ارتفاع الأسعار من بعد كورونا تسبب في تأكل الدخل (أرشيفية)
ارتفاع الأسعار من بعد كورونا تسبب في تأكل الدخل . أرشيفية - تعبيرية

بعد أشهر من ارتفاع الأسعار في العديد من الأسواق العربية، بدأت بالانخفاض عن المستويات القياسية التي وصلت لها، فيما تظهر بيانات رسمية تراجع التضخم في بعض الدول، وفي مقدمتها مصر.

وعلى سبيل المثال، بعدما سجل التضخم السنوي مستوى قياسيا في مصر لأكثر من 35 في المئة في فبراير الماضي، عاد لينخفض إلى مستوى 31.8 في المئة في أبريل، مما يشكل تراجعا عما سجله أيضا في مارس عندما كان 33.7 في المئة.

وأواخر العام الماضي، وضع تقرير البنك الدولي عن انعدام الأمن الغذائي مصر، في المرتبة الأولى بين الدول الأكثر "تضررا من تضخم الغذاء"، والذي عزاه محللون تحدثوا في تقرير سابق لموقع "الحرة"، إلى أسباب "مستوردة ومحلية".

الحكومة المصرية خلال الأشهر القليلة الماضية، أقرت جملة من القرارات الاقتصادية استطاعت السيطرة فيها على أسعار صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، والحد من تداوله في السوق السوداء، ناهيك عن حزمة قرارات تضمنت زيادات على الرواتب والتقاعدات ومساعدات اجتماعية.

ورغم تثبيط الأسعار للسلع الأساسية، فإن المواطن المصري شأنه شأن العديد من مواطني الدول التي زادت فيها معدلات التضخم، لا يشعر بانعكاس هذا التراجع على نفقاته الشهرية المتزايدة، فيما ترسم الأرقام الإحصائية الرسمية صورة إيجابية.

"تصحيح للانحرافات والتشوهات"

مصر تستهدف خفض التضخم إلى "رقم أحادي" على المدى المتوسط

الخبير الاقتصادي المصري، علاء عبد الحليم، يقول إن الأرقام التي تصدرها الجهات الرسمية، "قد لا يشعر المواطن بها، لكنها تشكل تصحيحا لانحراف في مستويات الأسعار" التي كانت خلال الأشهر الماضية.

ويشرح في حديث لموقع "الحرة"، أن "مستويات سعر الجنيه المصري أمام الدولار، وصلت لـ70 جنيه في السوق السوداء في أشهر سابقة، بينما كانت محددة رسميا بـ31 جنيه، لكن بعد قرار التعويم في مارس، استقر حاليا سعر الصرف عند مستويات 48 جنيه أمام الدولار".

ويوضح عبد الحليم أن هذه الفروقات سببت "تشوهات في أسعار السلع" التي وصلت لمستويات قياسية، لكن "الآن بدأت في العودة مستويات، قد لا تكون كما السابق، لكنها تعكس سلسلة التوريد خاصة للسلع المستوردة".

مصر تعاني من تحديات اقتصادية كبيرة (أرشيفية)
نظرة "إيجابية" للاقتصاد.. هل بدأت مصر بتجاوز أزمتها؟
بعد أشهر من تلقي الاقتصاد المصري ضرباتٍ أثّرت على تصنيفه في التقارير الدولية، تحفز صفقات استثمارية وبرامج إقراض دولية تحسين النظرة "الإيجابية" لمصر، فيما يؤكد محللون أن هذا لا يعني أن الدولة تجاوزت الأزمة المالية التي تحوم في الأجواء منذ فترة.

ويؤكد أن مستويات الأسعار "بدأت في الاستقرار عما كانت عليه مطلع العام الحالي، إلا أنه لا يمكن معرفة إلى متى ستبقى الأمور مستقرة، خاصة في ظل استمرار توتر المنطقة، وما يحدث في البحر الأحمر، وأثره على حركة وأسعار النقل والشحن".

