النفط العراقي يباع للأردن بأسعار تفضيلية . أرشيفية
النفط العراقي يباع للأردن بأسعار تفضيلية . أرشيفية

تعالت في الأيام القليلة الماضية، الدعوات لوقف تزويد الأردن بالنفط العراقي بـ"أسعار تفضيلية"، على أساس أن ذلك يمثل "هدرا لموارد البلاد".

تلك الدعوات ليست جديدة، لكنها تجددت على وقع مشاركة الأردن في التصدي لصواريخ ومسيرات إيرانية كانت متجهة إلى إسرائيل الأسبوع الماضي.

والأربعاء، أعطى بيان أردني كويتي مشترك بشأن تنظيم الملاحة والحدود بين العراق والكويت، دفعة جديدة للحديث عن "ضرورة حرمان الأردن من النفط العراقي".

البيان الأردني الكويتي المشترك دعا، في ختام زيارة أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد، إلى الأردن، الأربعاء، ولقائه بالعاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، إلى الالتزام باتفاقية الملاحة البحرية والحدود بين العراق والكويت.

وتداول مستخدمون لشبكات التواصل الاجتماعي البيان، وأرفقوه ببيانات عن كميات النفط التي يصدرها العراق للأردن بـ"سعر رمزي"، معتبرين أن سياسات عمّان "لا تتوافق مع سياسات بغداد".

وفي فبراير الماضي، جمع نائب في البرلمان العراقي توقيعات لإصدار قرار لإيقاف تصدير النفط للأردن، وسبق ذلك تصريحات من برلمانية عراقية في نوفمبر الماضي، قالت إن "مواقف الأردن دائما عدائية تجاه العراق، خصوصا مع هيئة الحشد الشعبي".

ما قصة اتفاق النفط العراقي للأردن؟

صورة أرشيفية تعود لعام 2019 قبل التوقيع على مذكرة التفاهم للأسعار التفضيلية للنفط بين الأردن والعراق. أرشيفية

المستشار الاقتصادي والمالي للحكومة العراقية، مظهر صالح، يوضح أن الأردن يستورد النفط العراقي منذ عشرات السنوات، ويعود تنظيم اتفاقيات في هذا الشأن إلى ما قبل عام 2003.

ويشرح في حديث لموقع "الحرة"، أنه منذ عام 1980 وحتى 1990، كانت المملكة الأردنية تحصل على حصص "بآلاف البراميل من النفط شهريا، والتي كانت تنقل برا، ضمن مساعدات من بغداد لعمان، إذ كان العراق حينها ودول الفائض النفطي العربي يقدمون المساعدات النفطية للدول غير المنتجة".

ويستطرد أنه "خلال الأعوام بين 1990 و2003، كان العراق يخضع لحصار اقتصادي فُرض من جانب مجلس الأمن الدولي، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة". وأوضح أن الأردن كان البلد الوحيد الذي سُمح له بعقد اتفاقية "البروتوكول العراقي الأردني".

ويشير إلى أنه "سُمح بتبادل كميات من النفط الخام تنقله الشاحنات الأردنية بأسعار تتضمن خصما 15 في المئة عن الأسعار العالمية، إضافة إلى نحو 30 ألف برميل يوميا ترسل مجانا للأردن". وكان سقف البروتوكول لمقايضة النفط بالمنتجات الأردنية بحدود 450 مليون دولار سنويا.

وبعد عام 2003، أي بعد تغيير النظام السياسي في العراق، يقول صالح، ظلت "مصفاة التكرير الأردنية تعتمد على تكرير الخام العراقي بنوعية محددة، وكان ينقل من العراق للأردن عن طريق الشاحنات وبخصم على الأسعار بنحو 15 في المئة، والتي كان يبلغ متوسطها 250 ألف برميل شهريا".

وخلال 2006، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم تقضي بتزويد 10 آلاف برميل نفط يوميا للأردن، بخصم يبلغ 18 دولارا عن السعر العالمي.

وفي عام 2008، تم تعديل مذكرة التفاهم لتصبح نسبة الخصم 22 دولار للبرميل.

وخلال الأعوام 2015 وحتى 2019، توقفت شحنات النفط العراقي الخام برا عبر الصهاريج، بعد سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مناطق غربي العراق عام 2014.

