تتسبب الديون بمشاكل متفاقمة للدول تمنعها من إكمال مسيرة التنمية، ويجمع خبراء في علم الاقتصاد على أن خدمة الدين لها انعكاسات سلبية على مختلف القطاعات التنموية، وتثقل كاهل المواطنين وخاصة الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الأربعاء، إن نصف البشرية يعيشون في بلدان مجبرة على الإنفاق على خدمة الدين أكثر مما تنفق على الصحة والتعليم، وهو ما يجعل نصف العالم "يغرق في كارثة تنموية".
وتطرح تساؤلات عن كيفية تأثر المواطنين بديون دولهم، وعن تأثير خدمة الدين على الإنماء والقطاعات الاقتصادية، وتحديدا في البلدان النامية، التي هي في أمس الحاجة لمشاريع تنموية تخلق فرص العمل وتحسن الوضع المعيشي لمواطنيها.
شطيرة
ويرى الخبير الاقتصادي، بيير خوري، أن هناك ترابط بين اقتصاد الأسرة والاقتصاد الكلي، وهما يتأثران ببعضهما البعض.
ويقول في حديثه لموقع "الحرة" إنه "من المعروف أن الاقتصاد الكلي، بما يعنيه بشكل أساسي الناتج الوطني، يشبه الشطيرة التي يتم تقاسمها بين فئات المجتمع، أو ما يسمى اصطلاحا الطبقات الاجتماعية".
ويضيف أن "هذه الطبقات تشمل البيروقراطية (الموظفين الحكوميين)، وطبقة رجال الأعمال، وطبقة الذين يعتمدون على الريع مثل التأجير والفوائد، وطبقة الذين يعملون بأجر، وحين يتقلص حجم الشطيرة، سواء بسبب تراجع الإنتاج، أو بسبب الاضطرار إلى الاستعانة بالناتج الوطني لتسديد التزامات خارجية، ومنها خدمة الدين، يحصل هناك تنافس بين هذه الفئات".
وأوضح خوري أن "التنافس يحصل على حفظ الحصة من الشطيرة، وهذا يعني أن الأقوى سيتمسك بحصته أكثر من ضعيف القدرة على التفاوض، وبذلك يصبح الذين يعتمدون على الإعانات أو الأجر للمعيشة، الأكثر عرضة لدفع ثمن هذا التقلص في النشاط الاقتصادي".
وأشار إلى أن "الطبقتين الفقيرة والمتوسطة هما الأكثر تأثرا، وربما تتأثر الطبقة الغنية، لكن بنسب أقل لا تؤثر على مستوى معيشتهم وغذائهم والخدمات الصحية المقدمة لهم، وما يهم جميع الشعوب الخدمات العامة التي تشمل الصحة والتعليم ومستقبل التنمية الشخصية والاجتماعية".
عالم من الديون
وجاءت تصريحات غوتيريش في كلمته، الأربعاء، أثناء تقديم تقرير الدين العالمي في عام 2022، والذي يحمل اسم "عالم من الديون"، وأعدته مجموعة الأمم المتحدة للاستجابة للأزمات العالمية.
وحذر الأمين العام من أن 3.3 مليار شخص في العالم يعانون بسبب وضع حكومات بلدانهم سداد فوائد الدين كأولوية بدلا من الاستثمارات الأساسية في أهـداف التنمية المستدامة أو التحول في مجال الطاقة.
وأضاف أنه وفقا للتقرير الصادر، الأربعاء، تعاني 52 دولة، أي ما يعادل 40 في المئة من الدول النامية في العالم، من مشكلة دين خطيرة، كما أكد دعمه لدعوات توفير مساعدات مالية عاجلة لتلك الدول.
وأشار غوتيريش إلى أن الدين العام وصل في العام الماضي إلى رقم قياسي بلغ 92 تريليون دولار، تتحمل منه الدول النامية 30 في المئة، وهو عبء غير متساو.