وحذر البنك الدولي، أواخر أبريل، من أن "اشتداد الصراع في الشرق الأوسط قد يذكي التضخم العالمي".

وأشار في أحدث إصدار من "نشرة آفاق أسواق السلع الأولية"، إلى أن "أسعار السلع تتجه إلى الاستقرار بعد أن شهدت تراجعا حادا ساهم في خفض التضخم العام خلال السنة الماضية بشكل كبير، مما قد يجعل من الصعب على البنوك المركزية خفض أسعار الفائدة بصورة سريعة".

الأرقام الإحصائية.. هل تعكس الواقع؟

المصريون في مواجهة أعباء كبيرة بسبب ارتفاع التضخم. تعبيرية

وتشير بيانات نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، إلى أن التضخم، على أساس شهري، شهد زيادة في الأسعار 1.1 بالمئة في أبريل، مقارنة مع واحد بالمئة في مارس.

وتراجعت أسعار المواد الغذائية في أبريل 0.9 في المئة على أساس شهري، غير أنها ارتفعت 40.5 في المئة على أساس سنوي.

وكان استطلاع لرويترز شمل 17 محللا، توقع في المتوسط أن ينخفض التضخم السنوي إلى 32.8 في المئة في استمرار لمساره الهبوطي، الذي بدأ في سبتمبر عندما وصل التضخم إلى ذروة غير مسبوقة بلغت 38 في المئة.

المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، يرى أن "الأرقام الإحصائية الرسمية لا تعكس حقيقة أسعار السلع والخدمات في السوق المصرية".

ويؤكد في حديث لموقع "الحرة"، أن هناك "حاجة لإعادة النظر في المعادلة الحسابية وسلة المستهلك التي تستخدم في القياس لدى الجهات الرسمية، معتبرا أنه "من ناحية إحصائية قد تكون الأسعار تراجعت لبعض السلع عن مستوياتها القياسية"، لكن "مجمل سلة المستهلك الحقيقية ارتفعت بمعدلات أكبر بكثير مما تعكسه الأرقام".

ساهمت جائحة كورونا والحرب الروسية على أوكرانيا في زيادة التضخم. أرشيفية
التضخم.. "ضريبة خفية تسرق جيوب الفقراء"
إذا كنت تعيش في الولايات المتحدة وتجد قيمة السلع التي تشتريها لا تزال مرتفعة عن مستوياتها قبل أعوام الأمر الذي يضعك أمام ضائقة مالية، فأنت من بين أكثر من 60 في المئة من الأميركيين الذين يقولون إن زيادة الأسعار تسبب صعوبات مالية لهم ولأسرهم.

ويشير إلى أنه يجب "احتساب التكاليف والأعباء بشكل حقيقي التي يتكبدها المواطن، فرغم الزيادات في رواتب الكثير منهم، فإنها تآكلت بسبب زيادة الأعباء في الإنفاق على الإيجارات والنقل والصحة، والكهرباء".

ويؤكد أن الجهات الرسمية استطاعت السيطرة على "سعر الصرف بشكل أكبر في السوق المصرية، والحد من التداولات في السوق السوداء"، وهذا قد انعكس بشكل طفيف على أسعار السلع، ولكن حاليا بدأت الأسواق في مرحلة "ركود، حتى للسلع الموسمية، إذ لم تعد العائلات قادرة على شراء ما يلزمها".

ويعزو النحاس ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع تكاليف بعضها من المصدر المنتج لها، ناهيك عن "زيادات طرأت في أسعار الشحن".

ويقول إن الاعتماد على الأرقام الإحصائية وحدها "قد لا يكون كافيا لقياس حقيقة ما يجري في السوق المصرية، إذ أن بعضها قد يصدر إرضاء لمؤشرات أو مؤسسات دولية تريد إثبات جدوى سياساتها، حتى وإن كان غير حقيقية".

ويقول البنك المركزي المصري، إن التضخم "يقاس على أنه معدل الارتفاع العام في الرقم القياسي لأسعار المستهلكين الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي يجمع أسعار السلع والخدمات ويعالجها من خلال تخصيص أوزان لكل سلعة ومجموعة".

