعتبر أن هذا الموضوع ينطوي تحت "مسألة مهمة اقتصادية وجيواستراتيجية في ظل رغبة موسكو في إيجاد منطقة نفوذ ونقاط تمركز لها في شرق إفريقيا، وهو السبب الذي دفعها إلى استئجار جزيرة سواكن السودانية، ناهيك عن زيادة حضورها السياسي ومحاولات لعب دور في بحر العرب ومدخل البحر الأحمر".

وتهدف موسكو وطهران الخاضعتين لعقوبات كبيرة تفرضها الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الانتهاء من مشروع الممر بين الشمال والجنوب، وهو شبكة من الطرق البحرية والسكك الحديد والطرق البرية للسماح للبضائع الروسية بالوصول إلى المحيط الهندي دون المرور عبر الممرات البحرية الغربية وقناة السويس.

وقال بوتين الأربعاء "سيكون لنقل البضائع عبر الممر الجديد ميزة تنافسية كبيرة. وبالتالي فإن تسليم البضائع من سانت بطرسبرغ في روسيا إلى بومباي في الهند سيستغرق حوالي 10 أيام. للمقارنة تستغرق الرحلة عبر الطرق التجارية التقليدية 30 إلى 45 يوما".

وقد دشنت قناة السويس في العام 1869، وتم توسيعها وتحديثها مرات عدة، حيث شارك ربع الشعب المصري آنذاك في حفرها وتوفي منهم 120 الفا، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.

وشهدت القناة قرارا تاريخيا في عام 1956 بتأميم قناة السويس، حينما أعلن عن ذلك الرئيس المصري الأسبق، جمال عبدالناصر، الممر المائي الذي كانت تديره بريطانيا وفرنسا.

قناة السويس

وكان مصر قد زادت من السعة الاستيعابية لقناة السويس، بحفر "قناة السويس الجديدة" خلال عامي 2014-2015.

ومشروع قناة السويس الجديدة هو أحد "المشاريع الضخمة" التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي والتي رصدت لها الحكومة تمويلات كبيرة في السنوات الأخيرة.

وهذا الممر الموازي للممر الأساسي للقناة تم حفره في عامي 2014 و2015 وهو مذاك يسهل عبور السفن ويقلل من الوقت الذي تستغرقه حركة الملاحة في القناة.

السودان يعيش حربا أهلية منذ منتصف أبريل الماضي
امرأة تفرز الحبوب في سوق في القضارف، شرق السودان،

شكلت الحرب الدائرة في السودان منذ 10 أشهر ضربة قاضية للاقتصاد السوداني الذي كان أصلا مستنزفا بعد سنوات من الحروب والعزلة، مع استمرار إغلاق المصارف وتوقف حركة الاستيراد والتصدير وانهيار قيمة العملة المحلية.

واندلعت المعارك في البلاد منتصف أبريل من العام الماضي بين الجيش بقيادة، عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة، محمد حمدان دقلو، حيث  خلفت الآف القتلى.

كما أدى القتال إلى نزوح أكثر من 10 ملايين سوداني داخل البلاد وإلى دول الجوار. 

وكان رجل الأعمال السوداني، أحمد الخير (اسم مستعار)، الذي يعمل في تصدير الصمغ العربي قد خزن قبل الحرب، كمية كبيرة من الصمغ جنوب الخرطوم من أجل تصديرها.

وقال لوكالة فرانس برس: "دفعت لإخراج كمية الصمغ من العاصمة أموالا كثيرة لأفراد من قوات الدعم السريع. وعند وصولي إلى منطقة سيطرة الحكومة طُلب مني دفع رسوم أخرى".

وتحمل أحمد الخير هذه الرسوم من أجل نقل بضاعته إلى مدينة بورتسودان في الشرق، حيث الميناء الوحيد العامل في البلاد، قائلا: "طلبت مني السلطات المحلية في بورتسودان رسوما جديدة، كما تضاعف إيجار المخازن 6 مرات".

ويُستخلص الصمغ من عصارة صلبة مأخوذة من شجرة الأكاسيا، وهو مستحلب ذو أهمية كبيرة يُستخدم في صناعات شتى، من المشروبات الغازية إلى العلكة مرورا بالمستحضرات الصيدلانية.

