سفينة شحن في ميناء بالبوا قبل عبور قناة بنما
سفينة شحن في ميناء بالبوا قبل عبور قناة بنما

تتنوع استخدامات التعريفات الجمركية بحسب الأهداف المرجوة منها، ويختلف ذلك بين الدول النامية والمتطورة، بحسب خبراء، وقد برزت أهمية هذا الأمر بعد التعريفات الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على عدة دول قبل أيام.

وذكرت وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أن القرارات الاقتصادية - أحادية الجانب - التي تتخذها الدول الأعضاء، دون المرور عبر منظمة التجارة العالمية أو نظام الأمم المتحدة، يمكن أن تخلق حالة من عدم اليقين، مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وتضرر الدول النامية بشكل خاص.

وفي ظل تصاعد التوترات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، تبرز التعريفات الجمركية بوصفها أداة رئيسية في هذا التوتر، مما يثير تساؤلات حول طبيعتها وتأثيرها على الاقتصاد العالمي.

وقالت مديرة قسم التجارة الدولية في الأونكتاد، لوز ماريا دي لا مورا، إن التعريفات الجمركية ليست بالضرورة مشكلة في حد ذاتها، ولكن المشكلة تكمن في عدم اليقين الذي تخلقه عندما يتم استخدامها بشكل غير متسق مع قواعد التجارة الدولية.

وأشارت خلال مقابلة مع موقع "أخبار الأمم المتحدة" إلى أن التعريفات الجمركية يمكن أن تكون أداة مفيدة لحماية الصناعات المحلية في الدول النامية، ولكن يجب استخدامها بحذر لتجنب الإضرار بالمستهلكين والاقتصاد ككل.

وأضافت أن الدول النامية هي الأكثر عرضة للتضرر من تباطؤ التجارة العالمية، حيث تعتمد 95 دولة نامية على صادراتها.

وأوضحت المسؤولة الأممية أن التعريفات الجمركية، التي تعرفها الأمم المتحدة بأنها "رسوم جمركية على واردات البضائع، تُفرض إما كنسبة مئوية من القيمة أو على أساس محدد"، ويمكن استخدامها لتحقيق أهداف مختلفة، مثل حماية الصناعات المحلية وزيادة الإيرادات الحكومية.

حماية الصناعات

البلدان المتقدمة غالبا ما تستخدم التعريفات الجمركية كجزء من سياسات اقتصادية أوسع تهدف إلى حماية صناعات معينة أو الاستجابة لديناميات التجارة الدولية. في المقابل، قد تستخدم البلدان النامية التعريفات الجمركية على نطاق أوسع لحماية الصناعات الناشئة ودعم التنمية الاقتصادية.

وعن ذلك تقول دي لا مورا: "تميل البلدان النامية عادة إلى وجود مستويات حماية أعلى، وهناك عدة أسباب، أحدها تطوير صناعة معينة".

وأوضحت أن "إحدى طرق مساعدة الصناعة على التطور والنمو هي حمايتها، من خلال التعريفات الجمركية، من المنافسة الأجنبية".

ودعت الدول إلى الالتزام بقواعد التجارة الدولية، والتعاون من خلال منظمة التجارة العالمية لحل النزاعات التجارية. وحذرت من أن استمرار استخدام التعريفات الجمركية كأداة للضغط السياسي ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.

ما هي "التعريفات الجمركية"؟

تعرف الأمم المتحدة التعريفات الجمركية بأنها "رسوم جمركية على واردات البضائع، تُفرض إما كنسبة مئوية من القيمة أو على أساس محدد".

ويمكن استخدام التعريفات الجمركية لخلق ميزة سعرية للسلع المماثلة المنتجة محليا ولزيادة الإيرادات الحكومية.

وبدأ موظفو الجمارك الأميركية، السبت، تحصيل الرسوم الجمركية الأحادية التي فرضها ترامب بنسبة 10 في المئة على جميع الواردات من العديد من الدول، ومن المقرر أن تبدأ رسوم أعلى على سلع من 57 شريكا تجاريا أكبر خلال الأيام المقبلة.

ودخلت الرسوم الجمركية الأولية، البالغة 10 في المئة، حيز التنفيذ في الموانئ والمطارات ومستودعات الجمارك الأميركية عند الساعة 12:01 صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة (04:01 بتوقيت غرينتش)، إيذانا برفض ترامب التام لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي يعتمد على معدلات رسوم جمركية متفق عليها بشكل متبادل.