وشدد البنك المركزي سياسته النقدية، إذ رفع أسعار الفائدة 600 نقطة أساس في السادس من مارس، وهو اليوم ذاته الذي وقع فيه على حزمة دعم مالي بـ8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي، وسمح لقيمة الجنيه بالانخفاض.

وتتعهد مصر للصندوق في اتفاق مارس، بالمزيد من التشديد في السياسة النقدية إذا لزم الأمر للحيلولة دون تعرض القوة الشرائية للأسر للمزيد من التآكل.

كما رفعت الحكومة في مارس أسعار أنواع مختلفة من المحروقات، في إطار التزاماتها مع الصندوق.

واتسم العام المنصرم بارتفاع مطرد للتضخم، مدفوعا إلى حد كبير بالنمو السريع في المعروض النقدي.

ويعيش ما يقرب من ثلثي سكان مصر البالغ عددهم 106 ملايين نسمة تحت خط الفقر أو فوقه بقليل، وتواجه البلاد انخفاضا في عائدات النقد الأجنبي، سواء من السياحة التي تضررت من وباء كوفيد ثم الحرب في أوكرانيا.

وفي أواخر فبراير، أعلنت مصر عن صفقة مع القابضة "إيه.دي.كيو"، أحد صناديق الثروة السيادية الإماراتية، من شأنها أن تجلب للبلاد 35 مليار دولار على مدى شهرين، بما في ذلك 11 مليار دولار محولة من الودائع الموجودة بالفعل، بما يعرف صفقة "رأس الحكمة".

ومطلع مارس، تسلمت مصر الدفعة الأولى المتفق عليها من قبل البلدين والمقدرة قيمتها بـ15 مليار دولار، هي 10 مليارات تم تحويلها مباشرة إضافة إلى 5 مليارات تشكل جزءا من وديعة إماراتية لدى البنك المركزي.

حساب التضخم بماذا يتأثر؟

الرقم القياسي لأسعار المستهلكين - بحسب البنك المركزي المصري

"تقارير التضخم بالنهاية لا تعكس الواقع الحقيقي"، حسب ما يؤكد أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية، عبد الرحمن المشهداني لموقع "الحرة".

ويقول إن "التضخم يشكل هاجسا للحكومات حول العالم، حتى وإن كانت تعلن عن تراجع في الأرقام الإحصائية".

ويشرح المشهداني أن "عملية احتساب التضخم تشمل مراقبة السلع والخدمات الأساسية، لمتوسط 800 إلى 1000 سلعة وخدمة تختلف حسب كل دولة"، مشيرا إلى أنها لا تعكس "العبء الحقيقي على المستهلك، إذ يتم عادة احتساب المتوسط لهذه السلع والخدمات، لكن كمواطن قد لا يهتم سوى بنحو 50 سلعة وخدمة منها، والبقية التي تشكل وزنا في سلة المستهلك وتعكس الانخفاض لا تعني تراجع السلع والخدمات الأكثر تأثيرا للمواطن".

ويضيف أن سلة المستهلك تشمل مجموعات أساسية في الغالب "بينها الأغذية والتي تستحوذ من 25 إلى 35 في المئة، ومجموعة النقل تشكل ما متوسطه 20 في المئة، ومجموعة السكن والإيجارات والتي تشكل 17 إلى 18 في المئة، والملابس حوالي أقل من 7 في المئة، والتعليم والصحة والاتصالات".

ويرى أنه حتى المقارنات التي تجرى لمعدلات التضخم "تقوم الجهات الرسمية في دول باستغلالها كما تريدها، فيمكنها الكشف عن الأرقام ومقارنة الشهر مع الشهر الذي قبله، أو المقارنة مع الشهر ذاته من العام الماضي".

