تتفاقم الأزمات الاقتصادية حول العالم نتيجة عوامل عديدة، الأمر الذي ينعكس سلبا على النمو الاقتصادي وفرص العمل، وخاصة في الدول النامية، التي تتأثر بشكل أكبر من الدول الصناعية والمتقدمة.
وتقول منظمة العمل الدولية إن هناك أزمات متفاقمة تحطم آفاق التوظيف في البلدان النامية، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن أبرز هذه الأزمات وكيفية تأثيرها على نسب البطالة، إضافة إلى الحلول الممكنة لمواجهتها.
ويجمع خبراء في علم الاقتصاد أن أزمة البطالة ليست وليدة اللحظة، وقد تفاقمت مع بداية جائحة كورونا عام 2020، وبداية الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، بالإضافة إلى عوامل أخرى تساهم بارتفاع نسب العاطلين عن العمل.
وحذرت المنظمة من أن مستويات الديون المتصاعدة بسبب ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة، قد أحبطت جهود الباحثين عن عمل في البلدان النامية.
وفي النسخة الـ11 من تقرير "مراقبة عالم العمل" الذي نشرته، الأربعاء، أظهرت المنظمة التفاوت الكبير بين الدول، حيث تبلغ نسبة الأشخاص الراغبين في العمل والعاطلين عنه 8.2 في المئة فقط في البلدان ذات الدخل المرتفع، فيما يصل هذا الرقم إلى أكثر من 21 في المئة في البلدان منخفضة الدخل.
وجاء ذلك وفقا لمؤشر جديد طورته المنظمة يسمى "فجوة الوظائف" والذي يشير إلى أولئك الذين يرغبون في العمل ولا يعملون، وهو يقدم مقياسا أكثر شمولا للطلب على العمالة الذي لا تتم تلبيته، خاصة في البلدان النامية.
وتنعكس الأزمات الاقتصادية سلبا على إمدادات الطاقة والأمن الغذائي، الأمر الذي يساهم بارتفاع أسعار النفط والأغذية. وتعاني الدول النامية التي تعتمد على استيراد النفط والغذاء من التضخم ومن ارتفاع الأسعار، وهو ما يزيد من مخاطر الجوع ويوسع رقعة الفقر ويزيد من نسب البطالة، خاصة في ظل غياب سياسات حكومية لمعالجتها.
تفاقم الأزمات
ويرى المحلل والخبير الاقتصادي، رضا الشكندالي، أن "الأزمات بدأت تتفاقم مع جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية".
ويقول الشكندالي في حديثه لموقع "الحرة" إن "هذه الأزمات أحدثت تقلبات على مستوى الأسعار العالمية للمواد الأولية والنفط، وأدت إلى ارتفاع معدلات التضخم المالي، خاصة في الدول التي تورد (تصدر) هذه المواد".
وأضاف أن "هناك صعوبات على مستوى التزود بالمواد الأولية والتجهيزات بالنسبة للشركات والمؤسسات، وذلك أدى لخفض في الإنتاج، وهذا كان له تأثير على ارتفاع معدلات البطالة".
وأوضح أن "التضخم المالي خاصة في الدول النامية يؤثر على ارتفاع تكاليف الاستيراد من قبل المؤسسات والشركات (...) مما يضطرها لخفض الإنتاج، وهذا ينعكس على معدلات البطالة في هذه الدول".
وأشار الشكندالي إلى أن "ارتفاع نسبة الفائدة في السوق النقدية يحدث إشكالات على مستوى تمويل الاستثمار، وبالتالي ينخفض الاستثمار وينخفض النمو، وهذا ينعكس أيضا على معدلات البطالة".
ووجد التقرير أن البلدان منخفضة الدخل التي تعاني من ضائقة ديون هي الأكثر تضررا، حيث أن أكثر من واحد من كل أربعة أشخاص ممن يرغبون في العمل غير قادرين على الحصول عليه.
كما أكد التقرير أن أزمة الديون تقوض من قدرة البلدان النامية على الاستجابة للتحديات التي تواجهها مثل الصراعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية.
وتوقعت منظمة العمل الدولية انخفاض البطالة العالمية إلى ما دون مستويات ما قبل الجائحة هذا العام، حيث سيصل المعدل إلى 5.3 في المئة، أي ما يعادل 191 مليون شخص.
إلا أنه من غير المرجح أن ينعكس ذلك على معدلات البطالة في الدول منخفضة الدخل، لا سيما في البلدان الأفريقية وفي المنطقة العربية والتي ستبقى معدلات البطالة فيها أعلى مما كانت عليه قبل الجائحة.
وبالنسبة لشمال أفريقيا، من المتوقع أن يبلغ معدل البطالة 11.2 في المئة في عام 2023، بينما سيبلغ المعدل في أفريقيا جنوب الصحراء 6.3 في المئة.
وقدرت المنظمة نسبة البطالة في منطقة الدول العربية بـ 9.3 في المئة.
أفريقيا الأشد تضررا
وأشارت الوكالة الأممية إلى أن سوق العمل في أفريقيا كان الأكثر تضررا خلال الجائحة، مما أسفر عن تباطؤ وتيرة التعافي في القارة.
وأوضحت المنظمة أنه على عكس الدول الغنية، فإن ضائقة الديون في جميع أنحاء القارة والحيز المالي والسياسي المحدود للغاية، لم يمكن سوى عدد قليل من البلدان الأفريقية من وضع حزم التحفيز الشاملة التي تحتاجها لتحفيز الانتعاش الاقتصادي.