وفي فبراير من عام 2019، وقّعت الأردن مذكرة تفاهم تستورد بموجبها المملكة النفط العراقي الخام، من حقول كركوك، بواقع 10 آلاف برميل يوميا، شكّلت 7 في المئة من الاحتياجات الكلية للمملكة حينها.

وفي أواخر 2019، عادت شحنات النفط العراقي للوصول للأردن، بموجب مذكرة التفاهم التي تسمح للمملكة بشراء النفط الخام من حقول كركوك العراقية بأسعار تعادل خام برنت، على أن يحسم منها كلف النقل وفرق المواصفات التي تتراوح 16 دولار للبرميل الواحد أقل من السعر العالمي.

وتقدر قيمة الخصم الممنوح بالأسعار التفضيلية، وهو 16 دولارا لكل برميل، بنحو 160 ألف دولار يوميا، أي أقل من 5 ملايين دولار شهريا، ونحو 58 مليون دولار سنويا، في حال استمرار توريد النفط من دون انقطاع بشكل يومي من العراق للأردن لكمية 10 آلاف برميل يوميا.

وفي مارس 2023، وافق مجلس الوزراء العراقي على تجديد العمل بمذكر التفاهم التي تزود الأردن بالنفط الخام بالأسعار التفضيلية.

الخبير الاقتصادي العراقي، نبيل المرسومي، وضع ملخصا لتزويد العراق الأردن بالنفط وآلية التسعير، التي كانت تضم كميات مجانية أو بخصومات.

ويقول الأكاديمي في منشور عبر حسابه في فيسبوك، إن "العراق كان يصدر إلى الأردن في زمن النظام السابق 100 ألف برميل يوميا نصفها بالمجان والنصف الآخر بأسعار تفضيلية. وفي عام 2006 وقعت (الحكومة العراقية والأردن) مذكرة تفاهم لتجهيز ونقل النفط العراقي الخام للأردن بـ10 آلاف برميل يوميا من النفط الخام، ترتفع إلى 15 ألف برميل، لتتم زيادتها مستقبلا إلى 30 ألف برميل بخصم يصل إلى 18 دولارا للبرميل عن السعر العالمي.. سعر نفط خام برنت تم زيادته في عام 2008 إلى 22 دولارا للبرميل بدلا من 18 دولارا للبرميل".

ويضيف: "المذكرة التي وُقعت بين الجانبين في 2 فبراير 2019، التي يصدر فيها العراق إلى الأردن 10 آلاف برميل يوميا، هي نسخة طبق الأصل من المذكرة السابقة، باستثناء أن المعادلة السعرية هي أقل بدولارين، فبدلا من الـ18 دولارا تم الاتفاق على 16 دولارا أقل من سعر نفط برنت (أقل من 13 دولار تقريبا عن متوسط سعر بيع النفط العراقي في الأسواق العالمية) تغطي كلفة النقل ما بين كركوك والزرقاء، مع الفروق في نوعية نفط خام كركوك عن نفط خام برنت. وقد تمت مؤخرا زيادة الكمية المصدرة إلى الأردن إلى 15 ألف برميل يوميا".

الخبير المالي والاقتصادي الأردني، وجدي مخامرة، يقول إن "العلاقات الأردنية العراقية متجذرة على مدار الأنظمة السياسية خلال العقود الماضية"، مشيرا إلى أن "المملكة طالما كانت داعمة للعراق في جميع مراحله".

ويوضح في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن "النفط العراقي ساهم في سنوات سابقة في الحفاظ على أسعار محروقات مقبولة في السوق الأردنية، لكن خلال العقدين الماضيين، ومع الارتفاعات العالمية، والضرائب الخاصة التي تفرض على المشتقات، لا يشعر المواطن بالنهاية بأثر الخصومات في أسعار النفط".

ويبدي مخامرة استغرابه من "استخدام النفط بأسعار تفضيلية كورقة ضغط ترتبط بملفات سياسية"، مشيرا إلى أن موقف الأردن طالما كان داعما للقضايا المرتبطة بالعراق، لكن على ما يبدو أن تيارات أو ميليشيات موالية لإيران لا ترغب باستمرار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين". 

القضاء العراقي يقول كلمته

جودة النفط العراقي تتناسب ومصفاة تكرير البترول في الأردن, أرشيفية

وفي مطلع يناير الماضي، تقدم 9 محامين بدعوى ضد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوادني، لوقف تصدير النفط العراقي للأردن، باعتباره "هدرا لأموال البلاد"، وذلك بعد ضربات أميركية استهدفت ميليشيات عراقية.