فشل رفع البنك المركزي التركي لأسعار الفائدة، بين يونيو ومارس، في وقف التضخم
التضخم في تركيا يبلغ أعلى مستوياته منذ 2022
بلغ التضخم في تركيا 69.8 في المئة بأبريل بمعدل سنوي في مقابل 68.5 بالمئة في مارس، على ما أظهرت بيانات رسمية نُشرت الجمعة، وفق ما نقلته فرانس برس، في حين ذكرت رويترز أن التضخم سجل مستوى أقل قليلا من التوقعات لكنه الأعلى منذ أواخر 2022 بسبب الزيادات الكبيرة في أسعار التعليم والمطاعم والفنادق.

ويفند المشهداني أسباب ارتفاع التضخم في 2024 إلى عدة أسباب، أبرزها زيادة أسعار الطاقة، مشيرا إلى أنه يجب التفريق في تأثير هذا البند بين الدول النفطية والدول المستوردة للنفط.

أما الأمر الآخر، فكان التذبذب في أسعار الصرف، حيث شهدت العديد من العملات المحلية في دول عربية انخفاضا في قيمتها، مما تسبب بزيادة تكاليف المعيشة، وهو ما يعني أن "العائلة تحتاج للإنفاق أكثر للحفاظ على شراء الكميات ذاتها من السلع والخدمات"، وهو ما يتطلب من بعض الدول "طباعة المزيد من العملة، وضخها في الأسواق المحلية".

ويذكر أنه لا يمكن إغفال "ارتفاع الأسعار في بلد المنشأ، وارتفاع تكاليف النقل البحري، والتأمين، والأحداث السياسية، وتعثر سلاسل الإنتاج والتوريد منذ جائحة كورونا".

ويتابع أنه "لا يمكن إغفال سبب مهم، هو فشل السياسات الرسمية في العديد من الدول بضبط ارتفاع الأسعار في الأسواق، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، حيث أرادت بعض الدول التوجه نحو اقتصاد السوق، وهي غير مؤهلة لذلك".

ويستطرد المشهداني بأن "الاحتياطي الفدرالي الأميركي استخدم أداة رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، التي ربما تمكنت من تثبيطه في الولايات المتحدة إلى حد ما، لكن الدول التي كانت مضطرة لأن تتبعه في السياسة ذاتها، تواجه تحديات كبيرة".

ويوضح أن المواطن بالنهاية "يعاني من تآكل دخله، وحتى في بعض الدول التي زادت الأجور، فإن هذه الزيادة قضت عليها الزيادات في أسعار السلع والخدمات".

رئيس الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي، إندرميت جيل، قال أواخر أبريل: "لا يزال التضخم العالمي مستعصيا على الهزيمة.. فالانخفاض في أسعار السلع الأولية، وهو يمثل أحد الأسباب الرئيسية لتراجع التضخم، توقف بشكل أساسي".

وأضاف أن "هذا يعني أن أسعار الفائدة قد تظل أعلى من التوقعات للعام الحالي والقادم. وعالمنا اليوم يمر بفترة عصيبة، وقد يؤدي حدوث صدمة كبيرة في مجال الطاقة إلى تقويض قدر كبير من التقدم المحرز في خفض التضخم خلال العامين الماضيين".

لماذا لا نشعر بانخفاض الأسعار؟

الاحتياطي الفدرالي يكسب أول جولة ضد التضخم ويواصل معركة ارتفاع الأسعار

مدير مجموعة آفاق التنمية بمجموعة البنك الدولي، أيهان كوسي، قال في تصريحات: "هناك تباين واضح بين النمو العالمي وأسعار السلع الأولية؛ فعلى الرغم من الضعف النسبي لمعدلات النمو العالمي، من المرجح أن تظل أسعار السلع الأولية أعلى في الفترة 2024-2025 مما كانت عليه في السنوات الخمس السابقة على جائحة كورونا".

وأشار إلى أن هذا "يرتبط بأحد العوامل الحاسمة في حدوث هذا التباين باشتداد التوترات الجيوسياسية التي تبقي الضغوط التصاعدية على أسعار السلع الأولية الرئيسية، وتؤجج مخاطر حدوث تحركات حادة في الأسعار".