ولفت إلى أن هذه الديون التي لا يمكن سدادها، ويُنظَر إليها على أنها لا تشكل خطرا منهجيا على النظام المالي العالمي "لأنها تتركز في الدول الفقيرة".
رفع الضرائب
من جانبه يرى الخبير الاقتصادي، رضا الشكندالي، أن هناك تأثير لديون الدول على المواطنين العاديين وقدرتهم الشرائية ووضعهم المعيشي.
ويقول في حديثه لموقع "الحرة" إنه "عندما تقوم الدول بتسديد الديون فإنها تحتاج إلى موارد، ولا يمكن للدول أن تسدد ديونها، إلا عندما تضغط على المواطنين وترفع الضرائب".
ويوضح أنه "عندما تلجأ الدول إلى الاقتراض، ولا تتمكن من توجيهه إلى غايات استثمارية، وتوجهه إلى غايات استهلاكية، تصبح بحاجة إلى موارد إضافية لتسديد هذه الديون، خاصة عندما تكون هذه الديون داخلية. وفي مثل هذه الحالات تلجأ الدول إلى رفع الضرائب لكي توفر الموارد اللازمة لتسديد هذه الديون".
ويضيف أنه "عندما تكون الديون خارجية، فإن ذلك يتسبب في تراجع على مستوى قيم العملات المحلية، حيث تسدد الديون بالعملة الصعبة، وهو ما يؤدي لخروج العملة الصعبة إلى خارج هذه الدول، وهذا يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين".
ويشير إلى أن "تراجع قيمة العملة المحلية يؤدي إلى ارتفاع على مستوى التضخم المالي، وبالتالي فإن المواطن بالنتيجة هو المتضرر من ذلك (...) واللجوء إلى الاقتراض يدفع المواطنين نحو الخوف والريبة من المستقبل".
التأثير على التنمية
ويقول خوري في شأن تأثير خدمة الدين على الخطط التنموية، إن "كل شيء يبدأ من الموازنة العامة التي تعتبر بمثابة بيان وتصريح من الحكومة بشأن نظرتها إلى المستقبل الاقتصادي ومستقبل التنمية، وعناصر الإنفاق، إما أن تكون كلها عناصر جارية، أو خليط من النفقات الجارية والاستثمارية".
وأوضح أن "النفقات الاستثمارية تعبر عن الخطة التنموية للدولة تجاه كافة القطاعات، وحين اللجوء إلى خدمة الدين بشكل متزايد، وخاصة الدين الخارجي، تعلو حصة النفقات الجارية على حساب النفقات الاستثمارية، وتبدأ القرارات السياسية بقضم المشاريع الاستثمارية لمصلحة الاستهلاك الإجباري للحكومة، المعبر عنه بالنفقات الجارية".
وأكد أنه "إذا حصل ذلك فإن مستقبل التنمية كله يصبح في خطر، ونمو الشطيرة يبدأ بالتناقص تدريجيا بفعل ذلك، لأن الحكومة قد جنحت إلى تفضيل المصروفات الجارية على المصروفات الاستثمارية التي تؤثر في التنمية وتؤثر في ميزانية العائلة، وفي خيارات تطوير الأفراد والعائلات والمجتمعات".
بدوره يؤكد الشكندالي أن تأثير الديون على الخطط الإنمائية "مرتبط أساسا بقدرة هذه الدول على توجيه الاقتراض إلى غايات إنتاجية أو غايات استهلاكية".
ويوضح أنه "عندما يكون هناك عجز كبير في موازنات الدول، عادة ما يحول الاقتراض إلى غايات استهلاكية، ولا تخصص هذه الموارد (الاقتراض) إلى البرامج الإنمائية، بل توجه إلى تسديد الأجور ورواتب الموظفين، ومصاريف الدولة الأخرى، وبالتالي هذا يؤثر سلبا على استراتيجية وبرامج الدول الإنمائية".