أكبر إجراء تجاري

وقالت، كيلي آن شو، المحامية التجارية في مؤسسة هوغان لوفيلز والمستشارة التجارية السابقة للبيت الأبيض خلال ولاية ترامب الأولى "هذا أكبر إجراء تجاري أحادي في حياتنا".

وأضافت خلال فعالية لمؤسسة بروكينغز أنها تتوقع أن تتطور الرسوم الجمركية بمرور الوقت مع سعي الدول للتفاوض على معدلات أقل. وتابعت "لكن هذا أمر هائل. إنه تحول جذري وهام في طريقة تعاملنا التجاري مع كل دولة على وجه الأرض".

وأدى إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية، الأربعاء الماضي، إلى ارتباك أسواق الأسهم العالمية بشدة، حيث خسرت شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 ما قيمته 5 تريليونات دولار من قيمتها السوقية عند إغلاق يوم الجمعة، وهو انخفاض قياسي على مدى يومين.

وتراجعت أسعار النفط والسلع، بينما لجأ المستثمرون إلى السندات الحكومية كملاذ آمن. ومن بين الدول التي طُلب منها أولا دفع رسوم جمركية بنسبة 10 في المئة أستراليا وبريطانيا وكولومبيا والأرجنتين ومصر والسعودية، وفقا لرويترز.

الخوف يجتاح أسواق المال

وزادت التقلبات في الأسواق المالية، الجمعة، وارتفع "مقياس الخوف" الرئيسي في وول ستريت إلى أعلى مستوى في ثمانية أشهر، في الوقت الذي أظهرت فيه مؤشرات السوق الأخرى تزايد قلق المستثمرين من تداعيات الرسوم الشاملة التي فرضها ترامب.

وتراجعت أسواق الأسهم العالمية وانخفضت أسعار النفط الجمعة، مع اتجاه المؤشر ناسداك المجمع نحو هبوط طويل، بعد أن فرضت الصين رسوما جمركية جديدة على جميع السلع الأميركية مما أثار مخاوف من حرب تجارية عالمية موسعة.

شانيل- روسيا
شعار شانيل (صورة تعبيرية)

​في خطوة مفاجئة، فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعريفات جمركية بنسبة 20بالمئة على المنتجات المستوردة من الاتحاد الأوروبي، مما أثار قلقًا كبيرًا في قطاع السلع الفاخرة. 

وحسب خبراء فإن ذلك القرار يهدد بزيادة أسعار منتجات مثل حقائب شانيل وساعات رولكس، ويثير تساؤلات حول مستقبل العلامات التجارية الأوروبية في السوق الأميركية، خاصة وأن المستهلكين الأميركيين كانوا مسؤولين عن 24 بالمئة من إجمالي إنفاق السلع الفاخرة العالمي البالغ 1.62 تريليون دولار في العام الماضي.​

وفي هذا الصدد، قال إيوان ريلي، الشريك المؤسس لبنك الاستثمار BDA المتخصص في صناعة الأزياء: "كان من المفترض أن تكون الولايات المتحدة المنقذ لصناعة السلع الفاخرة".

ويواجه هذا القطاع تحديات أخرى بالفعل، متأثرًا بتباطؤ المبيعات في الصين، وركود في ألمانيا، وشيخوخة السكان في اليابان.

و الآن، مع عدم اليقين في السوق الأميركية الضخمة، يبدو أن العلامات التجارية غير مستعدة لمناقشة كيفية تأثير التعريفات على أعمالها أو أسعار منتجاتها.​

"غضب وعض للأظافر"

 من جانبه، رفض متحدث باسم LVMH، أكبر مجموعة سلع فاخرة في العالم والتي تضم أكثر من 75 علامة تجارية بما في ذلك ديور ولويس فويتون وفيندي، التعليق، على الرغم من أن الولايات المتحدة شكلت 25بالمئة من إيرادات المجموعة في عام 2024، ولويس فويتون هي العلامة التجارية الأوروبية الفاخرة الوحيدة التي لديها مصانع في الولايات المتحدة.​

كما رفضت بربري وشانيل التعليق، بطلب من صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، ولم تصدر هيرميس وكيرينغ (التي تمتلك غوتشي وبالينسياغا وسان لوران) وبويغ (كارولينا هيريرا، رابان ودريس فان نوتن) أي تعليقات.​

رافعات حاويات سلع قرب قناة السويس في بورسعيد
دول عربية قد تستفيد من قرار رفع الرسوم الجمركية الأميركية
بعد أيام من إعلان الرئيس دونالد ترامب فرض رسوم جمركية شاملة صدمت العديد من شركاء الولايات المتحدة التجاريين وهزت الأسواق العالمية، برزت مجموعة من الدول قد تستفيد من السياسات التجارية الأميركية رغم أن خطر الركود الناجم عنها قد يحد من النتائج الإيجابية.