وحث البنوك المركزية بأن تتوخى المزيد من الحذر "إزاء الآثار التضخمية لارتفاع أسعار السلع الأولية في خضم التوترات الجيوسياسية المتزايدة".

من جانبه، يشرح الخبير في قطاع النفط، عامر الشوبكي، أن الأسعار شهدت أكثر من زيادة خلال الأشهر الماضية، مما جعل التضخم يرتفع عن المعدلات التي كانت تستهدفها البنوك المركزية أو الاحتياطي الفيدرالي.

ويلفت إلى أن المستهلك "يشعر بمزيد من الظلم أو المشاعر السلبية تجاه أسعار السلع والخدمات في 2024، وحتى عندما تعلن الدول عن تراجع في الأسعار، تبقى هذه المشاعر سائدة، وهذا يعود إلى أن المستهلك يريد الأسعار التي اعتاد عليها قبل موجة التضخم، لتعود لما قبل 2023 أو قبل ذلك.. ولهذا فإن أي تخفيض أو تراجع يعلن عنه في معدلات 2024 ستبقى تمثل زيادة للمستهلكين"، وفق ما أفاد لموقع "الحرة".

وحسب نشرة آفاق أسواق السلع الأولية الصادرة عن البنك الدولي، شهدت أسعار السلع الأولية العالمية انخفاضا بنحو 40 في المئة بين منتصف عام 2022 ومنتصف عام 2023، وكان ذلك هو السبب الأكبر وراء انخفاض التضخم العالمي بنحو نقطتين مئويتين فيما بين عامي 2022 و2023. 

لكن منذ منتصف عام 2023، ظل مؤشر البنك الدولي لأسعار السلع الأولية دون تغيير جوهري. وبافتراض عدم تصاعد التوترات الجيوسياسية، تشير توقعات البنك الدولي إلى انخفاض أسعار السلع الأولية عالميا بواقع 3 في المئة في عام 2024 و4 في المئة في في 2025.

وتوضح النشرة أن هذه الوتيرة من الانخفاض "لن يكون لها أثر كبير على كبح جماح التضخم" الذي يظل أعلى من مستهدفات البنوك المركزية في معظم البلدان، وسيبقي ذلك أسعار السلع الأولية أعلى بنسبة 38 في المئة تقريبا مما كانت عليه في المتوسط خلال السنوات الخمس التي سبقت جائحة كورونا.

ويؤكد الشوبكي أن "ارتفاع أسعار الطاقة عقد من المعضلة أمام واضعي السياسة المالية والنقدية في دول العالم، الذين كانوا يتوقعوا استمرارا انخفاض أسعار الطاقة، والبدء بتخفيض أسعار الفائدة التي شهدت زيادات خلال الفترة الماضية لكبح التضخم".

وأبقى الاحتياطي الفدرالي الأميركي أسعار الفائدة ثابتة للمرة السادسة تواليا، مطلع مايو، محافظا عليها عند أعلى مستوى وصلته منذ 23 عاما، لكبح التضخم وزيادة الأسعار.

ومنذ أشهر، يحافظ الاحتياطي الفدرالي على سعر الفائدة عند أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين، للحد من الإقراض وتهدئة زيادة الأسعار، رغم أن تباطؤ التضخم العام الماضي أعطى شعورا متفائلا بأن أول خفض يلوح في الأفق.

لكن التضخم تسارع وقضى على الآمال بخفض أسعار الفائدة في وقت مبكر هذا العام.

وقال الاحتياطي الفدرالي إنه لا يتوقع خفض أسعار الفائدة حتى تتكون لديه "ثقة أكبر" في أن التضخم يتحرك بشكل مستدام نحو هدفه البالغ 2 في المئة.