والسودان في صدارة البلدان المنتجة للصمغ، ويستحوذ على حوالى 70 بالمئة من تجارته العالمية، بحسب الوكالة الفرنسية للتنمية.

ورغم كل هذه التكلفة وإيصال البضاعة إلى المدينة السودانية المطلة على البحر الأحمر، لم تكف أموال رجل الأعمال السوداني لإتمام عملية التصدير. وقال: "لم أستطع تصدير الصمغ حتى الآن".

"وسط ظروف صعبة".. حقيقة تصريح البرهان عن ديون للجيش على الحكومة
بعد مرور نحو عشرة أشهر على اندلاع النزاع المدمر في السودان، تداولت صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تصريحا منسوبا لقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، يتحدث عن ديون للجيش على الحكومة بقيمة مليار و400 مليون دولار، بما يوحي بأنه يرغب بتحميل الحكومة المدنية تكاليف الحرب التي تخوضها قواته مع قوات الدعم السريع منذ أبريل الماضي.

وأفاد تقرير لهيئة الموانئ السودانية بتراجع حجم الصادرات والواردات في العام 2023 بنسبة 23 بالمئة، مقارنة بالعام السابق له.

"غياب الدولة"

ولا تتوقف التعقيدات عند هذا الأمر، إذ زادت معاناة المصدرين بشكل عام إثر قرار من وزارة المالية السودانية برفع قيمة "الدولار الجمركي"، أي مؤشر تعرفة الجمارك في حال تذبذب أسعار الصرف، ليسجل 950 جنيها بدلا من 650 جنيها. 

وقال الرئيس السابق للغرفة التجارية السودانية، الصادق جلال، "هذا القرار بمثابة تدمير للاقتصاد".

وانخفضت قيمة العملة المحلية السودانية مقابل الدولار الأميركي منذ اندلاع الحرب ليسجل سعر صرف الدولار حاليا 1200 جنيه مقابل 600 جنيه في أبريل الماضي.

كما أدت الحرب إلى توقف 70 بالمئة من فروع المصارف في مناطق القتال، بحسب تقرير لبنك السودان المركزي، و"تم نهب ممتلكات وأصول وموجودات البنوك".

وقال المحلل الاقتصادي السوداني، محمد شيخون، إن "الحرب زادت من قتامة وضع القطاع المصرفي السوداني الذي يعاني بالفعل من مشكلات هيكلية".

وللعام الثاني على التوالي، لا تقر موازنة الدولة في السودان، حيث يرى الخبير الاقتصادي، هيثم فتحي، أن ما يحدث "يعكس الغياب التام للدولة السودانية، ما يؤثّر على الاقتصاد بكل قطاعاته". 

مشروع الجزيرة

وأفاد صندوق النقد الدولي في تقرير الشهر الماضي بأن "الصراع في السودان أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، كما توقف النشاط الاقتصادي في أجزاء كبيرة من البلاد، ما ساهم في استمرار معدلات النمو السالبة عقب الانكماش الحاد الذي شهده عام 2023".

وكانت المؤسسة المالية الدولية توقعت انكماش اقتصاد السودان لعام 2023 بنسبة 18 بالمئة.

ومع توسع الحرب إلى ولاية الجزيرة في وسط السودان، والتي تضم أحد أكبر المشروعات الزراعية في القارة الأفريقية على مساحة مليوني فدان، تراجعت المساحة الزراعية في البلاد لتصبح المحاصيل المزروعة تغطي مساحة 37 في المئة فقط من إجمالي الأراضي المهيئة للزراعة، بحسب تقرير أعده مركز "فكرة" السوداني للدراسات والتنمية.

وأوضح المحلل الاقتصادي السوداني، محمد الناير، أن "امتداد العمليات العسكرية إلى ولاية الجزيرة أثر على  الإنتاج الزراعي في البلاد". 

وحذر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، الأربعاء، من أن الحرب  في السودان دفعت البلاد إلى "شفير الانهيار"، إذ تعاني الغالبية العظمى من السكان من الجوع.

وقال مدير برنامج الأغذية العالمي في السودان، إيدي رو، لصحفيين في بروكسل، "في هذه المرحلة، أقل من 5 بالمئة من السودانيين يستطيعون تأمين وجبة كاملة في اليوم".