وأواخر العام الماضي، منعت ميليشيات وفصائل عراقية صهاريج محملة بالنفط من العبور للعودة إلى الأردن، وهددوا بحرق الصهاريج.

الباحث الاقتصادي العراقي، عبد السلام حسين، يقول إن "العقود النفطية طالما أنها موقعة مع الحكومة العراقية، تعتبر نافذة حتى لو كانت هناك اعتراضات عليها".

ويؤكد في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن من حق المحامين أو مواطنين رفع دعاوى بما يرونه تبذيرا، لكن "المحكمة الاتحادية قالت كلمتها الفاصلة في هذا الإطار".

ويدعو الباحث الاقتصادي إلى "عدم خلط الملفات الاقتصادية والسياسية بعضها ببعض"، إذ يعترض البعض على ما يرونه "ممارسات سياسية أردنية لا تتماهى مع ما يرونه مناسبا"، قائلا: "في النهاية يجب عدم التعرض للاتفاقيات والعقود الدولية الملزمة".

وأشار حسين إلى أن الدستور يتيح إلغاء الاتفاقيات الدولية أو مذكرات التفاهم، لكن "تحتاج إلى أسباب موجبة، ومعرفة الأثر المالي الذي قد يقع على البلاد في حال وجود شروط جزائية"، لافتا إلى إمكانية "تعديل مذكرات التفاهم عند تجديدها".

وقال المحامون في الدعوى التي رفعوها في المحكمة الاتحادية، إن الاتفاق الموقع في 2021 "أدى إلى خسارة العراق نحو 1.5 مليون دولار شهريا".

ورفضت المحكمة الاتحادية الدعوى، وطعنت في فرق السعر الذي ذكره المحامون، مشيرة إلى أن الانخفاض في السعر عن خام برنت، "يعود لانخفاض جودته"، حسب مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين.

"الأسعار التفضيلية" والمصالح الاقتصادية

النفط العراقي يغطي 15 في المئة من احتياجات السوق الأردنية

وأشارت المحكمة الاتحادية في قراراها في يناير، إلى أنه "لا يوجد ضرر مالي على العراق (بسبب الأسعار التفضيلية للنفط للمملكة) مع الأخذ بعين الاعتبار التسهيلات التي قدمها الجانب الأردني من خلال تخفيض الرسوم والفوائد على البضائع العراقية المستوردة عبر ميناء العقبة".

وفي 2021، تم تجديد مذكرة التفاهم بين العراق والأردن بتصدير 10 آلاف برميل يمكن زيادتها باتفاق الطرفين، بخصم يبلغ 16 دولار للبرميل.

وخلال الأشهر الماضية، رفع العراق الكميات التي يزود الأردن فيها بأسعار تفضيلية إلى 15 ألف برميل يوميا، والتي تسد نحو 15 في المئة من حاجة الأردن اليومية للنفط، وبسعر خصم يبلغ 16 دولار للبرميل.

وتبلغ قيمة هذا الخصم نحو 240 ألف دولار يوميا، أي حوالي 7.2 مليون دولار شهريا، أي ما يزيد عن 86 مليون دولار سنويا على افتراض عدم انقطاع حركة التصدير.

ويقول الأكاديمي والخبير الاقتصادي العراقي، نبيل المرسومي، إنها تؤثر على المصالح الاقتصادية العراقية الأردنية "إذا صحت الأخبار عن مشاركة سلاح الجو الأردني بقصف مواقع عراقية" مطلع العام الحالي.

وتضم هذه المجالات "أسعار النفط التفضيلية التي تحصل عليها المملكة، ناهيك عن العلاقات التجارية بين البلدين". وتاليا تفاصيلها حسب منشور للمرسومي عبر حسابه في فيسبوك:

1- بيع العراق للأردن حوالي 15 ألف برميل يوميا بأسعار تقل 16 دولار عن سعر خام برنت.

2- إعفاء عدد كبير من السلع الأردنية المصدرة إلى العراق من الرسوم الجمركية.

3- يصدر الأردن إلى العراق سلعا بقيمة 640 مليون دولار تشكل حوالي 45 في المئة من إجمالي الصادرات الأردنية إلى الخارج.