معدلات التضخم لا تزال أعلى مما حدده الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. أرشيفية

ويذكر الشوبكي أن بعض الدول "لا تخرج أرقامها الإحصائية بجودة عالية، فكيف يمكنها الإعلان عن تراجع في التضخم في الوقت الذي كانت قد أعلنت فيه عن زيادة في أسعار المحروقات بنسبة متفاوتة أقلها 10 في المئة، مما ينعكس على كل السلع والخدمات".

ووفق البنك الدولي، فقد أدى استمرار التوترات الجيوسياسية على مدى العامين الماضيين إلى ارتفاع أسعار النفط والكثير من السلع الأولية الأخرى حتى مع تباطؤ النمو العالمي.

فعلى سبيل المثال، قفز سعر خام برنت إلى 91 دولارا للبرميل في وقت سابق من أبريل الماضي، أي ما يزيد بنحو 34 دولارا للبرميل عن متوسط فترة السنوات 2015-2019. 

وتشير توقعات البنك إلى أن أسعار خام برنت ستبلغ 84 دولارا للبرميل في المتوسط في عام 2024 قبل أن تتراجع إلى 79 دولارا في المتوسط في عام 2025، وذلك بافتراض عدم حدوث اضطرابات في إمدادات النفط بسبب الصراع. 

لكن إذا تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، فيمكن أن تؤدي هذه الاضطرابات إلى دفع معدلات التضخم العالمي نحو الارتفاع، أما إذا حدثت اضطرابات بسيطة، فقد تؤدي إلى رفع متوسط سعر خام برنت إلى 92 دولارا للبرميل خلال العام الحالي، ومن الممكن أن تؤدي الاضطرابات الحادة إلى تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، مما يرفع التضخم العالمي في عام 2024 بنحو نقطة مئوية واحدة.

ويتخوف من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يمكن أن يؤدي أيضا إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والأسمدة والمواد الغذائية، إذ تعد المنطقة موردا مهما للغاز، حيث يمر 20 في المئة من حجم التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.

وإذا انقطعت الإمدادات فإن أسعار الأسمدة ستشهد أيضا ارتفاعا كبيرا، مما سيؤدي على الأرجح إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية. 

وتشير توقعات البنك الدولي إلى أن أسعار الغذاء ستنخفض بشكل عام إلى حد ما، بواقع 6 في المئة في عام 2024 و4 في المئة في عام 2025. ومن المتوقع أن تنخفض أسعار الأسمدة بنسبة 22 في المئة في عام 2024 و6 في المئة في عام 2025.

مصر التي يناهز عدد سكانها 106 ملايين يعيش ثلثهم تحت خطّ الفقر - صورة تعبيرية.
مصر التي يناهز عدد سكانها 106 ملايين يعيش ثلثهم تحت خطّ الفقر - صورة تعبيرية.

"يضرون بالأمن القومي، وتسببوا في ارتفاع الأسعار، ويأخذون وظائفنا، ولذلك يجب ترحيلهم عن البلاد"، تلك فحوى دعوات تطالب بترحيل اللاجئين السودانيين والسوريين عن الأراضي المصرية، فما أسباب تلك الحملة؟، وهل يقف هؤلاء "الضيوف" حقا وراء الأزمات التي تشهدها مصر؟

مطلب شعبي؟

مع عدد سكان يبلغ 106 ملايين نسمة، فإن مصر هي البلد العربي "الأكبر ديموغرافيا"، بينما تشير تقديرات إلى أن نحو 60 في المئة من سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر أو يقتربون منه.

ويوجد في مصر 9 ملايين "مقيم ولاجئ" من نحو 133 دولة يمثلون 8.7 في المئة من حجم السكان البالغ عددهم نحو 106 ملايين نسمة، وفق "مجلس الوزراء المصري".

ويُشكل السودانيون العدد الأكبر من "المقيمين واللاجئين" في مصر بنحو 4 ملايين، يليهم السوريون بحوالي 1.5 مليون، واليمنيون بنحو مليون والليبيون مليون نسمة، حيث تمثل الجنسيات الأربع 80 في المئة من المهاجرين المقيمين حاليا في البلاد، وفق تقديرات "المنظمة الدولية للهجرة".