ويسلط التقرير الضوء أيضا على الفجوات الكبيرة في سياسة الحماية الاجتماعية لدى البلدان النامية ويقدم أدلة جديدة على أن زيادة الاستثمار ستحقق فوائد اقتصادية واجتماعية وتوظيفية كبيرة وتضيق فجوة التوظيف العالمية.
بيئة خصبة للأزمات
وتؤكد الخبيرة الاقتصادية، محاسن مرسل، أن "الدول النامية تعتبر بيئة خصبة لامتصاص الأزمات من الناحية السلبية".
وتقول في حديثها لموقع "الحرة" إن "اقتصادات الدولة الناشئة والنامية هشة، ونظرا لذلك تتأثر كثيرا بارتفاع معدلات التضخم ونسب الفائدة (...) وهناك نوع من حجب الاستثمارات وهروب لرأس المال الساخن، الذي يبحث عن عوامل عديدة مثل الاستقرار الأمني، وتأمين بيئة ملائمة للاستثمار".
ولفتت مرسل إلى أن بعض أصحاب رؤوس الأموال يلجأون إلى المصارف لإيداع أموالهم واستغلال نسب الفوائد المرتفعة، بدلا من استثمارها، وهناك أزمة تراكمية في سوق العمل.
وأضافت أن "أزمة البطالة ليست ناتجة فقط عن التضخم وارتفاع أسعار الفوائد ومستويات الديون المرتفعة، بل بدأت تتفاقم منذ جائحة كورونا وبعدها الحرب الروسية الأوكرانية".
وأشارت إلى أنه "في الدول المتقدمة كانت هناك سياسات لتعويض العاطلين عن العمل ومن خسروا وظائفهم، ولكن في الدول النامية لم تكن هناك حزم دعم مالي وتحفيز من قبل الحكومات".
وأكدت أن "أزمة المديونية المتنامية لا تعاني منها الدول النامية فقط، بل أيضا الدول الصناعية والمتقدمة، مثل الولايات المتحدة التي تبحث في أزمة رفع سقف الدين وفي حالات التخلف عن السداد (...) وهناك أيضا انعدام للثقة في المصارف التي تشكل حافزا للاستثمار عبر تقديم قروض، وذلك بسبب ارتفاع نسب الفائدة، وأي استثمار يخلق فرص عمل، ونحن لا نشهد ذلك".
وتوقعت الخبيرة الاقتصادية مزيدا من الارتفاع بمعدلات البطالة عالميا، وارتفاع الديون خلال السنوات المقبلة، ليس فقط في الدول النامية وإنما أيضا في الدول المتقدمة والصناعية.
الحلول الممكنة
وقال المدير العام لمنظمة العمل الدولية، غيلبرت هونغبو، إن نتائج التقرير تذكير صارخ بتزايد التفاوتات العالمية، وأضاف: "سيساعد الاستثمار في الناس من خلال الوظائف والحماية الاجتماعية في تضييق الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة والشعوب".
وقال إن منظمة العمل الدولية أطلقت تحالفا عالميا من أجل العدالة الاجتماعية والذي سيجمع بين مجموعة واسعة من الهيئات متعددة الأطراف وأصحاب المصلحة، وسيساعد في وضع العدالة الاجتماعية "باعتباره حجر الزاوية للانتعاش العالمي، ويجعلها أولوية في السياسات والإجراءات الوطنية والإقليمية والعالمية".
من جانبه يقول الشكندالي إن "الحلول تكمن في إيجاد طرق أخرى، مغايرة للسياسات النقدية التي تنتهجها الدول، لمكافحة التضخم المالي، لأن رفع نسب الفائدة أحدث خللا على المستوى الاقتصادي، ولا بد من معالجة الأسباب التي أدت إلى هذا التضخم".
ويضيف أن "التضخم المالي مصدره ليس نقديا لكي يتم اللجوء إلى رفع نسبة الفائدة (...) وهناك حاجة لتخفيف الرسوم الجمركية، للحد من التكاليف على الشركات والمؤسسات، وتقديم تسهيلات لتحفيز الاستثمارات وخلق فرص عمل للحد من نسب البطالة".
وتقول مرسل إنه بالنسبة للحلول فإنها ليست سهلة أو فورية، خاصة أن "الأزمات تراكمية".
وتؤكد أن "هناك حاجة لإعادة النظر بعدة أمور، ومنها ضرورة إيجاد حل لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، والتحوط للأزمات على مختلف أنواعها (...) ورفع الفوائد لا يحقق النتائج المرجوة للجم التضخم، حيث يجب أن يتم النظر إلى ذلك بشكل منطقي وعملي".
وأضافت أن "البحث عن بدائل وظيفية للعاطلين عن العمل حل معقول، ومثال على ذلك العمل عبر الإنترنت الذي تطور خلال جائحة كورونا"، كما لفتت إلى ضرورة "تغيير نمط التفكير عند بعض الأشخاص الذين لا يقبلون ممارسة مهن معينة، والبحث عن مهن أخرى مسؤولية فردية أيضا".
وأشارت مرسل إلى "وجود أزمة جديدة وهي الذكاء الاصطناعي والروبوتات، التي أثرت سلبا على الكثير من المهن وحدت من فرص العمل، وهناك حاجة لإيجاد تشريعات منظمة لضبطها ولجمها".