4- يمنح الأردن تسهيلات للبضائع العراقية المستوردة عن طريق العقبة التي مقصدها النهائي العراق خصما مقداره 75 في المئة من رسوم المناولة التي تتقاضاها سلطة العقبة الاقتصادية وهو ما أثر سلبيا على حجم التجارة الخارجية عبر الموانئ العراقية.

5- هناك مشروع للربط الكهربائي بتزويد الأردن العراق بـ 150 ميغاواط في المرحلة الأولى ثم 500 ميغاواط في المرحلة الثانية، فـ900 ميغاواط في المرحلة الثالثة.

6- يجري التخطيط لبناء مدن صناعية ومناطق للتجارة الحرة بين العراق والأردن لتنشيط التبادل التجاري بينهما وتطوير الصناعة فيهما.

7- إجهاض الاتفاقية الإطارية لأنبوب النفط العراقي–الأردني والذي سيمتد من البصرة عبر حديثة إلى العقبة.

مصالح متبادلة وراء أسعار النفط التفضيلية

الخبير الأردني في قطاع النفط، عامر الشوبكي، يقول إن العراق منذ بداية إنتاجه للنفط في مطلع القرن العشرين، "كان دائما يبحث عن بدائل لتصدير الخام، ليجد ضالته عبر تصديرها برا عبر الأردن، ومن ثم نقلها في البحر من ميناء العقبة الأردني".

ويوضح لموقع "الحرة"، أن "العراق في تلك الفترة كان يكافئ الأردن بمنحه كميات مجانية، وكميات بأسعار تفضيلية، في المقابل سمح بتصدير النفط العراقي عبر الميناء الأردني، إذ استمر ذلك حتى عام 2003".

وخلال السنوات الأولى بعد 2003، يستطرد الشوبكي أنه "بسبب عدم الاستقرار الأمني في العراق في وقت الحرب، استمر تصدير النفط عبر الأردن، بالإضافة لتصديره عبر ميناء البصرة النفطي".

ويكشف الشوبكي أن الأسعار التفضيلية للنفط العراقي لها أسباب أخرى "ترتبط بجودة ونوعية الخام العراقي من بعض مصادر الإنتاج، إضافة إلى تحملهم تكلفة النقل والتخزين من كركوك فيما لو كانت ستصدر من ميناء البصرة، أو ما تسمى بعلاوة المورد، بحيث يكون السعر صافي من مصدر الإنتاج وحتى مصفاة النفط الأردنية، وهذا لا يعني خسارة العراق".

ويؤكد أن الحكومة العراقية بالنهاية "لا تخسر أو تتحمل تكاليف من البيع بأسعار تفضيلية للأردن، فما يتم خصمه بالسعر عادة ما يمنح ضمن علاوة المورد، والأردن بالنهاية يستفيد بمعدل 9 دولارات لكل برميل نفط من العراق".

ويلفت الخبير إلى أن النفط العراقي "يغطي حوالي 15 في المئة من حاجة السوق الأردنية"، وفي حال توقف النفط العراقي "تقدر خسارة الحكومة الأردنية بـ49 مليون دولار، وسيؤثر هذا الأمر على قطاع الشحن حيث تعمل مئات صهاريج النفط في الأردن والعراق".

وكان الأردن والعراق وقعا في التاسع من أبريل 2013  اتفاقا لمد أنبوب بطول 1700 كلم لنقل النفط من البصرة إلى مرافئ التصدير بالعقبة، بكلفة نحو 18 مليار دولار وسعة مليون برميل يوميا، وفق وكالة فرانس برس.

ويفترض أن ينقل الأنبوب النفط الخام من حقل الرميلة العملاق في البصرة 545 كلم جنوبي بغداد إلى مرافئ التصدير في ميناء العقبة 325 كلم جنوبي عمان.

ويأمل العراق، الذي يملك احتياطيا نفطيا يقدر بنحو 143 مليار برميل، في أن يؤدي بناء هذا الأنبوب إلى زيادة صادراته النفطية وتنويع منافذه.

وفي مارس، أعلن العراق عن خط للربط الكهربائي مع الأردن، وتدشين خط كهرباء يسمح له باستيراد الطاقة.

ويشير الخبير النفطي الأردني، الشوبكي، إلى أنه منذ بداية الحرب في غزة "نشطت تيارات سياسية موالية لإيران لاستغلال أي فرصة لإثارة مسألة بيع النفط العراقي بأسعار تفضيلية للأردن، ليس لأسباب ترتبط بالمصالح العراقية بقدر ما هي تنفيذا لأجندات ليست بالعراقية على الإطلاق".