وخلال الأيام الماضية، انطلقت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بترحيل السودانيين والسوريين من مصر تحت شعار " ترحيل جميع اللاجئين مطلب شعبي".

ومن بين الداعمين لتلك الدعوات الكاتب والمحلل السياسي، مجدي حمدان، الذي يرى أن اللاجئين يضرون بمصر "سياسيا واقتصاديا وأمنيا" وخاصة "السودانيين".

وعندما جاء السوريين إلى مصر قاموا بعمل "مشروعات" باستثمارات خاصة، واحترموا القوانين المصرية ولم يتطاولوا على الشعب المصري، لكن العكس صحيح بالنسبة للسودانيين، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشير حمدان إلى أن "اللاجئ السوداني لم يدشن استثمارات خاصة، لكنه يزاحم المواطن المصري في وسائل المواصلات والسلع الغذائية والمواد الأساسية والأدوية"، ما تسبب في تضاعف أسعار السلع والخدمات خلال الفترة الماضية.

وبالنسبة للسوريين فهم يضرون بالاقتصاد لأنهم يحولون الجنيه المصري إلى دولار ويقومون بتحويل تلك الأموال إلى خارج مصر، وبذلك تفقد الدولة "عملة صعبة"، وفق المحلل السياسي المصري.

لكن على جانب آخر، يؤكد خبير السكان ودراسات الهجرة وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، أيمن زهري، أن الحملات "لا تمثل الرأي العام المصري تجاه اللاجئين".

ويقود تلك الحملات "شباب محبط" لا يجد وسيلة للتعبير عن رأيه، ويضغط على "الجانب الأضعف" وهم الأجانب في مصر، لكن هناك "رفض رسمي" لمثل هذه المطالب، وفق حديثه لموقع "الحرة".

وهناك حالة "تضخيم" لتأثير الأجانب المتواجدين بالتراب المصري على الأوضاع في مصر وخاصة الاقتصادية، لكن في الحقيقة تلك الأزمات بدأت منذ فترة طويلة، حسبما يوضح زهري.

ويشير إلى أن تأثير الأجانب على الأزمات التي تعيشها مصر "محدود جدا"، وبالعكس فهناك نسبة كبيرة منهم يتلقون تحويلات بالعملة الأجنبية كحال أسر المصريين بالخارج.

"قنبلة موقوتة"؟!

تمر مصر بـ"أزمة اقتصادية شديدة" من جراء نقص النقد الأجنبي، وتواجه تبعات جيوسياسية لنزاعين مفتوحين على حدودها وهي الحرب بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة، والنزاع في السودان إلى الجنوب.

ولذلك يصف الباحث بمنتدى الشرق الأوسط في لندن، أحمد عطا، ملف اللاجئين في مصر بـ"القنبلة الموقوتة"، مرجعا ذلك لعدة أسباب.

و"إذا كانت الحكومة المصرية تتباهى بأن لديها (ضيوف وليس لاجئين)، من مختلف الدول التي تشهد نزاعات مسلحة مثل السودان واليمن وليبيا وسوريا، لكن في الحقيقة فإن هؤلاء يضغطون على الاقتصاد المصري الذي يعاني بالفعل"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشدد عطا على أن الاقتصاد المصري لا يتحمل هذا العدد من "اللاجئين"، بعدما تجاوزت نسب التضخم في مصر 27 في المئة، وفي ظل وجود نسب بطالة بين المصريين سواء كانوا خريجي جامعات أو من ممارسي الأعمال الحرة.

وتبلغ نسبة البطالة في مصر 7.2 في المئة، وفق ما أظهرته "بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" لعام 2022.

ويشير عطا إلى أن "قرابة 10 ملايين لاجئ يتقاسمون مع المصريين الدعم بمختلف أشكاله بجانب تسببهم في رفع سعر الوحدات السكنية بنظام الإيجار المؤقت من متوسط شهري يبلغ 4 آلاف جنيه إلى ١٥ ألف جنيه".