نظام مالي بال ٍ
وشدد الأمين العام للأمم المتحدة على أن المستويات الكارثية من الدين العام في الدول النامية هي فشل منهجي ناجم عن عدم المساواة المتوارثة من العهد الاستعماري والمتأصلة في "نظامنا المالي البالي".
وأضاف: "هذا النظام لم يف بمهمته كشبكة أمان تعين الدول على مواجهة الصدمات المتتالية وغير المتوقعة بما فيها وباء كورونا، والأثر المدمر لأزمة المناخ والغزو الروسي لأوكرانيا".
وقال غوتيريش إن تكلفة الاقتراض أعلى بمعدل أربعة أضعاف للدول الأفريقية من الولايات المتحدة، وثمانية أضعاف من الاقتصادات الأوروبية الغنية.
وأشار إلى اعتماد الدول الفقيرة بشكل متزايد على دائنين من القطاع الخاص يفرضون معدلات فائدة عالية للغاية، وأن هذه الدول تجد نفسها مضطرة للاقتراض من أجل بقائها الاقتصادي.
وقال الأمين العام إن الدين تحول من أداة مالية مهمة "إلى فخ يخلق المزيد من الديون".
الحلول
وفيما يخص الحلول لهذه المشكلة المتفاقمة، يقول خوري إن "هناك بابين للحل لا ثالث لهما، أول باب هو داخلي، فهذه المجتمعات الغارقة في الديون تتميز في الغرق بالفساد أيضا، وبعدم المسؤولية لدى السلطات السياسية".
وأضاف أن "هذه الدول بحاجة إلى إعادة هيكلة بناها السياسية في سبيل حوكمة أفضل للقطاع العام، وشفافية أكبر في المعاملات الحكومية، ويجب أن يكون هناك عاطفة دولية من الدول الغنية تجاه الدول الفقيرة لتلطيف آثار الديون، وإن كانت هذه الديون في النهاية قد دفعها دافع الضرائب في الغرب".
وتابع أن "الديون سحبت من أموال دافعي الضرائب لتمويل اقتصادات أخرى، لكن هذا لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أنه لا يمكن أن نترك نصف البشرية في هذا الوضع".
وعن الحلول المناسبة لمكافحة آفة الديون، يقول الشكندالي إن "الحل الأمثل هو قيام الدول بتوجيه الاقتراض إلى غايات تنموية، وتحفيز الاستثمار الخاص".
ويؤكد أن "الحل يكمن في توفير مناخ الأعمال الملائم، والبيئة الاستثمارية، لجذب الاستثمارات المحلية والخارجية".
وأشار إلى أن "الدول التي لديها ديون مرتفعة، عادة يتوفر فيها مناخ أعمال غير ملائم للاستثمار، والحل الوحيد هو دفع النمو الاقتصادي عن طريق الموارد الداخلية أو حتى الاقتراض، لتتمكن الدولة من تسديد ديونها (...) وذلك عبر انتهاج سياسات اقتصادية تحفز النمو (...) ولا بد من تقليص النفقات الاستهلاكية وتركيز الجهود نحو تعزيز الاستثمار".
إصلاحات عاجلة
وأفاد غوتيريش بأن التقرير اقترح عددا من الإصلاحات العاجلة بما فيها آلية فعالة لإعادة جدولة الديون تدعم وقف دفعات سداد الديون وشروطا لفترات سماح أطول لسداد الديون.
وأضاف أن التقرير الأممي دعا أيضا إلى زيادة كبيرة في عمليات التمويل الميسر طويل الأمد عبر تغيير مهام بنوك التنمية متعددة الأطراف وإعادة توظيفها لدعم التنمية المستدامة وزيادة الموارد الخاصة.
وأشار الأمين العام إلى أن هناك جهود دولية تقدم مقترحات مهمة بشأن تخفيف الدين العالمي، معربا عن أمله في أن يتبنى اجتماع مجموعة الدول العشرين، في سبتمبر المقبل، بعض هذه الأفكار.