ويقول مستشار رئيس الوزراء العراقي، صالح، إن "قوى في الرأي العام العراقي لا ترى مبررا للامتياز الممنوح الأردن بالأسعار التفضيلية للنفط"، لكن "الوضع العربي العام، ولكون العراق دولة غنية بالموارد النفطية، فإن عليه أن يمد يد المساعدة والعون إلى جيرانه من الدول مثل الأردن، وحتى لبنان التي ساعدتها بغداد كثيرا لحل أزمة نقص وقود الكهرباء لديها خلال السنوات الماضية، بتقديم حسومات على أسعار النفط".

الأمير محمد بن سلمان عين ياسر الرميان في 2015 ليكون محافظا لصندوق الاستثمارات العامة
الأمير محمد بن سلمان عين ياسر الرميان في 2015 ليكون محافظا لصندوق الاستثمارات العامة

من تقليل مسؤوليات محافظه إلى تقليص بعض المشاريع الكبرى ومراجعة النفقات عالية الكلفة، يهدف صندوق الاستثمارات العامة السعودي لإعادة تنظيم أولوياته خلال المرحلة المقبلة، وهي خطوة طبيعية في ظل التغيرات الاقتصادية الحاصلة حول العالم، وفقا لخبراء سعوديين.

وكانت وكالة رويترز نقلت عن مصادر مطلعة القول إن الصندوق، الذي يدير أصولا تصل قيمتها إلى نحو 925 مليار دولار، يدرس إعادة تنظيم من شأنها أن تشهد تحمل بعض المديرين بعض المسؤوليات الداخلية لمحافظ الصندوق ياسر الرميان.

أين ذهبت عشرات المليارات؟.. صندوق الثروة السعودي "الأكثر نشاطا" بالعالم
أظهر تقرير جديد، نشر الاثنين، أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي، صندوق الثروة السيادي في البلاد، أنفق نحو ربع المبالغ التي أنفقتها صناديق الثروة السيادية في أنحاء العالم، العام الماضي، والبالغة 124 مليار دولار تقريبا

وأضافت المصادر أن صندوق الاستثمارات العامة يهدف أيضا لزيادة تركيزه على الاستثمارات التي لها فرصة نجاح كبيرة، وذلك بعد تقليص بعض "المشاريع الكبرى" بسبب تزايد التكاليف.

بالإضافة لذلك يعمل الصندوق على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى بعض المشروعات ومراجعة بعض النفقات منها تلك الموجهة إلى مهام استشارية عالية التكلفة.

ووفقا للمصادر التي نقلت عنها رويترز فإن المناقشات حول هذه المسائل لا تزال مستمرة، وأن توقيت القرار المحتمل غير واضح.

وفي الوقت الذي لم يصدر بعد أي تعليق رسمي من قبل السلطات السعودية أو صندوق الاستثمارات العامة، يرى خبراء ومحللون سعوديون أن هذه الخطوات لو تمت فإنها "طبيعية" وتدخل ضمن مساعي "إعادة هيكلته".

يقول الخبير الاقتصادي فهد بن جمعة إن الصندوق "استثمر في شركات كبيرة ومشروعات مهمة عجز القطاع الخاص عن الاستثمار فيها".

ويضيف بن جمعة، وهو عضو سابق في لجنة الاقتصاد والطاقة في مجلس الشورى السعودي، أن الصندوق ساهم بشكل كبير في "دعم الاقتصاد غير النفطي وساهم في تحقيق نمو قدره أربعة في المئة من الإيرادات غير النفطية".

ويرى بن جمعة في اتصال مع موقع "الحرة" أن صندوق الاستثمارات العامة "رتب الأولويات لتخدم الاقتصاد والمواطن من ناحية التوظيف"، مبينا أن "رأس ماله ارتفع من حوالي 150 مليار في عام 2015 إلى ما يقرب من 825 مليار دولار اليوم وسبب هذا كله هو الاستثمارات".

ويلفت بن جمعة إلى أن "هناك تغيرات تحدث في الاقتصاد وبالتالي فإن خطط واستراتيجيات الصندوق مرنة، كلما تغيرت الظروف الاقتصادية كلما رتب الأولويات من جديد وراعى هذه المتغيرات من أجل خفض أي مخاطرة في الاستثمار وتحقيق أكبر عوائد ممكنة".