وصف دوغ هاند، محامي الأزياء الذي يعمل بشكل أساسي مع العلامات التجارية الأميركية المستقلة التي تستورد موادها من الخارج، عملاءه بأنهم "يعضون أظافرهم ويشدون شعرهم"، في إشارة إلى الاستياء الكبير لديهم.

قال أندرو روزن، المستثمر والمستشار للعلامات التجارية الأميركية المستقلة مثل TWP وفيرونيكا بيرد وأليس وأوليفيا: "لا أعرف حتى ما ستكون تكلفة بضائعنا الأسبوع المقبل".​

وتتمتع العديد من العلامات التجارية الفاخرة بهوامش ربح كبيرة ويمكنها استيعاب بعض التكاليف، أو الضغط على مورديها لتقليل تكاليفهم، لكن المحللين توقعوا أن الأسعار سترتفع إذا استمرت التعريفات.​

من جانبه، قال لوكا سولكا، كبير المحللين المتخصصين في السلع الفاخرة في شركة الأبحاث بيرنشتاين: "معظم الناس في عقولهم الصحيحة يفكرون أنه يجب عليهم الانتظار". "تقلب السياسة الأميركية في الشهرين الماضيين كان جامحًا. قد يغير الرئيس رأيه، أو قد يبرم صفقة مع الاتحاد الأوروبي".​

بالتأكيد، لا يخطط أحد لبناء مصانع للملابس والسلع الجلدية الراقية في الولايات المتحدة، وهو أحد الأهداف المعلنة لسياسة التعريفات للإدارة.​

وفي نفس، السياق، أوضح ويليام سوسمان، المدير الإداري في بنك الاستثمار كاسكاديا كابيتال، الذي عمل مع فيكتوريا بيكهام وتومي هيلفيغر: "في كل محادثة أجريتها مع العملاء خلال الأيام الخمسة إلى العشرة الماضية، لم يكن هناك شخص واحد يتحدث عن بناء مصنع في الولايات المتحدة".​

عندما سئل عما إذا كان يفكر في مثل هذه الخطوة، قال برونيلو كوتشينيلي، مؤسس علامته التجارية التي تحمل اسمه، إنه ليس لديه مثل هذه الخطط. "صنع في إيطاليا هو جوهر هويتنا"، 

وأضاف: "شركتنا إيطالية، وسنستمر في التواجد في إيطاليا".​

في الخمسينيات والستينيات، كانت حوالي 98 بالمئة من الملابس في خزائن الولايات المتحدة مصنوعة في أميركا، اليوم، يبلغ الإجمالي حوالي 2 بالمئة. 

وسيستغرق الأمر سنوات لإعادة بناء صناعة ملابس قابلة للحياة، كما قالت دينيس ن. غرين، أستاذة مساعدة ومديرة مجموعة الأزياء والمنسوجات في جامعة كورنيل، فحتى الشركات التي تصنع الملابس في الولايات المتحدة تفعل ذلك بسحابات وأزرار من الصين، وصوف وجلود من إيطاليا، وكشمير من منغوليا.​

لهذا السبب، قال سولكا من بيرنشتاين، إذا تم تنفيذ التعريفات بنسبة 20بالمئة على السلع من الاتحاد الأوروبي و31بالمئة على السلع من سويسرا، "سيدفع الأميركيون أكثر بكثير".​

وهذا هو السبب، قال روزن، "هذا ليس ضريبة على الدول - إنها ضريبة على الشركات والمستهلكين الأميركيين".​

بالطبع، إذا كان هناك أي مستهلك يمكنه استيعاب التكاليف الأعلى، فهو مستهلك السلع الفاخرة، حسب خبراء الاقتصاد، ومع ذلك، ليس كل مستهلكي الفخامة متشابهين من الناحية المالية. 

وفي هذا المنحى أوضح أخيم بيرغ، مؤسس Fashion Sights، وهو مركز أبحاث لصناعة الفخامة، إن حوالي 70 بالمئة من مشتري الفخامة هم "عملاء أثرياء وطموحين".