ومن جانبه، يشير الباحث بالاقتصاد السياسي، أبو بكر الديب، إلى أن "اللاجئين يمثلون عبء اقتصادي كبير في مصر لأنهم يضغطون على البنية الاقتصادية بالبلاد".

وتسبب اللاجئون السودانيون في "أزمة سكن وارتفاع أسعار المنتجات والخدمات"، لكن دعوات ترحيلهم "محدودة ولا تحظى بقبول شعبي مصري كبير"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

والشعب المصري يعرف أن "السودانيين في أزمة"، وبالتالي فدعوات "ترحيلهم لا تلقى قبول الأغلبية"، ولذلك "تتضاءل المخاوف الاقتصادية أمام الجانب الإنساني"، حسبما يؤكد الديب.

عبء أمني

ويتحدث عطا عن "عبء أمني يشكله اللاجئين وخاصة السودانيين على الأجهزة الأمنية المصرية".

ولم يدخل كافة السودانيين المتواجدين في مصر إلى البلاد "بطريقة شرعية"، وهذا يعني أن قطاع كبير منهم "يمثل عبئا على الأمن المصري لمتابعتهم"، وفق الباحث بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.

وحاول موقع "الحرة" التواصل مع وزارة الداخلية المصرية للتعليق إلا أنه لم يتلقى جوابا حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

لكن على جانب آخر، يؤكد زهري أن "اللاجئين لا يؤثرون على الأمن القومي المصري"، واصفا الحديث عن ذلك بـ"أمر مبالغ به جدا".

وهؤلاء اللاجئين "لا يمثلون أي تيارات سياسية مناهضة أو مناصرة للتوجهات الرسمية المصرية"، وفق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر.

وفي سياق متصل، لا يري الديب أن "اللاجئين يمثلون أي تهديد للأمن القومي المصري".

وجميع اللاجئين تحت "أنظار الأجهزة الأمنية المصرية"، والدولة لديها "قاعدة بيانات لكافة الضيوف"، ولذلك "فلا توجد مخاوف أمنية من وجودهم على أرض مصر"، وفق الباحث بالاقتصاد السياسي.

طاقة بشرية أم كارثة مستقبلية؟

يمكن استغلال الطاقة البشرية الكبيرة من اللاجئين في "تحريك وإدارة عجلة الإنتاج لأن بينهم عمالة مدربة وأصحاب خبرات وكفاءات، ما يعود بالفائدة على الاقتصاد المصري"، وفق الديب.

ويشير إلى أن الدولة المصرية تتقاضى "دعما ماليا" من الأمم المتحدة ودول أوروبية من أجل برامج دعم اللاجئين، ولا يمكن لمصر أن تكون "دولة طاردة للاجئين".

لكنه يؤكد في الوقت ذاته أهمية "زيادة دول العالم وخاصة الاتحاد الأوروبي مساعدة مصر ودعمها بشكل أكبر"، فيما يخص اللاجئين المتواجدين على الأراضي المصرية.

وإذا ترك هؤلاء اللاجئين الأراضي المصرية سوف يتجهون إلى أوروبا عن طريق الهجرة الشرعية أو غير الشرعية، ما سوف يتسبب في مشكلات كبيرة لدول الاتحاد الأوروبي، حسبما يحذر الديب.

لكن على جانب آخر، يحذر عطا من "كارثة اجتماعية وأمنية واقتصادية مستقبلية" بسبب وجود ملايين اللاجئين على الأراضي المصرية.

ويتساءل: "إلى متى ستكون مصر حاضنة للاجئين وهي لا تمتلك وافر اقتصادي كدول الخليج مثلا؟".

ولذلك "لابد على الحكومة مراجعة ملف الضيوف من مختلف البلدان العربية والأفريقية وإلا ستكون هناك نتائج كارثية اجتماعية وأمنية واقتصادية على المصريين قريبا"، وفق الباحث بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.