وتنفذ المملكة بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان استراتيجية تهدف إلى تنويع مصادر النمو الاقتصادي للبلاد بعيدا عن صادرات النفط والغاز، أطلق عليها رؤية 2030، تخطط في إطارها لزيادة الإنفاق من أجل دفع النمو الاقتصادي ودعم الناتج المحلي غير النفطي.

ويعد الصندوق الأداة الرئيسية لتنفيذ خطة ولي العهد لتقليل اعتماد الاقتصاد السعودي على إيرادات النفط، ويمتلك محفظة واسعة من الاستثمارات تمتد من مزارع التمر إلى المجموعات العملاقة متعددة الجنسيات.

وضخ ولي العهد مئات المليارات من الدولارات عبر الصندوق في مشاريع منها نيوم، وهو مشروع تنمية عمرانية وصناعية ضخم يعادل تقريبا مساحة دولة بلجيكا، ومن المقرر تشييده على طول ساحل البحر الأحمر. إلا أن المملكة قلصت طموحاتها في هذا المشروع وسط تحركات للبحث عن مصادر لتمويل مشاريع البناء المخطط لها.

السعودية تتراجع عن طموحاتها في مشروع الـ 1.5 تريليون دولار.. ومقاولون يفصلون العمال
قلصت المملكة العربية السعودية طموحاتها المتعلقة بمشروع "نيوم"، الذي يعد الأكبر ضمن خطط ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الرامية لتنويع اقتصاد البلاد بعيد عن النفط، وفقا لما نقلت وكالة "بلومبرغ" عن أشخاص مطلعين على الأمر.

وتقول المستشارة في التنمية الاقتصادية نوف الغامدي إن الصندوق يجري بين فترة وأخرى إعادة هيكلة لمهامه وأسلوبه الإداري، خاصة وأن الاستثمارات فيه أصبحت كبيرة جدا".

وتضيف الغامدي في حديث لموقع "الحرة" أن "أنشطة الصندوق باتت كبيرة وتشمل مجالات مختلفة، وخاصة الترفيه والألعاب"، مشيرة إلى أن الصندوق يركز في المرحلة المقبلة على "جذب المستثمرين الأجانب وتفعيل التبادل التجاري والشراكات البينية مع الدول".

الغامدي لفتت إلى أن "المملكة أعلنت منذ إطلاق رؤية 2030 أنه ستكون هناك مراجعة للمبادرات والبرامج، وتعاد هيكلتها بناء على المتغيرات الجديدة وتغيير حجم الأنشطة بالشكل الذي يتناسب مع المنجزات التي يتم الوصول إليها".

وستمثل التغييرات المتوقعة أكبر تغيير في الإدارة منذ أن قام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتعيين الرميان في عام 2015 بتفويض لدفع برنامج التحول الاقتصادي "رؤية 2030" باستخدام الأموال الضخمة لصندوق الاستثمارات العامة.

ومنذ ذلك الحين، أطلق الصندوق أو استثمر في شركات سعودية، لإنشاء شركات وطنية رائدة في قطاعات تتراوح من الخدمات المالية إلى الطيران والسياحة والصناعة.

كان الرميان رئيسا تنفيذيا لوحدة الخدمات المصرفية الاستثمارية في أحد البنوك المحلية، وقد جعله دوره في صندوق الاستثمارات العامة أحد أشهر مسؤولي الاستثمار في العالم وواحدا من أكثر الأشخاص نفوذا في المملكة العربية السعودية.

الرميان يعد واحدا من أكثر الأشخاص نفوذا في المملكة العربية السعودية

وهو عضو في مجالس إدارة العديد من الشركات التي يستثمر فيها صندوق الاستثمارات العامة، بما في ذلك المجموعة الهندية ريلاينس إندستريز، وتم تعيينه رئيسا لشركة النفط السعودية العملاقة أرامكو في عام 2019.

ويبين فهد بن جمعة أن "الرميان لديه العديد من الموظفين الكبار الذين يساعدونه، وبالتالي هذه التغييرات تواكب الفترة الحالية، خاصة إذا ما نظرنا لأحوال الاقتصاد العالمي".

ويتابع بن جمعة: "لا بد أن يواكب الصندوق هذه التغيرات من أجل تحقيق أكبر عوائد وخفض المخاطرة سواء حاليا أو مستقبلا".